الثلاثاء، 10 مايو 2022

الحملة الفرنسية في الدقهلية ودمياط للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي

الفصل الخامس عشر
في الدقهلية (۱) ودمياط 

على أثر تعيين الجنرال فيال Vial قومنداناً لمديريتي المنصورة ودمياط في أوائل 
أغسطس سنة ۱۷۹۸(۲) مضى بفرقته إلى المديريتين لإخضاعهما ، فقصد أولا إلى 
المنصورة ومكث بها قليلا وترك بها حامية تحتلها ، ثم تابع سيره إلى دمياط ليجعلها 
مقراً لفرقته ، فاحتلها واحتل عزبة البرج

واقعة المنصورة 
ائتمر أهالي المنصورة والبلاد المجاورة بجنود الحامية واتفقوا على الفتك بهم ، 
فبينما كان الجنود في معسكرهم يوم ۱٠ أغسطس سنة ۱۷۹۸ دخلت المدينة جموع
كثيرة من أهالي البلاد المجاورة، وكان اليوم يوم السوق العامة ، فاختلطوا بأهل 
المدينة ، ووافقوهم على الفتك بجنود الحامية ، فهاجموا الجند ، ونادت المدينة كلها 
بالثورة رجالا ونساء ، وكان النساء يحرضن أزواجهن على أن يثوروا 
بالفرنسيين (۳) ، ولما شعر الجنود بالخطر امتنعوا في معسكرهم فحاصره الثائرون 
وشرعوا في دكه و أشعلوا فيه النار فاضطر الجنود إلى إخلائه هاربین وانحدروا
إلى السفن قاصدين الفرار ، ولكن الجموع تكاثرت عليهم و أبي رجال السفن أن 
يحملوهم ، فالتجأوا إلى البر و قصدوا إلى دمياط ولكن الثوار أخذوا عليهم الطريق 
ثم قتلوهم عن آخرهم (٤) وكان من الناجين امرأة أحد الضباط وابنتها فأبقى عليهما 
الثوار ولم يمسوهما بسوء ، ويقول ريبو (٥) إن الفتاة قد اشتراها شيخ العرب 
( أبو قوره ) وتزوج بها فلبثت عنده حتى مات عنها سنة ۱۸۰۸ في عهد محمد علي 
باشا و بقيت حافظة عهده قائمة على تربية أولادها منه بعد وفاته ، وقد أيد كلوت 
بك هذه الرواية في كتابه (٦) مع اختلاف في بعض وقائعها ، وهو يقول إن هذه 
الواقعة حصلت عندما شرع الفرنسيون في الجلاء عن مصر ، على أنه لم تحصل 
وقائع في المنصورة عند جلاء الفرنسيين ، وكلوت بك يرجع إليه فيها حققه 
وشاهده بنفسه ، ويقول إنه سمع بنبأ هذه الواقعة حينما كان كبير أطباء الجيش 
المصري في عهد محمد علي باشا فزار دار أبي قورة بميت العامل (٧) سنة ۱۸۳٤ ، أي 
بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة من الواقعة ونزل بها « وكان قصراً فسيحاً قائماً 
بالقرب من مساكن العرب » ، و قابل زوجة أبي قورة الفرنسية وابنها ، قال يصف 
هذه المقابلة : « ولقد أحسن ابنها لقائي وأكرم مثواي ، ولما عرف أنني فرنسي 
الجنس ذكر لي والدته وقال إنها فرنسية ، فكاشفته رغبتي في لقائها ، وكانت ذریعتي 
إلى ذلك مهنة الطب التي أقوم بها ، فلما بلغت خدرها تلقتني محيية باللغة الفرنسية ، 
وتبينت أنها إيطالية الجنس ، وعلمت منها فعلا أنها ولدت بمدينة البندقية ، وأن
والدها كان تاجر قبعات اسمه بارتولى ، وأن والدتها كانت تسمى مرجريت ، و أن 
اسمها هي جوليا ، وأن العربان سبُوها وهي خارجة من المنصورة إذ أركبوها
جواداً وانطلقوا يطوون بها الفدافد والسباسب حتى بلغوا بها في المساء داراً كبيرة 
التقت فيها برجل يغطيه من الرأس إلى القدمين حرام أبيض ، وأن هذا الرجل بذل 
لها من مظاهر العطف والميل ما لا يوصف ، وأنه جردها من ثيابها الأوروبية 
ليلبسها بدلا منها ثوباً شرقياً فضفاضاً ، ثم سلمها من الحلي والجواهر ما قيمته ستمائة
کیس ، أي ما يعدل مائة ألف فرنك تقريباً ، وجعل في خدمتها عدداً كبيراً من 
العبيد والجواري ، و ذلك الرجل هو الزعيم (أبو قوره) الذي كان مشهوراً بالشوكة 
والجاه الطويل ، ولكن هذا الالتفات وهذا العطف كانا يضجرانها ، فكانت 
لا تكف عن البكاء وتعرب بالقول والإشارة والصياح عن رغبتها في العودة إلى 
ذويها ؛ ومع هذا فلم ينقض أحد عشر شهراً حتى رزقت غلاماً ، فهدأ شعور 
الأمومة نحو وليدها ثائرة التذمر والاستياء ولطف من أسرها في هذا المكان فلم 
يسمعها إلا احتماله والرضاء به ، ولما مات زوجها ، وكانت توليه الحب الصادق 
وتعيش معه في بحبوحة الهناء والنعيم ، أ كرهت على التزوج بأخيه فلم تجد منه 
ما كانت تلقاه في أخيه المرحوم من حسن الرعاية وجميل العطف »(٨)

وذكر كلوت بك ما كان عليه ( أبو قورة ) من الجاه والثراء فقال إنه كان 
يقاوم سلطة الماليك مدة حكمهم وكانت له السيادة في إقليم المنصورة وقتئذ وكان 
يملك أربعاً وأربعين قرية وبضعة آلاف من الجمال وقطعانا لا عداد لها من الأغنام 
وأكثر من خمسمائة عبد و جارية من الأرقاء

والآن نعود إلى الكلام عن واقعة المنصورة ونتائجها

أشعلت هذه الواقعة نار الثورة والهياج في البلاد المجاورة ، وكادت الثورة 
تستفحل ويتسع مداها ، لولا وصول الجنرال دوجا Dugua الذي عينه نابليون 
قومندانا لمديرية المنصورة (۹)

وصل دوجا وجنوده جنوبي المنصورة يومي ۱۷ و ۱۸ أغسطس سنة ۱۷۹۸، 
فعلم عند وصوله ما حل بجنود الحامية ، وكان أهل المدينة يتوقعون انتقاماً شديداً، 
فكتب الأعيان رسالة إلى ديوان القاهرة يبرؤون من الاعتداء على الجنود ، 
وينسبون ذلك إلى الفلاحين والعرب الذين اقتحموا المدينة يوم الواقعة ، وذهب 
قاضي المنصورة خصيصا إلى القاهرة ليدافع عن مسلك سكان المدينة ، وقد علم 
نابليون بنبأ الحادثة وجاءته رسالة أعيان المنصورة التي كتبوها إلى الديوان ، 
فبعث إلى الجنرال دوجا يطلب منه عقاب أهالي المنصورة عقابا شديداً ، ويأمره 
أن يقتل تسعة أو عشرة من أعيانها (١٠)

وكان الجنرال دوجا معروفا بين قواد نابليون بالحكمة والأناة وحسن السياسة ، 
فاستعمل الحكمة في توقيع العقاب وإعادة النظام في المدينة ، وأراد أن يتحقق من 
المعتدين حتى لا يأخذ بريئا بمذنب ، وقد تبين من الفحص عن أمرهم أن معظم 
المعتدين من البلاد المجاورة ، وأن زعماء المحرضين على قتل الحامية قد غادروا 
المنصورة ومنهم رجلان كانت لهما شهرة في تلك الجهات بالسطوة والجاه و شدة 
البأس ، وهما الأمير مصطفى ، وعلي العديسي ، فاكتفى الجنرال دوجا بالحكم على 
اثنين من أهالي المنصورة بالإعدام ، لثبوت اشتراكهما في القتل ، وأنفذ الحكم 
فيهما وطافوا برأسيهما في شوارع المدينة عبرة وإرهابا ، وأخذ الجنرال دوجا 
يتأهب لتعقب المعتدين في بلاد البحر الصغير والقبض على الأمير مصطفى ، وعلي 
العديسي ، وتجريد حملة عسكرية لمعاقبة القرى التي اشتركت في الاعتداء على الجنود

وكان الذعر قد استولى على المنصورة وهاجر كثير من أهلها فراراً بأنفسهم 
من اتهامهم في واقعة قتل الحامية ، وتعطلت التجارة ، وركدت أسواق المدينة ، 
فطلب الجنرال دوجا من نابليون أن يأذن له إذا لم يظفر بالمعتدين في إعلان 
العفو ، ليعود الأهالي إلى أعمالهم ، بشرط أن لا يتناول العفو أهل القرى المجاورة 
الذين اشتركوا في الواقعة ، وكان غرض الجنرال دوجا أن يؤخر معاقبة سكان
هذه القرى إلى أن تصل القوة الكافية ، وينحسر الفيضان الذي كان يتلف الطرق ، 
ويعطل المواصلات

أقر نابليون الجنرال دوجا على خطته و أرسل له في ٣۱ أغسطس سنة ۱۷۹۸ 
يأذنه أن يمنح المدينة العفو ، وطلب إليه أن يستخدم ما يراه لإقرار الطمأنينة 
وإعادة الأعمال سيرتها الأولى ، وكلفه في الوقت نفسه أن يكتب إلى أعيان 
البلاد المجاورة التي اشترك أهلها في قتل الحامية الفرنسية يطلب أن يسلموا 
المعتدين منهم وإلا استهدفوا لإحراق قراهم بالنار

وطلب إليه إخضاع بلاد مديرية المنصورة و أخذ رهائن من كل قرية اشترك 
أهلها في الاعتداء على الجنود ، ثم إحراق القرى التي يرى أنها كانت أبلغ 
في الاعتداء ، وأمر نابليون بفرض غرامة ثلاثة آلاف ريال على أعيان 
المنصورة عقابا لهم على سوء صنيعهم ، وفرض ألفي ريال خاصة على السيد 
علي الشناوي أحد أعيان المدينة ، ثم ألفي ريال على القرى التي أعتدت 
على الجنود(۱۱)

وقد لقى الفرنسيون عناء كبيرا في إخضاع مديرية المنصورة ، فقد أشتدت 
فيها المقاومة وامتنع كثير من البلاد عن دفع الضرائب ، ويقول ريبو (١۲) إن 
محصلي الأموال الأميرية كانوا إذا ذهبوا إلى القرى لجباية الضرائب أو مصادرة 
أملاك المماليك يقابلون بالرصاص رمياً ، أو بالعصي ضرباً ، وفي بعض الأحيان
كانوا يصحبون بعض الخفراء لحراستهم ، فلا يعصمهم ذلك أن يلقوا مثل هذه 
المقابلة ، وعطل الفيضان حركات نقل الجنود في البر ، فساعد هذا العامل على 
فيضان روح الثورة في القرى ، واضطر الجنرال دوجا إلى تأخير ما عهد إليه من 
إخضاع ذلك الإقليم ومعاقبة القرى التي ثارت في وجه الجيش أو التي اشتركت 
في قتل الحامية الفرنسية بالمنصورة

الحملة على سنباط و میت غمر 
كانت مهمة الجنرال دوجا أن يكتشف الجهات التي عزم على تجريد الحملة عليها 
قبل أن يغامر فيها ، وكانت بلدة ( سنباط )(١٣) من القرى التي شاركت بلاد 
الدقهلية في الثورة ، فاتخذها الجنرال دوجا أول هدف له ، وهي وإن كانت 
في مديرية الغربية إلا أنه رأى أن يبدأ بمهاجمتها لسهولة الوصول إليها بطريق 
النيل ، وكانت أوامر نابليون تقضي بإحراق هذه البلدة . وكان الجنرال مورا 
Murat قومندان القليوبية مكلفاً بمعاونة الجنرال دوجا في إخضاع إقليم المنصورة 
فانتقل من بنها إلى ميت غمر في أواخر أغسطس سنة ۱۷۹۸ لمراقبة العرب النازلين 
في تلك الجهة وبخاصة في دنديط (١٤) ممن توجهت عليهم تهمة الاشتراك في واقعة 
المنصورة ، وكان منوطا به كذلك تجريد الأهالي من السلاح ، على أنه لم يستطع 
إنفاذ هذه المهمة وكتب إلى نابليون في سبتمبر يسأله العدول عن هذه المهمة 
الشاقة ويقول في خطابه : « اني أعتقد أن سياسة تجريد الأهالي من السلاح طريقة 
ضارة وغير حكيمة إذ أرى أن العرب المزارعين مسلحون وتسليحهم مفيد لأنهم 
يحمون البلاد من سطوات البدو الرحّل ، ويحفظون الأمن في هذه الجهات ، 
وصعبٌ من الآن إلى وقت لا يزال بعيداً أن نسلبهم السلاح دون أن نوقع الحرج 
في صدورهم وندفعهم إلى الثورة كما حدث في مديريات أخرى ، لذلك أعتقد أنكم 
ترون ما أراه في الانتظار بهم حتى يستقر نظام الحكم الجديد ، وما هو الآن خطأ 
يكون يومئذ صواباً »

هاجم الجنرال مورا في شهر سبتمبر قوة من العرب في دنديط بالقرب من 
ميت غمر فهزمهم وشتت جمعهم بعد أن قتل بعضهم وجرح رئيسهم واستولى منهم 
على ۲۰۰۰ رأس من الغنم

أما في سنباط فقد أنفذ الجنرال دوجا الجنرال فردييه Verdier لمعاقبة العرب 
النازلين بها ، فغادر فردييه المنصورة يوم ۱٢ سبتمبر بطريق النيل في ٥۰۰ جنديا ،
فالتقى على مقربة من سنباط بقوة من العرب فهزمهم واستولى على خيامهم وماشيتهم 
ومتاعهم (١٥) ، غير أن العرب تمكنوا من الإفلات فلم يقعوا في أيدي الفرنسيين 
ولاذوا بالتلال القائمة حول سنباط وأرادوا أن يقاوموا القوة الفرنسية لكنهم 
نكصوا أمامها وألقوا بأنفسهم في النيل وذهبوا يسبحون ونجا منهم من نجا ، 
وعادت القوة الفرنسية إلى المنصورة

ثم تجددت الاضطرابات في منطقة ميت غمر ودنديط وميت الفرماوي 
في شهر أكتوبر سنة ۱۷۹۸ ، وباتت المواصلات النيلية في فرع دمياط مهددة ، 
فعهد نابليون إلى الجنرال مورا والجنرال لانوس بالتعاون على إخماد حركة الثورة 
في تلك المنطقة

التقى القائدان بالنيل عند بنها (١٦) وسارت قواتهما من الجنود بالمراكب قاصدين 
إلى ميت غمر ، فأرسوا على شاطىء النيل بالقرب منها ، وساروا قاصدين مهاجمة 
الثوار الذين احتشدوا في ( دنديط ) ، وكان الجنرال مورا يتولى قيادة الميمنة 
والجنرال لانوس يقود الميسرة ، فسار الجنود الفرنسية بنظامهم الحربي لمهاجمة 
الثوار في معقلهم ، وكان السير متعذراً لأن الثوار قطعوا جسور الترع فغمرت 
المياه الأراضي ، ووحل الجنود في الطرق والمستنقعات ، ولما بلغت جموعهم 
دنديط انسحب منها الثوار إلى ( ميت الفرماوي ) وهناك امتنعوا بها وكان معهم 
مدفعان فقاوموا هجوم الفرنسيين مقاومة شديدة ثم اضطروا إلى الارتداد عن 
القرية فاستولى عليها الفرنسيون وعلى المدفعين اللذين كانا بها ، واعتصم الثوار 
بالتلال القريبة منها ، فتعقبهم الفرنسيون وأجلوهم عنها ، ثم استمر الثوار 
في انسحابهم حتى بلغوا ( الهوابر ) وعجز الفرنسيون عن متابعتهم لما لحقهم 
من الإعياء ، ولما غمر الأرض من مياه الفيضان ، فرجعوا أدراجهم إلى 
ميت غمر

فيضان الثورة 
كان طائف الثورة يطوف في مختلف البلاد حيث كانت كلما أخمدت في جهة 
انبعثت في جهة أخرى ، قال ريبو في هذا الصدد : « كان الجنود يعملون على 
إخماد الثورة بإطلاق الرصاص على الفلاحين وفرض الغرامات على البلاد ، لكن 
الثورة كانت كحيَّة ذات مائة رأس كلما أخمدها السيف والنار في ناحية ظهرت 
في ناحية أخرى أقوى وأشد مما كانت ، فكأنها كانت تعظم ويتسع مدادها 
كلما ارتحلت من بلد إلى بلد آخر »

وقال في موضع آخر يصف حالة الشعب النفسية و مركز الفرنسيين : « إن 
مصر قد فوجئت بالحملة الفرنسية ، فأخذت تنتفض وتجاذب للتخلص من قبضة 
الفاتح الحديدية ، لقد كنا نرابط في مصر ونحتلها احتلالا عسكريا ، وعلى الرغم 
مما بذلناه من الجهود ليقبلنا الشعب كما يتقبل محرريه فقد بقيت سلطتنا قائمة على 
القوة لا على الإقناع ، وكان اختلاف الدين واللغة والطباع والعادات مما يجعل 
الامتزاج بين الغالب والمغلوب عسراً بعيد الاحتمال ، فكانت سياستنا قائمة على 
إكراه الشعب على الإذعان بالحزم مرة وبالقوة مرة وقمع كل ثورة ومكافأة من 
يخدم السلطة الفرنسية ، ولإدراك هذه الغاية وزع بونابرت الجيش على مختلف 
أنحاء القطر لإخضاعها وجعلها موضع مراقبة دقيقة ، وكان قواد الفرق فضلا عن 
اختصاصاتهم الحربية ، يتولون الإشراف على الأعمال الإدارية والمالية 
في مديرياتهم ويراقبون جباية الأموال والغرامات ويشرفون على مجالس الدواوين 
في الأقاليم حتى لا تتعدى اختصاصها(۱) »

الحملة على البحر الصغير
اهتم نابليون بإخضاع بلاد البحر الصغير ، الكائنة بين المنصورة وبحيرة المنزلة
وارتياد الجهات الموصلة إلى البحيرة ، وكان يرمي من جهة إلى إخضاع تلك البلاد،
ومن جهة أخرى إلى تأمين المواصلات بين دمياط والمنصورة والصالحية وبلبيس
حتى يطمئن على حدود مصر الشرقية ، وقد بعث إلى الجنرال دوجا في هذا الصدد
بعدة رسائل تظهر مبلغ اهتمامه بهذا القطاع (١٧)

جرد الجنرال دوجا حملة عسكرية لإخضاع البحر الصغير ومعاقبة القرى الثائرة
في هذا الإقليم ، وأنفذ لهذا الغرض الجنرال داماس Damas والجنرال دستنج
Destaing في قوة من الجنود الفرنسية ، ورسم لهما الخطة التي يتبعانها ، فكان أمره
للجنرال داماس أن يمضي رأساً إلى بحيرة المنزلة لارتيادها وإخضاعها ، وعهد إلى 
الجنرال دستنج معاقبة بلدتي " منية محلة دمنة " و " القباب الكبرى " الواقعتين على 
بحر أشمون (١٨) إذ جاهر أهلهما بالعصيان والامتناع عن دفع الضرائب والغرامات 
التي فرضت عليهم

حسن طوبار
وكان لهذه المهمة شأن وخطر في تلك الجهات ، لما امتد في انحائها من أسباب 
الثورة والهياج ، ولظهور جماعة من زعماء الأهالي يحرضون الناس على مقاومة
الفرنسيين ، وقد تكرر في كثير من رسائل وتقارير القواد الفرنسيين في مديريتي 
المنصورة ودمياط اسم " حسن طوبار " شيخ بلدة المنزلة في ذلك الحين كزعيم 
للمحرضين ، وخصم عنيد لا يستهان به ، ومدبر لحركات المقاومة في هذه الجهات 
كما تردد اسم الأمير مصطفى وعلي العديسي كمحرضين في واقعة الاعتداء على حامية 
المنصورة 

كان حسن طوبار زعيما لإقليم المنزلة ، وكان هذا الإقليم جياشاً بمتاعب كثيرة 
للفرنسيين ، كتب ريبو في كتابه يصف سكان هذه الجهات بقوله : " إن مديرية 
المنصورة التي كانت مسرحاً للاضطرابات ، تتصل ببحيرة المنزلة ، وهي بحيرة كبيرة
تقع بين دمیاط و بیلوز القديمة ( الطينة ) والجهات المجاورة لهذه البحيرة ، وكذلك 
الجزر التي بها ، يسكنها قوم أشداء ذوو نخوة ولهم جلد وصبر ، وهم أشد بأساً 
وقوة من سائر المصريين ، ثم هم أغنياء بما ينالون من الصيد، ولهم في البحيرة 
خمسمائة أو ستمائة مركب (١۹) تجعل لهم السيادة في البحيرة ، ولهؤلاء الجزائريين 
أربعون رئيساً منهم ، وكل هؤلاء الرؤساء يتبعون حسن طوبار شیخ بلد المنزلة 
وهو الزعيم الأكبر لهذه المنطقة (۲٠)  »

ويقول الجنرال أندريوسی Andreossi (۲۱) الذي ارتاد بحيرة المنزلة وقدم عنها 
تقرير إلى المجمع العلمي بمصر (۲۲) : « إن لسكان هذه الشواطىء أربعين رئيساً 
يتبعون الشيخ حسن طوبار الذي احتكر الصيد في البحر لقاء جعل للحكومة ، 
وحسن طوبار من أكبر أغنياء القطر المصري ، وربما كان أغناهم ، وهو من 
المنزلة ، وفي أسرته مشيخة البلد يتوارثونها من أربعة أو خمسة أجيال ، وله سلطة 
واسعة تقوم على مكانته في النفوس ، و ثروته وعصبيته ، من ذوي قرباه، و أتباعه، 
وعلى مؤازرة العرب الذين يقطعهم الأراضي ليزرعوها ويغدق على رؤسائهم بالهدايا 
والتحف »

سير الحملة على البحر الصغير 
بدأت تتحرك الجملة على البحر الصغير من المنصورة يوم ۱٦ من سبتمبر سنة 
۱۷۹۸ ، ويهمنا قبل أن نصف خط سيرها أن ننقل هنا بعض التعليمات التي أصدرها 
الجنرال دوجا لكل من الجنرالين داماس وديستنج ليتبعاها ، فإن في هذه التعليمات 
صورة حية لحالة البلاد في ذلك العصر وحالة الشعب النفسية ، قال دوجا فيما عهد به :

« منية محلة دمنه والقباب الكبرى — هاتان القريتان واقعتان تحت تأثير رجلين 
يجب أسرهما ، وهما علي العديسي من المنية والأمير مصطفى من القباب ، وقد وصلتني
رسالة من الجنرال فيال Vial ( قومندان مديرية دمياط ) ينسب إليهما تهمة الاتصال 
بالشيخ حسن طوبار شیخ بلد المنزلة وانتظارهما النجدة منه ، فيجب أن لا يترك 
له الوقت لإمدادهما ، ومن ثم يجب مهاجمة المنية والقباب أسرع ما تمكن السرعة 
ثم احتلال موقع عسكري بين القباب ودموه السباخ (۲٣) يحول بين الرجلين وبين 
كل مدد يأتيهما ، وإذا قاوم الأهالى وجب سحقهم وسحق قراهم ، وإذاسلموا بدون 
إطلاق النار فيجب عليهم أن يسلموا في الحال عشرين رهينة منهم ، وأن يسلموا 
علي العديسي والأمير مصطفى ، ويسلموا كذلك جميع أسلحتهم وعشرين جواداً 
وثلاثين من الماشية ، و يغرموا ثلاثة أمثال الضريبة المفروضة عليهم ، وإذا رأيتم 
بعض القرى تتخذ السلاح لمؤازرة المنية والقباب ، فأضربوا في أهلها ، وخذوهم 
أخذ الأعداء أعداءهم ، وإذا انتهت الحملة على المنية والقباب بإعادة السكينة 
والخضوع فعلى الجنرال دستنج أن يعود إلى المنصورة فيمن معه من الجنود ، أما 
إذا ظهرت الثورة في بلاد أخرى فعليك أن تتابعوا سيركم لإخضاعها »

« تعليمات خاصة للجنرال داماس — إن مهمة الجنرال داماس هي أولا 
مساعدة الجنرال دستنج في معاقبة منية محلة دمنة والقباب الكبرى ، وعلى ذلك يتبع 
التعليمات السابقة فهي لهما جميعاً ، و ثانياً عليه أن يمر في بحر أشمون ( البحر الصغير ) 
إلى بحيرة المنزلة ويقيس عمقه على طول البحر ، ويخضع البلاد الواقعة على شاطئيه ، 
وينتزع رهائن من كل البلاد التي لم تدفع الضرائب المفروضة عليها ، أو تسلم الخيل 
المطلوبة منها

« وإن الجنرال فيال منزعج من مقاصد الشيخ حسن طوبار شیخ بلد المنزلة ، 
ومن حشده عدداً كبيراً من المراكب في المطرية ، فإذا كان هذا صحيحاً فمن 
الواجب أسر الشيخ حسن طوبار وتحطيم أسطوله ، وعلى الجنرال داماس أن 
يجمع كل ما يمكن العلم به من غور بحيرة المنزلة والترع التي تصب فيها ، والبلاد 
الدانية من مصبها ، والفتحات التي تصل البحيرة بالبحر الأبيض، وعمقها وعرضها ،
وطبيعة الجزر الكائنة بالبحيرة وسكانها ، ثم يعود إلى المنصورة في طريق أشمون 
( البحر الصغير ) ، وعليه أن يتبين طريق الصالحية ( جنوبي بحيرة المنزلة ) ، 
والطريقة التي يمكن بها جمع السفن في بحيرة المنزلة لنقل فرقة عسكرية إلى صان »

تنفيذاً لهذه التعليمات تحرك الجنرالان دماس ودستنج على رأس الجنود الفرنسية 
من المنصورة يوم ۱٦ سبتمبر سنة ۱۷۹۸ الساعة السادسة مساء، وساروا بالبحر 
الصغير على ظهر السفن ، فأرسوا ليلا على مقربة من منية محلة دمنة ، وشعر أهالي 
المنية باقتراب الحلة فأخلوا بلدتهم ، وفي فجر اليوم التالي أنزل القائدان الجنود إلى 
البر وزحفوا على المنية فكانت خالية من السكان ، فتابعوا السير إلى القباب 
الكبرى ، فإذا هي كذلك خالية من أهلها ، وقد كلف الجنرال داماس مشايخ بعض 
القرى المجاورة أن يبلغوا أهالي القريتين أن يعودوا فإن القوة لا تنالهم بشر إذا 
دفعوا الضرائب المفروضة عليهم ، وهنالك افترق القائدان الفرنسيان ، فرجع 
الجنرال دستنج إلى المنصورة من طریق بحر أشمون ، ومضى الجنرال داماس إلى 
المنزلة تنفيذاً للمهمة التي كلف القيام بها و معه من الجنود نحو ثلثمائة جندي بأسلحتهم 
وذخيرتهم ، ولما بدأ الجنرال داماس سیره جاءته رسالة من الجنرال دوجا أنه 
موافيه بمدد من الجند ، فانتظر داماس في المرساة (۲٤) حتى جاءه المدد ليلا ، وفي 
اليوم التالي سار بجنوده وواصل السير وانتظر غير قليل في ميت السودان (۲٥) 
فالدراكسة (۲٦) لتموين جنوده ، ثم وصل مساء إلى برنبال الجديدة (۲٧) وكان الجنرال 
دستنج قد وصل في صباح هذا اليوم إلى المنصورة .

معركة الجمالية (۲٨) 
عسكر الجنود ليلا في برنبال الجديدة ، وغادروها قبل شروق الشمس فوصلوا 
بحراً تجاه (الجمالية) في نحو الساعة العاشرة صباحاً ، فوحلت سفنهم في بحر أشمون من 
قلة المياه ، وانتهزها الأهالي فهاجموا السفن الفرنسية وكانوا يتبعونها من بعيد ، 
واشترك في هذا الهجوم أهالي الجمالية . فأطلقوا النار على السفن وأمطروها وابلا
من الحجارة من أعلى سور بلدتهم . فأمر الجنرال داماس بإنزال الجنود إلى البر 
لرد هجوم الأهالي . وأمكنه أن يفرق الجموع التي أحدقت بالقوة الفرنسية ، 
ولكنه بعد قتال أربع ساعات انسحب من الموقع الذي نزل به ورأى أنه 
لا يستطيع الثبات به ولا متابعة السير في بحر أشمون ، فأضرم النار في الجمالية وعاد 
أدراجه إلى المنصورة ومعه جرحاه وقتلاه .

خريطة معركة الجمالية
خريطة معركة الجمالية
خريطة معركة الجمالية


ا — الجمالية والسور الذي كان يحيط بها 
۲ — بحر أشمون (البحر الصغير ) وفيه السفن
المقلة للجنود 
٣ — المواقع الأولى التي نزل بها الجنود الفرنسية
لمقاومة هجمات الأهالي 
٤ — جموع الأهالي الذين هاجموا الجنود الفرنسية 
٥ — انسحاب الأهالي بعد كسر هجمتهم الأولى 
٦ — انسحاب الثوار من الجمالية والتجاؤهم إلى 
المستنقعات
۷ — انسحاب الفرنسيين إلى المنصورة بعد انتهاء
المعركة 
٨ — ترعة الجمالية 
۹ — میت شریف 
۱۰ — المواجد 
۱۱ — بركة المياه

عن خريطة مودعة في محفوظات وزارة الحربية الفرنسية سنة ۱۸۰۰ نشرها القومندان دی لاجونکيير
سنة ۱۸۹۹

سلك الجنرال داماس في عودته إلى المنصورة طريق البحر الصغير ومر في 
طريقه بميت سلسيل(۲۹) فأمر بإحراقها وكان أهلها قد تمردوا و أخلو بلدتهم وأوغلوا 
بعيداً عنها حيث كانت تفصلهم مياه الفيضان والمستنقعات عن خط سير الحملة فلم 
يستطع داماس اللحاق بهم

كانت معركة الجمالية ذات شأن و خطر . وصفها الضابط جازلاس Gazlas 
من ضباط كتيبة الجنرال داماس في تقريره عنها قال :

« لما وصلنا بحراً تجاه الجمالية . وهي قرية كبيرة قوية على الشاطىء الغربي من 
بحر أشمون . فوجئت السفن التي كانت تنقل الجنود بعاصفة من الأحجار والرصاص 
انهالت من أسوار البلدة وبيوتها . وفي الوقت نفسه رأينا جموعا كثيرة من العرب 
والمماليك والفلاحين مسلحين بالبنادق والسيوف والعصي ( الشماريخ ) تهرع من 
الجهات المجاورة مسرعة إلى مهاجمتنا . وكان بعضهم راكبين الخيل وأكثرهم مشاة . 
فدهشنا لهذه الهجمة العنيفة . ولكنا لم نؤخذ على غرة . ونزلت الجنود حاملة 
سلاحها إلى البر الشرقي المقابل للقرية وتأهبوا للقتال منتظرین قدوم الأعداء
( الأهالي ) . فرأينا أكثرهم شجاعة يغامرون بأنفسهم ويهجمون إلى أن يصبحوا 
في وسط جنودنا . لكن الجنود حاربوهم ببسالة ، وقد رأيت بنفسي جماعة من 
الفلاحين ليس بيدهم سلاح سوى العصي يهاجموننا بحماسة فيستشهدون بين أسنة 
رماحنا . وصدر لي الأمر بإطلاق النار على الأعداء المهاجمين . فأطلقنا النار عليهم 
وفرقنا هذه الجموع بعد أن تركت الميدان مغطى بجثث القتلى . ولقد تمكن بعضهم 
أن يعبروا الترعة ثانية و يمتنعوا في الجمالية . وهي قرية محاطة بالأسوار تحميها 
ترعة أشمون ( البحر الصغير ) من جهة والمستنقعات التي تغمرها المياه من جهة 
أخرى . فأمرني الجنرال داماس أن آخذ القوة الكافية واستولي عنوة على القرية . 
فعبرنا الترعة بجسر أقمناه على عجل . ووزعت جنودي . فعمدت إلى جزء منهم رد 
الهجمات الآتية من خارج القرية ، وهجمت بقوتي على القرية . واقتحمنا الباب 
الكبير رغم مقاومة أهلها الذين دافعوا عنها دفاعاً قوياً . فاستولينا على جزء من 
القرية . ولكن الأهالي ظلوا يدافعون عن الجزء الآخر ممتنعين في البيوت 
والشوارع . وهجم الثوار على القوة التي دخلت القرية ولكن صدتهم البنادق 
والحراب ، وحصر جزء منهم في القرية وتمكن جماعة آخرون أن يتسللوا منها 
فتلقتهم القوة المرابطة حولها ونجا منهم من ألقوا بأنفسهم في المستنقعات وذهبوا 
سباحة يحملون أسلحتهم »

وقد قدر جازلاس خسائر الفرنسيين في هذه المعركة بخمسة قتلى وخمسة عشر 
جريحاً ، وقدر خسائر الأهالي بخمسمائة (٣٠)

انتهت معركة الجمالية بإحراق البلدة وانسحاب الفرنسيين ، وعادت قوة الجنرال 
داماس إلى المنصورة يوم ۲۱ سبتمبر بعد أن مرت وهي راجعة بالكردي ومنية 
محلة دمنة ، وكان الأهالي في معظم القرى التي مر بها الجيش يخلون بلادهم خوفاً من 
انتقام الفرنسيين بحيث كان الجيش يصلها فلا يجدها إلا خالية

عود إلى حسن طوبار 
لم توفق الحملة الأولى على البحر الصغير في إتمام مهمتها ، وبقي حسن طوبار 
قوياً يثير البلاد ويستفز الناس للمقاومة ، وكان الفرنسيون يحسبون له حساباً 
كبيراً ويسعون بمختلف الوسائل أن يخضعوه أو يجتذبوه إلى صفوفهم ، وقد 
اتصل به الجنرال فيال vial في دمياط وأظهر له حسن طوبار استياءه مما بلغه من 
إحراق الفرنسيين للجمالية وقال إن هذا العمل سبة عليه في هذه الجهات ، لأن 
أهالي الجمالية يعتبرون أنفسهم في حمايته ، وقد أبلغ حسن طوبار الجنرال فيال أن 
ما أحدثه في نفسه إحراق الجمالية من القلق والهم يمنعه من مقابلته ، وأرسل 
نابليون من القاهرة بعض الهدايا إلى الجنرال فيال ليقدمها باسمه إلى حسن طوبار 
يستمیله بها ، فكتب فيال إلى الشيخ حسن يدعوه إلى الحضور لتسلم هذه الهدايا 
فأبى حذراً من أن تكون الهدايا وسيلة للقبض عليه

وكان حسن طوبار يخادع الفرنسيين عن خططه و مقاصده ، فقد أرسل له 
الجنرال داماس أثناء حملته بالبحر الصغير يدعوه إليه ، فأجاب الرسول أنه لا يأبى 
دفع الضرائب العادية على أن يتركه الفرنسيون حراً ولا يعرضوا له بسوء ، 
وفي الوقت نفسه كان حسن طوبار يستعد للقتال ويرسل عيالهُ و أمواله
إلى غزة(٣۱) ، وما زاد الفرنسيين ريباً في مقاصده أنهم علموا نبأ حركة يقوم بها 
الأتراك في عكا بسواحل سوريا إذ يجمعون هناك السفن بقصد الإغارة على بحيرة 
المنزلة من طريق فم الديبة(٣۲) ، وأن هذا هو السبب في حشد الشيخ حسن طوبار
كل ما نالته يده من السفن في بحيرة المنزلة ليشترك في تلك الحملة البحرية ، وتواترت 
الأخبار في ذلك الحين بأنه متفق مع ابراهيم بك زعيم المماليك الذي كان مرابطا 
بفلول جيشه في جنوب سوريا ، وأنهما على اتصال مستمر لمقاومة الفرنسيين ، 
فحسن طوبار كان يشعل نار الثورة في مختلف البلاد الواقعة بين دمياط والمنزلة 
والمنصورة ، وبينما كان يثير الأهالي في بلاد البحر الصغير ، كان في الوقت نفسه 
يجمع مراكبه في بحيرة المنزلة لمهاجمة دمياط ، وكان الرجل في نظر الفرنسيين 
عنواناً للمقاومة والعصيان

جاء في يوميات الجنرال لوجييه : « ولقد تأكدنا أن حسن طوبار كان يجوب 
بنفسه البلاد الواقعة على بحر أشمون يحرض الأهالي على الثورة ، وكان يرسل 
إلى بعض البلاد الأخرى رسله وأتباعه لتنظيم المقاومة ضد الفرنسيين ، وأنه هو 
الذي دبر واقعة الجمالية ، غير أنه من الصعب أن نلقي يدنا على هذا الرجل مع 
نفوذه العظيم بين الأهالي . وأن في استطاعته أن يحشد علينا قوات كبيرة جداً . 
وقد جاءتنا الأخبار أن أهالي بعض القرى الواقعة على النيل أطلقت النار على 
السفن المقلة للجنود الفرنسية . وأن الدلائل تدل على أن الثورة عامة . ومن 
المحقق أننا كنا نستهدف لأخطار بالغة لو تشجع الثوار بانتصار يضرم في قلوبهم 
نار الحماسة »

في دمياط 
كانت دمياط ( كما هي الآن ) من أهم بلاد القطر المصري من الوجهتين 
الاقتصادية والحربية . وكانت مركزاً تجارياً وصناعياً كبيراً . تصدر منها متاجر 
البلاد وترد إليها وارداتها القادمة من سوريا وقبرص والأناضول وتركيا واليونان
وفرنسا. وبها كثير من الوكائل والخانات القائمة آثارها إلى اليوم . واشتهرت 
بتجارة الأرز والأقمشة والمنسوجات والخشب . وكانت تزاحم الإسكندرية 
في مركزها التجاري . واشتهرت هي والقرى المحيطة بها بصناعة الأقمشة إذ تنسج 
بها أحسن منسوجات القماش والحرير والتيل بالقطر المصري

قدر « ریبو » عدد سكان دمیاط في ذلك العصر بستين ألف نسمة (٣٣). ويلوح 
لنا أن هذا التقدير فيه شيء من المبالغة . لأن المسيو جومار أحد مهندسي الحملة 
الفرنسية يقدر هم بعشرين ألفا (٣٤) . وإحصاؤه أقرب إلى الثقة لأنه جاب أنحاء 
مصر ودرس أحوالها عن كثب بخلاف المسيو « ریبو » . ويقول كلوت بك 
في كتابه (٣٥) إن عدد سكان دمیاط في عصر محمد علي كان يتراوح بين ۲٥ و۳۰ ألفا 
في الوقت الذي وضع فيه كلوت بك كتابه . أي حوالي سنة ۱۸٤۰ . ومن المحقق 
أن دمياط كانت إلى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر ثاني بلد 
في القطر المصري بعد القاهرة في عدد السكان . ويقول الدكتور ديجنت کبیر 
أطباء الحملة الفرنسية في كتابه (٣٦) إن عدد سكان دمياط كان وقتئذ يزيد عن ضعف 
سكان المنصورة

امتدت شعلة الثورة إلى دمياط وظهرت علائم الاضطراب والهياج حولها 
من أوائل سبتمبر سنة ۱۷۹۸ . فأرسل الجنرال فيال إلى الجنرال دوجا ينذره 
بقرب هجوم الثوار على المدينة ويطلب المدد . وینبیء بأن حسن طوبار يحشد 
أسطولا كبيراً في بحيرة المنزلة لمهاجمة المدينة

وقع الهجوم المنتظر ليلة ١٦ سبتمبر سنة ۱۷۹۸ واشترك فيه أهالي البلاد 
المجاورة لدمياط . واشترك فيه أيضا أسطول حسن طوبار الذي تحرك في بحيرة 
المنزلة قاصداً شطوط دمياط . فوصل إلى ( غيط النصاری ) شرقي المدينة . والتقى
الأهالي القادمون من القرى بالنازلين من السفن ، وكانوا مسلحين بالبنادق 
والرماح ، وساروا قاصدين دمياط لمهاجمة قوة الجنرال فيال ، فقتلوا الحراس 
الفرنسيين المرابطين في المخافر الأمامية للمدينة ، وظل القتال متواصلا ليلة 
١١ سبتمبر إلى أن رتب الجنرال قواته فتحول موقفه من الدفاع إلى الهجوم ، 
وتمكن من التغلب على الثوار ، وردهم على أعقابهم بعد ما كبدهم خسائر جسيمة ، 
وانسحب معظمهم إلى شاطىء البحيرة ، فركبوا السفن التي كانت تنتظرهم ، واتجهت 
فرقة منهم إلى قرية ( الشعراء ) (٣٧) فتحصنوا بها ، وهذه القرية من دمياط على 
مرمى المدفع ، فاتخذها الثوار معسكراً لهم ، وجاءهم المدد من بحيرة المنزلة ، 
وفي خلال ثورة دمياط قام أهالي عزبة البرج وثاروا بالحامية الفرنسية فقتلوا من 
أدركوهم من رجالها ، ولما علموا في اليوم التالى أن ثورة دمياط أخمدت وأن 
الفرنسيين لا بد آتون للاقتصاص منهم أخلوا البلدة بعيالهم ونسائهم وانحدروا 
في المراكب قاصدين إلى سواحل سوريا ، وقد أنفذ الجنرال فيال حملة على تلك 
البلدة فوجدتها خالية من السكان فنهبتها وأحرقتها وعادت إلى دمياط

واقعة الشعراء 
تشجع الجنرال فيال بالمدد الذي جاءه من المنصورة ، وبحضور الجنرال 
اندريوسي الذي أوفده نابليون ليوطد سلطة الجمهورية في تلك الأصقاع ، فتقدم 
الفرنسيون يوم ۲۰ سبتمبر للاستيلاء على الشعراء ، وكان يدافع عنها نحو ۱٥۰۰ 
من الثوار تحميهم البحيرة من جانب ، والنيل من جانب أخر ، فاقتحم الجنود 
القرية واستولوا عليها عنوة ، ونهبوها وأضرموا فيها النار ، واستولوا على مدفعين 
للأهالي وعلى السفن التي كانت على مقربة من الشعراء ، ويقول الجنرال لوجييه 
في يومياته إن الثوار خسروا في هذه المعركة نحو خمسين قتيلا ، ويقول ريبو

إن الفرنسيين خسروا اثنى عشر قتيلا وثلاثين جريحا(٣٨)

تفاقم الثورة وفظائع الجنرال فيال 
تفاقمت الثورة في البلاد الواقعة بين المنصورة ودمياط ، وتعددت حوادث 
مهاجمة الثوار للسفن الفرنسية المقلة للجنود في النيل ، وقتل في خلال هذه الحوادث 
بعض الجنود والبحارة ، وكانت قرية ميت الخولي الواقعة على النيل أكثر القرى 
اعتداء على السفن ، فقام الجنرال فيال من دمياط في خلال شهر أكتوبر سنة ۱۷۹۸ 
ونزل بطريق النيل ومعه القوة الكافية من الجنود لمعاقبة البلاد التي هاجمت السفن ، 
لكنه أسرف في التنكيل ولم يفرق بين القرى الثائرة والقرى الآمنة الهادئة ، 
وأوقع بها كلها نهباً وإحراقاً ، مر أولا بالظاهرية (٣۹) فوجدها خالية من السكان 
لأن أهلها أخلوها قبل أن تصل إليهم الجنود الفرنسية كي لا يستهدفوا للانتقام ، 
ثم بلغ کفر المياسرة فوجدها كذلك خالية من سكانها ، ومر بالزرقا فوجد 
مشايخ البلد قد لاذوا بالفرار ، ووصل إلى ميت الخولي التي كان أهلها أكثر 
اشتراكا في الاعتداء على الجنود فإذا هم قد أخلوا بلدهم وكانت قرية كبيرة محصنة 
محاطة بسور يحيط به خندق ، فاستولى الجنرال فيال على المدينة وعلى ما وجد فيها 
من الأسلحة، ومنها ثلاثة مدافع قديمة وأمر جنوده بنهب البلدة وإحراقها

واستمر في طريقه بالنيل وأراد أن يفاجىء بقوته قرية الأحمدية الواقعة بالبر 
الغربي ولكن أهلها أخلوها قبل مجيئه ، ثم أتجه إلى شرمساح بالبر الشرقي وعاد 
منها إلى كفر الزعاترة وهي آخر بلدة حط بها أثقاله في هذه الرحلة ، فوجد فيها 
بعض الأهالى الآمنين بعد أن هجرها معظمهم ، ثم عاد إلى دمياط فوصلها ليلة ١٤ 
أکتوبر ومعه بعض الرهائن من أعيان البلاد ، فأرسلهم مخفورين إلى القاهرة

اعترف الجنرال فيال في رسالته إلى الجنرال دوجا بأنه الآمر بنهب ميت الخولي 
انتقاما من الأهالي لاعتدائهم على الجنود الفرنسيين ، وقد لامه نابليون على هذا 
الأمر وأرسل له يقول : « لقد استأت من نهب قرية ميت الخولي وكان يكفي 
تجريدها من السلاح »(٤٠)

وكتب الجنرال لوجييه في يومياته يصف المساوىء التي ارتكبها الجنرال فيال 
في اقتصاصه من ميت الخولي والقرى المجاورة :

« في اليوم الذي عاد فيه الجنود إلى دمياط بعد هذا النهب كانت مدينة دمياط 
أشبه بسوق أو مولد باع فيه الجنود الفرنسية إلى الأروام ما نالته أيديهم من 
النهب والسلب ، فكانوا يعرضون المواشي والطيور والثيران والبقر والخيول 
والحرير والغنم والدجاج والأوز . . . وكثيراً من قطع الذهب والفضة التي كانت 
حلياً للنساء »

وقد أمر نابليون الجنرال دوجا بالانتقال إلى دمياط لمواجهة الحالة الثورية 
فيها ، وكانت فظائع الجنرال فيال وجنوده قد أججت في النفوس نار الكراهية 
واستفزت الأهالي للأخذ بالثأر ، والاستهانة في مقاومة الفرنسيين

وأرسل نابليون إلى دمياط بعض السفن المسلحة لتكون عند أمر الجنرال 
دوجا في بحيرة المنزلة ، ولتضمن بسط سيادة الفرنسيين فيها ، على أن مرکز 
الفرنسيين في جهات دمياط والمنزلة ظل مزعزعاً وسلطتهم مردودة في معظم البلاد ،

كتب الجنرال لوجييه في يومياته يقول :
« لم تتحسن الحالة كثيرا عما كانت عليه حينما جاء الجنرال دوجا لأول مرة 
إلى دمياط ، والسلطة الفرنسية ما زالت منكورة في معظم جهات الدلتا التابعة لهذه 
المديرية ، وفي دمياط نفسها التي تعتبر من أعظم بلاد القطر المصري لا يأمن 
الجندي الفرنسي على حياته إذا هو ذهب إلى حى الوطنيين ، والحامية الفرنسية 
مقصاة في حي الأروام »


الحملة الثانية على البحر الصغير 
رأى نابليون أن نفوذ حسن طوبار يخلق للفرنسيين كثيراً من المصاعب 
ويزعزع سلطتهم في جهات البحر الصغير والمنزلة ويثير في نفوس الأهالي روح 
الثورة ، فعزم أن يجرد عليه حملة ثانية لإخضاعه والاستيلاء على المنزلة ، وكان 
لا يفتأ يهتم بتوطيد سلطة فرنسا في البلاد الواقعة بين النيل ( فرع دمياط ) و برزخ 
السويس لأنها الجهة الشرقية للقطر المصري ، لذلك كان يفكر في تحصين بعض 
المواقع في تلك الجهات لحماية حدود مصر وتأمين مواصلات الجيش ، ولكن 
حوادث الثورة التي شبت في تلك البلاد عطلت وقتاً ما تنفيذ مشروعه 

على أن نابليون أدرك عواقب هذا التأخير ، فأوفد الجنرال اندریوسي 
Andreossi ليقوم بتحصين مصب النيل واتخاذ دمياط موقعاً حربياً منيعاً ودراسة 
بحيرة المنزلة ليتعرف إلى أي حد يمكن استخدامها في حالة الهجوم على مصر من 
جهة سوريا أو الهجوم على سوريا من مصر ، وطلب منه أن يمضي في اكتشافه 
لبحيرة المنزلة حتى آثار مدينة بيلوز القديمة الواقعة في نهاية البحيرة شرقا ودراسة 
فتحاتها على البحر الأبيض المتوسط والتحقق مما إذا كانت السفن الإنجليزية 
أو العثمانية تستطيع الدخول إلى بحيرة المنزلة وإنزال الجنود على شواطئها ، 
وتقدير المسافة بين بيلوز والصالحية ، وأصحبه ببعض المهندسين في مهمته بدمياط 
وبحيرة المنزلة ، ثم أرسل إلى الجنرال رينييه قومندان الشرقية بأن يعاون الجنرال 
اندريوسي في مهمته

وصل الجنرال اندريوسي إلى دمیاط فألفى مركز الفرنسيين مزعزعاً و تعذر 
عليه أن يرتاد بحيرة المنزلة لأن الثورة التي شبت في القرى المجاورة لها كان من نتائجها
أن أوغل أصحاب المراكب في عرض البحيرة بحيث لم يجد مركباً منها ، وكتب إلى 
نابليون يخبره أن لا سبيل إلى تسلط الفرنسيين على بحيرة المنزلة إلا بعد سحق 
حسن طوبار والقضاء على قوته الكبيرة ، فبالاستيلاء على مدينة المنزلة التي يسكنها 
تصبح مرکزاً حربياً للحركات العسكرية في البحيرة وتكون ملتقى المواصلات 
الحربية بين المنصورة ودمياط و ميت غمر والصالحية و بیلوز

أرسل نابليون المدد إلى الجنرال دوجا وكلفه بتجريد حملة عسكرية على مدينة 
المنزلة للاستيلاء عليها وإرسال كتيبة أخرى إلى الجنرال أندريوسي للاستيلاء على جميع 
الجزائر الواقعة في بحيرة المنزلة ، وشدد عليه في هذه الرسالة أن يأخذ حسن طوبار 
ولو بالخديعة (٤۱) وأن يرسله إلى القاهرة ، وأوصاه كذلك بالقسوة على الثائرين 
وإخضاع البلاد الكائنة بين المنصورة ودمياط إخضاعا تاما وأوصاه « بتجريد 
القرى من السلاح وقطع الرءوس وأخذ الرهائن(٤۲) »

التقى الجنرال اندريوسي في دمياط بالجنرال دوجا الذي جاءها من المنصورة 
بعد ما نصبه نابليون قومندانا للمديريتين ، فتبين له أن مركز الفرنسيين مضطرب 
وأن سوء إدارة الجنرال فيال وقسوته كان لهما أثر في اضطراب الحالة و اختلالها ، 
فقد ثبت أنه كان يهاجم القرى الآمنة وهي مطمئنة لم ترفع السلاح في وجه 
الفرنسيين ولا يفرق بينها وبين القرى الثائرة ، وكان يصادر الأهالي ويرهقهم 
بالإتاوات والغرامات ، ونسب إليه بعض زملائه أنه احتكر تجارة الخمور 
في دمياط 

سير الحملة والاستيلاء على المنزلة 
وضع الجنرال دوجا أثناء تعهده لدمياط خطة الحملة التي أمر نابليون بتجريدها 
على جهات المنزلة لإخضاع حسن طوبار ، فاتفق مع الجنرال اندريوسي على أن 
يقصد هذا الأخير إلى مدينة المنزلة بطريق البحيرة على ظهر المراكب التي جمعها
لهذا الغرض، وأن تسير إليها قوة أخرى بقيادة الجنرال داماس Damas بطريق 
البر من المنصورة فتطبق القوتان على المدينة من البر والبحر وبذلك يقضي على 
مقاومة حسن طوبار ، وكانت الخطة المرسومة تقضي بأن يبدأ الجنرال اندر یوسي 
بالإقلاع بسفنه وجنوده قبل أن تتحرك القوة الأخرى من المنصورة بأربع 
وعشرين ساعة

تحركت قوة الجنرال داماس من المنصورة يوم ٤ اکتوبر سنة ۱۷۹۸ الساعة 
السادسة صباحاً ، فأقلت السفن قسما من الجنود وسار القسم الآخر براً محاذيا 
المراكب ، ثم عرجت على بحر أشمون ( البحر الصغير ) الذي كان يتفرع من النيل 
على مقربة من المنصورة(٤٣)

وصف الجنرال لوجييه Laugier أحد قواد هذه التجريدة في يومياته تفاصيل 
هذه الحملة ، قال يصف البلاد التي مر بها :

« دخلت السفن ترعة أشمون ، وهذه الترعة واسعة وعميقة جدا ، على أنها 
تضيق كلما اقتربت من مصبها ببحيرة المنزلة ، وهي تخترق بلاداً غاية في الخصوبة ، 
وعلى شاطئيها غرست أشجار الجميز الباسقة ، و أشجار أخرى تدانيها في العلو ، ولم نجد 
في القطر المصري جهة كثيرة الشبه بفرنسا مثل هذه الجهة ، فبعثت فينا هذه المشابهة 
الشجو والحنين إلى الوطن ، والمسافة بين المنصورة والمنزلة تبلغ عشرين فرسخاً 
عددنا بها خمساً وأربعين قرية كلها آهلة بالسكان »

سارت الكتيبة حتى وصلت إلى منية محلة دمنة ولم تلق في طريقها مقاومة 
تذكر لأن القسوة التي استعملها الجنرال داماس في حملته الأولى وما أصاب أهالي 
الجمالية من الخسائر قد أضعف روح المقاومة ومال بهم إلى الإخلاد ودفع الضرائب 
المطلوبة منهم ، فكانت كل قرية دفعت ما عليها من الضريبة ترسل من أهلها رجلا 
يحمل الوصل بالدفع فينتظر مرور الجملة فإذا أقبلت رأت هذا الرجل واقفاً 
لا يتحرك وقد جعل الوصل في رأس « نبوت » رفعه لهم ليروه ، والقرية التي 
لم تدفع ما عليها تبادر إلى الدفع

ثم وصلت الحملة إلى أشمون(٤٤) في منتصف الساعة السابعة مساء فعسکرت 
ليلها ، وفي اليوم التالي (٥  اکتوبر سنة ۱۷۹۸ ) قبل شروق الشمس تابعت سيرها 
بعد أن أرجع الجنرال داماس إلى المنصورة تسعة من مراكبه الكبيرة التي 
لم تستطع مواصلة السير لأن الترعة بدأت من هذه النقطة تضيق ويقل عمقها 
ويتعذر سير المراكب فيها ، ثم وصلت إلى « الكردي » ؛ وهناك جاء وفد من 
المنزلة يقصد مقابلة قائد الحملة للمفاوضة مع الفرنسيين ويطلب ضماناً بأن لا يعاملهم 
الجيش الفرنسي معاملة الأعداء ؛ ويظهر أن هذا الوفد جاء بايعاز من الشيخ
حسن طوبار لما استيقن بأنه هو المقصود بهذه الحملة العسكرية ، و بالرغم من أن 
الوفد يعلم مبلغ كراهية الفرنسيين لحسن طوبار فإنه لما سئل عن مقاصده أثنوا 
عليه أحسن الثناء ، وقد كتب لهم الجنرال داماس تصريحاً بضمانة أرواح الأهالي 
إذا سلكوا مع الجيش مسلك الولاء

قال الجنرال لوجييه في يومياته : « في كل جهة مررنا بها من المنصورة 
إلى المنزلة كنا نسمع ثناء الأهالي على حسن طوبار وهو محبوب منهم حباً شديداً 
وهو غني تقدر ثروته بالملايين (من الفرنكات) ، يملك الأراضي الواسعة ومصانع 
نسج القطن ومصانع الصباغة والمتاجر الكثيرة »

احتلال المنزلة 
وفي يوم اکتوبر سمع جنود الحملة قبيل الفجر أصوات طلقات البنادق 
آتية من مدى بعيد ، وتبين لهم من اتجاه الصوت أن معركة نشبت على مقربة من 
دمياط ، فسارعت الحملة إلى المنزلة(٤٥) فوصلت تجاهها الساعة العاشرة صباحاً ، 
وكان الأهالي ومعهم حسن طوبار قد أخلوها ولم يبق بها إلا الشيوخ الذين 
لا يقدرون على السير ، والعجائز من النساء ، فدخل الجنود المدينة دون مقاومة
وجابوا طرقاتها وأزقتها ، واستوقف نظر هم منازل حسن طوبار التي كانت 
تسترعي النظر لسعتها وجمال منظرها وبنائها على الطراز الشرقي ، وكانت مقفلة 
الأبواب خالية من السكان ، وقد أراد بعض الضباط ومنهم الجنرال لوجييه أن 
يدخلوها فقيل لهم من الأهالي إن مفاتيح الأبواب غير موجودة فتحوا مدخل 
أحدها ، ولكنهم لاحظوا أن انتهاك حرمة مساكن حسن طوبار يثير غضب 
الأهالي فانسحبوا منها(٤٦) واحتلوا داراً جعلوها المعسكر العام للحملة ، وبالرغم 
من الضمانة التي كتبها الجنرال داماس لوفد المنزلة فإن الجنود قد نهبوا البيوت 
واشتد الصخب وعلت الشكوى ، فاضطر الجنرال داماس إلى إصدار أوامره 
المشددة لمنع النهب ، ورد الجنود إلى النظام ، وبذلك تم للجنرال داماس 
احتلال المنزلة

أما أسطول الجنرال اندريوسي فقد أخفق في مهمته إخفاقاً شديداً ، ذلك 
أن مراكبه أقلعت من دمياط يوم ٣ اکتوبر قبيل الفجر تقل جنوده المجهزين 
بالأسلحة والمدافع وكان عدد هذه المراكب ۱٦ سفينة منها ثلاث سفن حربية

خرجت السفن من بوغاز دمياط ثم عرجت على فم الديبة فرت منه إلى بحيرة 
المنزلة وقطعت هذه المرحلة في ثماني ساعات ، ثم اتجه الجنرال اندريوسي بقوته 
صوب المطرية ، ولكنهم شاهدوا في نحو الساعة الثالثة مساء أسطولا من 
المراكب الشراعية متجهة نحو الشرق ، تحجبه عن القوة الفرنسية الجزائر التي 
في البحيرة ، فواصلت سفن الجنرال اندريوسي المسير حتى اقتربت من المطرية ، 
وقبل أن تصل إليها خرجت مراكب الأهالي فجأة من خلف الجزر التي تحجبها 
وأقبلت على السفن الفرنسية قاصدة الاصطدام بها وإغراقها ، فأدرك الجنرال 
اندريوسي خطورة الموقف ، وخشي عواقب الاصطدام لأن المراكب المصرية
كانت تبلغ مائة مركب ، فنکص راجعاً إلى دمياط وأطلقت المراكب المصرية 
النار على السفن الفرنسية ، فأجابت هذه بإطلاق الرصاص من البنادق والمدافع
التي بها ، وأخذت في الوقت نفسه تتراجع تفادياً من الاصطدام بمراكب الأهالي ، 
وكانت هذه تتعقب السفن الفرنسية قاصدة احتلال دمياط ، ورست بالقرب من 
«المنية(٤٧) » ، لكن القوة الفرنسية أطلقت النار عليها فنبهت الدوريات الفرنسية 
التي كانت تتولى حراسة ضواحي دمياط ، فأقبلت لنجدة الجنرال اندريوسي وظل 
بحارة المراكب الأهلية يناوشون السفن الفرنسية إلى أن انسحبوا في نصف الليل 
وتركوا سفينة تراقب حركات الفرنسيين ، وظلت هذه السفينة على مرأى من 
سكان دمياط طول يوم ٤ اکتوبر ، وفي يوم ٨ اکتوبر أعادت المراكب 
الأهلية كرة الهجوم على دمیاط ، ولكن نار المدفعية الفرنسية والسفن الحربية 
ردتها عن المدينة

كانت حركة المراكب المصرية خطيرة واسعة المدى ، وكادت تكون وخيمة 
العواقب على الفرنسيين لو لم يحبطها احتلال الجنرال داماس لمدينة المنزلة ، فقد
كانت الخطة الموضوعة بالاتفاق بين أهالي المطرية والمنزلة أن يحتلوا دمياط بحراً 
بطريق بحيرة المنزلة ، والظاهر أن المائة سفينة التي شاهدها الجنرال اندریوسي 
في البحيرة كانت تحمل المتطوعين من الأهالي لهذا الغرض ، لكن القوة الفرنسية 
ردتهم عن دمياط ثم جاء احتلال الفرنسيين للمنزلة فأحبط خظة الحملة البحرية التي 
نظمها أهالي المنزلة والمطرية ، وقد كان الفرنسيون جادين في احتلال هاتين 
المدينتين لأنهما يضمنان لمن يستولي عليهما السيادة في البحيرة ، فالمطرية بأسطولها 
المؤلف من المراكب الشراعية والمنزلة بقوة حسن طوبار ونفوذه كانتا مفتاح 
هذه السيادة ، فسقوط المنزلة في يد الفرنسيين شل خطة المقاومة التي وضعها حسن 
طوبار وأشياعه ، على أن هذه الخطة كانت محكمة التدبير لدرجة أن الجنرال 
اندریوسي کتب عنها كثيراً في رسائله لنابليون ، وما قاله في هذا الصدد : « إن 
استبسال العدو في الهجوم على دمياط يثبت أهمية هذا الموقع ، ويظهر أن الأنباء 
التي كانت وصلتنا عن قرب هجوم أهل المطرية والمنزلة على دمیاط وانتظار حسن
طوبار المدد من سوريا لم تكن بعيدة عن الحقيقة لأني لا أعتقد أن الهجوم 
الذي فوجئنا به في البحيرة يستطيع أن يقوم به جماعة من الصيادين فلا يمكن 
لمثل هؤلاء أن ينظموا مثل هذا الهجوم ويحكموه بمثل الحالة التي شاهدناها(٤٨) »

احتلال المطرية 
وبعد أن تم للفرنسيين احتلال المنزلة سقطت المطرية في أيديهم واحتلتها 
قوة الكولونل جازلاس Gazlas ، ثم وصلت إليها السفن الفرنسية من طريق 
بحيرة المنزلة بعد أن أخلاها أهلها وغادروها على ظهر مراكبهم

قضى احتلال المنزلة و المطرية على قوة المقاومة التي كان يديرها حسن طوبار ، 
فلم يجد أمامه سوى الهجرة إلى غزة ، وبذلك انتهت تلك الحركة الواسعة المدى ، 
التي أقلقت بال الفرنسيين زمناً ، وطويت صحيفة مقاومة ذلك الرجل الذي أزعج 
قواد الجيش الفرنسي ، وتردد اسمه في تقاريرهم ورسائلهم ، وورد اسمه غير مرة 
في رسائل نابليون الخالدة كعنوان للمقاومة الأهلية القوية ، وقد ظل بعد هجرته 
إلى غزة مصدر قلق للفرنسيين ، وخشوا أن يفكر في الرجوع إلى شواطىء 
دمياط وبحيرة المنزلة ويستأنف مقاومته ، وجاءتهم أنباء بأنه يعد فعلا قوة من 
المشاة في غزة عزم على نقلها في خمسين سفينة يحتل بها دمياط ، ولكن لم يتحقق 
شيء من هذا العزم ، كتب الجنرال دوجا إلى نابليون في شهر نوفمبر سنة ۱۷۹۸ 
ينقل إليه هذه الأخبار ، ولكن نابليون لم يعرها اهتماماً وكتب إلى الجنرال 
دوجا يقول له :

« وأما عن مشروع حسن طوبار في الإقلاع بسفنه لاحتلال دمياط فمن 
المستبعد أن يفكر في إنفاذ هذا المشروع بسفنه ورجاله المشاة دون فرسان 
ولا مدفعية ، وإذا أقدم على ذلك فهذا هو الطيش بعينه »

وقد عاد حسن طوبار إلى مصر بعد انتهاء الحملة الفرنسية على سوريا و تعهد
بالتزام السكينة والهدوء في منطقته(٤۹) ، ولكن يؤخذ من رسائل الجنرال کلیبر 
أن السلطات الفرنسية لم تكن تثق به ولا تطمئن إليه وكان كليبر في عهد قيادته 
العامة يوصى الجنرال فردییه Verdier بمداراته و مراقبة حركاته (٥۰) إلى أن مات 
سنة ۱۸۰۰ ، ونشرت جريدة ( كورييه دليجبت ) نبأ وفاته في العدد ۷٥ الصادر 
في ۹ ترميدور من السنة الثامنة ( ۲۸ يوليه سنة ۱۸۰۰ ) وقالت عنه ما خلاصته 
« في ۱۰ مسیدور ( ۲۹ يونيه ) مات فجأة حسن طوبار کبیر مشايخ إقليم المنزلة 
مصاباً بالسكتة القلبية ، وكان هذا الرجل عظيم المكانة لأصله العريق وغناه الواسع ، 
وقد هاجر من بلاده في الأشهر الأولى من الحملة وعاد إليها بعد الزحف على سوريا، 
وأذن له الجنرال بونابارت في الرجوع إلى مصر ، فأذعن من يومئذ وأخلد للسكون 
وقد خلفه في شياخه إقليم المنزلة أخوه شلبي طوبار »

هذا ولا يزال حسن طوبار يذكره كبار السن إلى الآن في جهات البحر الصغير 
والمنزلة ويسمونه « حسن طوبار الكبير الذي حارب الفرنسيس »

تحصين منطقة دمياط 
عني الفرنسيون بتحصين منطقة دمياط ، فأنشأوا قلعة بعزبة البرج (٥۱)، و قلعتين 
على مدخل البوغاز شرقا وغربا ، وأقاموا كذلك طابية بالديبة على مدخل بحيرة 
المنزلة غربي أشتوم الجميل ، وأخرى على فتحة أم مفرج من فتحات البحيرة ، و طابية 
ببوغاز البرلس

جزء من خريطة بول لوكاس لمصر
جزء من خريطة بول لوكاس لمصر


ويظهر لنا أن قلاع عزبة البرج والبوغاز أقامها الفرنسيون على أنقاض القلاع 
القديمة التي كانت بها ، فقد ذكر الرحالة فانسلیب vansleb أنه لما جاء إلى مصر
ونزل بدمياط سنة ۱٦۷۲ شاهد عند مدخل البوغاز قلعة قديمة مقامة بالبر الشرقي 
للنيل كانت في حالة تهدم وأبراجها متخربة وفيها بعض مدافع لحماية البوغاز وأن 
هذه القلعة على بضع خطوات من بلدة سماها فانسليب قرية البوغاز ، وحقيقة 
اسمها قرية ( عزبة البرج ) لأنه يقول إن هذه البلدة يسكنها قباطين السفن والبحارة 
الذين يصحبون المراكب في دخولها النيل أو خروجها منه ، والمعروف أن هذه 
البلدة هي عزبة البرج ، ويقول فانسليب أيضاً إنه شاهد في هذه القرية أساس قلعة 
لم تتم ، وشاهد بالبر الغربي قلعة أخرى لحماية البوغاز (٥۲) ، وفي خريطة المسيو بول 
لوكاس Paul Lucas التي خططها سنة ۱۷۱۷ رسم حصنين قائمين على جانبي بوغاز 
دمياط شرقا وغرباً (٥٣) ، وقال السائح الفرنسي جرانجيه Granger الذي جاء مصر 
سنة ۱۷۳ إنه شاهد هذين الحصنين في تلك السنة (٥٤) ، و تكلم عنهما المسيو تيبودو 
Thibaudeau في كتابه فقال إنهما كانا موجودين قبل الحملة الفرنسية ورممهما 
الفرنسيون و نصبوا فيهما المدافع (٥٥) ، و كذلك يقول الجنرال رينييه Reynier أحد 
قواد الحملة الفرنسية (٥٦) إنهما كانا قائمين قبل الحملة ويقول عنهما : « إن هذين 
الحصنين أعدّ الحماية مدخل البوغاز وإن الغرض من قلعة عزبة البرج منع السفن من 
دخول النيل ومنع العدو من التقدم إلى دمياط براً إذا رسى على البر الشرقي »

وإليك ما ذكره العلامة علي باشا مبارك عن هذه الحصون والاستحکامات 
وما زاد عليها في عهد محمد علي وعباس الأول و اسماعيل :

« قد أنشأ المرحوم عباس باشا سكة عسكرية من المدينة (دمياط) إلى البوغاز 
عرضها اثنا عشر مترا في طول ستة عشر ألف متر تمر في وسط المزارع على جملة 
قرى منها عزبة الخياطة وعزبة اللحم والحملة وعزبة الشيخ ضرغام حتى تصل إلى 
قلعة البوغاز الكبرى التي أنشئت زمن دخول الفرنساوية أرض مصر في القرية
القديمة المسماة بقرية البرج التي هدمها بنوبارت سر عسكر الفرنساوية لقيام أهلها 
ليلا على عساکره وذبحوا منهم جملة ، وبنى بأنقاضها تلك القلعة ، ولم يبق من آثارها 
إلا الجامع الذي بوسطها ومنزل صغير به الآن حكمدارها ، ومن إنشاء المرحوم
عباس باشا أيضا القشلاق الكبير الذي هناك على شاطىء النيل وجملة مخازن للبارود 
والمهمات العسكرية وصهريج كاف لشرب العساكر المرابطين بتلك القلعة مع أهل 
عزبة البرج الجديدة التي في شمال القلعة ، ومن إنشائه أيضاً عمارة الكرنتينة ومحل 
الجمرك في جنوب القلعة على شاطىء النيل ، وفي جهتي البوغاز شرقا وغرباً قلعتان 
أنشئتا في زمن الفرنساوية بصورة الاستحکامات الدائمة الموافقة لأسلحة ذلك 
الوقت القريبة المرمى الضعيفة التأثير ، وكانت قلعة الغرب مبنية بشكل سور 
مستدير محيط بالبرج القديم المستدير الذي به مقام الشيخ يوسف في محل يعرف 
برأس البر ، ثم إن ساحل البر من بوغاز دمياط إلى بورت سعيد لم يكن به قلاع 
سوى قلعة ( الديبة ) القديمة التي بنيت في زمن الفرنساوية بشكل بلانقة مربعة 
وفي وسطها برج مربع شاهق يرى من مسافة بعيدة وبينها وبين بوغاز دمياط اثنان 
وثلاثون ألف متر ، وكانت على شريط الساحل القليل العرض الفاصل بين المالح 
وبحيرة المنزلة للحماية من دخول المراكب من أشتوم الديبة القديم ، وكذا الساحل 
الغربي من بوغاز دمياط لبوغاز بحيرة البرلس لم يكن به قلاع سوى قلعة بوغاز 
البرلس الغربية المحاذية لسراية طبوزاغلي حاكم البرلس سابقاً ، وهي أيضاً أنشئت 
في زمن الفرنساوية بشكل بلانقة مربعة ذات أبراج مستديرة ، وكان إنشاؤها 
بمعرفة الأمير ( الجنرال ) مينو الذي تقلد إمارة مصر بعد موت الأمير (الجنرال) 
کلیبر كما دلت عليه النقوش التي وجدت على بابها ، وقد حفظ مع أنقاضها التي وضعت 
في بناء القلعة الجديدة ، وكانت أماكن تلك القلاع قبل دخول الفرنساوية مراكز 
للمرابطين للمدافعة ، فلما رأوا أن مواقعها هي أعظم النقط اللائقة للاستحکامات 
بنوا فيها تلك القلاع فمحيت معالمها القديمة ما عدا برج ولي الله الشيخ يوسف 
المرابط فإنه لم يزل إلى الآن ؛ وفي زمن المرحوم محمد علي باشا قد رممت تلك القلاع 
وأجري فيها بعض عمارات ؛ وكذلك في زمن المرحوم عباس باشا فإنه أنشأ أربعة
ابراج في غربي بوغاز دمياط بينه وبين أشتوم الجمعة وهو مصب فرع بحر شبين ، 
وأنشأ أيضاً برجاً فوق أشتوم الجميل في شرقي قلعة الديبة ، وجميع ذلك كان بمعرفة 
جليس بك مدير عموم الاستحكامات المصرية ؛ وفي زمن الخديوي اسماعيل باشا 
قد أوصلت السكة الحديد والتلغرافات إلى السنانية وأنشأ بها جملة مبان عسكرية 
ومنها قشلاق الفوريقة الجديدة المنشأة مع جملة فوريقات في زمن العزيز محمد علي 
باشا جعل لإقامة ألاي بيادة بعد ما أضاف اليه جملة مبان كافية للوازمه ، ثم أنشأ 
قشلاقا آخر بجهة السنانية قريباً من محطة السكة الحديد ، وأنشأ في غربيه اسبتالية 
للعسكر تسع خمسمائة سرير ، وأوصل خط التلغراف إلى قلعة العزبة الكبرى وإلى 
قلاع البوغاز ، وأجرى بقلعة العزبة الكبرى جملة عمارات وترميمات بداخلها 
وخارجها مع تجديد استرات خنادقها وبناء خطوط نيرانها القديمة وتسميك دوراتها
حسب أصلها حتى صارت تقاوم مقذوفات العدو ، وعمر الجامع القديم الذي في 
وسطها والمنزل الذي هناك ، وأنشأ حول كل من القلاع القديمة والأبراج قلاعا 
حصينة أقوى من تلك القلاع القديمة بأوضاع مغايرة لها كما أنشأ جملة قلاع من 
هذا القبيل على عموم السواحل وجعلها من أعظم القلاع الحصينة لأجل مقاومة 
الأسلحة الجديدة البعيدة المرمى الشديدة التأثير ، وجعل لها قشلاقات لإقامة 
العساكر المرابطين بها ، ومخازن عظيمة للبارود والجلل والمهمات ، ولزيادة تحصينها
جعلها في أسفل الدراوي السميكة بحيث تأمن من تأثير مقذوفات العدو ، كما أنه 
وضع في جميع هذه القلاع المدافع العظيمة الكافية ذات العيار الكبير والمرمى 
البعيد المعروفة باسم مخترعها « ارمسترنج » الانكليزي ؛ وجميع هذه الاستحکامات 
والعمائر جار على حسب التصميمات المعمولة بمعرفة أمير اللواء محمد باشا المرعشلي 
باشمهندس عموم الاستحکامات وقتئذ »(٥٧)

(۱) كانت مديرية الدقهلية تعرف بمديرية المنصورة ، ولم يكن اسم الدقهلية شائعاً في ذلك العصر ، 
ومع ذلك فهو الاسم الذي عرفت به قديما ، فقد سميت باسم الدقهلية في خطط المقريزي (الجزء الأول)، 
وذكرها بهذا الاسم القاضي يحيى بن الجيعان في كتابه ( التحفة السنية بأسماء الديار المصرية ) الذي 
يتضمن تخطيط مصر في القرن الخامس عشر الميلادي ، وذكرها كذلك الرحالة وانسليب Vansleb 
الذي جاء مصر سنة ۱۹۷۲ باسم كاشفية ( مديرية ) الدقهلية ، فيؤخذ من ذلك أن تسميتها باسم 
( مديرية المنصورة ) لم يكن مألوفاً إلا في القرن الثامن عشر ، ولم يذكرها الجبرتي باسم الدقهلية 
إلا مرة واحدة . وقد جرينا في سياق الكلام على ما كان معروفا في ذلك العصر وهو 
( مديرية المنصورة ) .
(۲) انظر ص ۰۲٥۰ 
(٣) التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية . ريبو . الجزء الثالث .
(٤) جاء في يوميات الجنرال ( لوجييه ) Laugier أنه عثر على جندي جريح من جنود حامية 
المنصورة كان مختفياً في إحدى القرى فقص عليه الحادثة وكتب لوجييه بها تقريراً وهو لا يخرج في 
مجموعه عما ذكرناه ويقول المسيو « شابرول » Chabrol أحد مهندسي الحملة الفرنسية في بحثه 
المنشور بكتاب تخطيط مصر الجزء الثاني عشر إن عدد جنود حامية المنصورة كان ۱۲۰ مقاتلا وان 
العرب أسروا اثنين منهم وفر ثالث وهؤلاء الثلاثة هم الذين نجوا من القتل ، ويقول الكابتن 
ساباتييه Sabatier أحد ضباط فرقة الجنرال فيال التي زحفت على المنصورة ثم تابعت سيرها إلى 
دمياط إن عدد جنود الحامية الذين تركهم الجنرال فيال بالمنصورة ١٦٠ مقاتلا
(٥) التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية الجزء الثالث 
(٦) كلوت بك. لمحة عامة إلى مصر الجزء الثاني 
(٧) من بلاد مركز أجا الآن
(٨) كلوت بك ، لمحة عامة إلى مصر . الجزء الثاني 
(۹) راجع ص ۲۱٦ وهامشها
(١٠) مراسلات نابليون الجزء الرابع وثيقة رقم ۳۰۷۲
(١١) مراسلات نابليون الجزء الرابع وثيقة رقم ۳۲۰۱ 
(١۲) التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية الجزء الرابع
(١٣) بمركز زفتى الآن 
(١٤) من بلاد مركز ميت غمر
(١٥) كتبت جريدة ( كورييه دليجبت ) بالعدد الثامن أن معركة سنباط انتهت بإحراق القرية 
وخسر العرب فيها خمسمائة قتيل عدا من غرق منهم واستولى الفرنسيون على ستة آلاف رأس من الغنم
(١٦) يوم ۲۸ سبتمر سنة ۱۷۹۸
(١٧) كتب نابليون في ١٤ سبتمبر سنة ١٧۹٨ إلى الجنرال دوجا يقول : "أرجوك يا مواطني الجنرال
أن تخبرني بالطريق الذي أزمعت السير فيه للوصول من المنصورة إلى بلبيس ومن المنصورة إلى الصالحية
وبأية طريقة يمكن نقل المدفعية والفرسان في هذه الجهة ، وما هي أسماء القرى الواقعة على النيل في
إقليم المنصورة وما هي نتيجة اكتشافكم للترع الثلاث التي تأخذ من النيل وتصب في بحيرة المنزلة"
(١٨) هو الاسم الذي كان يطلق على الترعة الكبيرة المعروفة الآن بالبحر الصغير
(١۹) يقول الجنرال لوجييه augierا في يومياته إن عدد المراكب التي بحيرة المنزلة في ذلك العصر 
بلغ الألف
(۲٠) التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية الجزء الرابع 
(۲۱) أحد قوات الحملة الفرنسية انظر ما كتبناه عنه بالفصل الرابع ص ۱۳۲ 
(۲۲) کتاب تخطيط مصر الجزء الحادي عشر
(۲٣) منية محلة دمنه ، والقباب الكبرى . ودموه السباخ من بلاد مركز دكرنس وهي واقعة على 
البحر الصغير ( بحر أشمون)
(۲٤) و (۲٥) و (۲٦) و (۲٧) من بلاد مركز دكرنس على البحر الصغير 
(۲٨) من بلاد مرکز دكرنس على البحر الصغير
(۲۹) من بلاد مركز دكرنس على البحر الصغير
(٣٠) أشار نابليون إلى واقعة الجمالية في رسالته إلى الديركتوار بتاريخ ۱۷ أكتوبر سنة ۱۷۹۸ 
بقوله : « بلغ الجنرال داماس الجمالية فهجمت قوة من العرب منضمين إلى الفلاحين على جنودنا ، فاتخذت 
التدابير الحربية التي انتهت برد هذا الهجوم ، وامتاز الضابط جازلاس في هذه الواقعة »
(٣۱) يوميات الجنرال داماس بتاريخ ۲۹ سبتمبر سنة ۱۷۹۸ 
(٣۲) من فتحات بحيرة المنزلة على البحر الأبيض المتوسط
(٣٣) التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية الجزء الرابع 
(٣٤) تخطيط مصر الجزء التاسع 
(٣٥) لمحة عامة إلى مصر الجزء الأول 
(٣٦) التاريخ الطبي لجيش الشرق
(٣٧) جنوبي دمیاط على مقربة من البحيرة والآن على ترعة الشرقاوية
(٣٨) ذکر نابليون في منشور من منشوراته العسكرية ( بتاریخ ۲٤ سبتمبر سنة ۱۷۹۸ ) واقعة 
الشعراء ولكنه بالغ في وصفها إذا ذكر أن عدد الثوار فيها كان عشرة آلاف وأن خسائرهم 
بلغت ۱٥۰۰ قتيل وغريق ، وهذا المنشور وارد في مراسلات نابليون الجزء الخامس وثيقة رقم 
۳۳۸٥ ، وليس من المعقول أن يحتشد في ( الشعراء ) عشرة آلاف ثائر مهما كان عدد المدد الذي 
جاء من البلاد المجاورة أو من بحيرة المنزلة ، وبالتالي لا يعقل أن تبلغ خسائر الأهالي ۱٥۰۰ قتيل 
والظاهر أن هذه المبالغة راجعة إلى الإحصاء المكذوب الذي أورده الجنرال فيال في رسالته إلى 
نابليون عن المعركة لينتحل لنفسه فخراً لا يستحقه ولتعظم منزلته عند نابليون ، على أن فيال هذا 
ذكر في رسالة له إلى الجنرال دوجا عن هذه الواقعة أن عدد قتلى الثوار فيها لم يزد عن ثلثمائة ، 
وفي هذا أيضاً مبالغة ، والواقع أن الجنرال فيال كان معروفا عنه المبالغة والإغراق في رسائله وتقاريره ، 
وقد أشار الجنرال ( لوجييه ) في يومياته إلى مبالغاته وذكر بالذات أرقامه عن واقعة الشعراء فقال 
في هذا الصدد : « إن الجنرال فيال بالغ في تقريره مبالغة مدهشة فجعل خسائر الأعداء ( الأهالي ) 
۱٥۰۰ قتيل في حين أن خسارتهم لم تبلغ خمسیں قتيلا » ، وهذا الإحصاء هو الذي اعتمدنا عليه
(٣۹) بمديرية الغربية على الشاطىء الغربي لفرع دمياط شمال شربين وتسمي الضهرية
(٤٠) مراسلات نابليون الجزء الخامس وثيقة رقم ۳٤۷۹
(٤۱) رسالة نابليون إلى الجنرال دوجا في ٤ سبتمبر سنة ۱۷۹۹ . مراسلات نابليون الجزء 
الخامس وثيقة رقم ۳۳۷٤
(٤۲) مراسلات نابليون الجزء الخامس وثيقة رقم ۳۳۷٤
(٤٣) الآن يتفرع من ترعة المنصورية
(٤٤) من بلاد مركز دكرنس ومعروفة الآن بأشمون الرمان
(٤٥) يبلغ عدد سكان المنزلة في ذلك العصر نحو ألفي نسمة كما قدرهم الجنرال اندريوسي في تقريره 
الذي قدمه إلى المجمع العلمي وذكر عنها أنها مصانع لنسيج الحرير والكريشة والملايات وبها
بعض مصانع الأقمشة
(٤٦) يوميات الجنرال لوجيه
(٤٧) جنوبي دمياط بغرب 
(٤٨) رسالة الجنرال اندريوسي إلى نابليون في ٦ أكتوبر سنة ۱۷۹۸
(٤۹) جاء في جريدة ( كورييه دلیجبت ) وهي الجريدة شبه الرسمية للحملة الفرنسية بالعدد الصادر 
في ۲٦ مسیدور من السنة السابعة للجمهورية ( يوليه سنة ۱۷۹۹ ) أن حسن طوبار قدم خضوعه في 
أوائل شهر مسیدور ( يونيه ) وأبقى ابنه رهينة لدى الفرنسيين ليضمن إذعانه ، وجاء في رسالة 
نابليون إلى الجنرال كليبر ( حاكم منطقة دمياط وقتئذ ) بتاريخ ۲۳ يونيه سنة ۱۷۹۹ أن حسن طوبار 
ترك ابنه بالقاهرة في مساء ذلك اليوم رهينة على أن يسافر هو إلى دمياط 
(٥۰) رسائل كليبر إلى الجنرال فردييه بتاریخ ۲۹ اکتوبر سنة ۱۷۹۹ و ۲۲ مايو سنة ۱۸۰۰ 
(٥۱) الواقعة بالبر الشرقي للنيل تجاه رأس البر الآن
(٥٣) رحلات المسيو بول لوكاس في مصر 
(٥٤) رحلة في مصر للمسيو جرانجيه 
(٥٥) تاريح نابليون بونابارت ، حملة مصر الجزء الثاني طبع سنة ۱۸۲۸ 
(٥٦) في كتابه ( مصر بعد معركة عين شمس )
(٥٧) الخطط التوفيقية للعلامة على باشا مبارك الجزء الحادي عشر


المصدر: كتاب "تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر"، الجزء الأول لعبد الرحمن الرافعي، من الصفحة ٣٢٠ حتى ٣٥٠.

الجمعة، 6 مايو 2022

انهيار الیقين، هل يمكن میكنة الحقائق؟ تأليف د. محمد عامر

انهيار الیقين * 
هل يمكن میكنة الحقائق؟ 
محمد عامر

مقدمة :
يرى بعض المشتغلين بالعلوم الإنسانية أو فلسفتها أن 
على هذه العلوم أن تنسج على منوال العلوم الطبيعية ، أو 
ما يسمى بالعلوم المنضبطة . وهم يربطون هذا بقضية 
استخدام الرياضيات كأداة ، كما يربطونه بقضية
اليقين .

ولما كان من المتعارف عليه أن الرياضيات هي قلعة 
اليقين ، فقد يكون من المفيد أن يتعرف المشتغلون 
بالعلوم الإنسانية على ما آلت إليه قضية اليقين في 
الرياضيات ، حتى يقرروا لأنفسهم ما إذا كان من 
المجدي أن يجعلوا ( أو يستمروا في جعل ) بلوغ اليقين 
أحد أهدافهم .

وهذا المقال يركز على عرض وشرح النتائج التي 
نشرها كورت جودل Kurt Godel عام ۱۹۳۱ والتي تبين 
- فيما تبين - أنه لا يمكن ( ولن يمكن ) الاطمئنان إلى خلو 
كثير من النظريات الأساسية في الرياضيات من 
التناقضات المنطقية . ويربط المقال بين هذه النتائج 
وقضايا ميكنة الحقائق ، ثم يقدم ويناقش بعض الأفكار 
الفلسفية المتعلقة بهذه الأمور .

نظرة تاريخية :

مرت الرياضيات في تاريخها بأزمات استوجبت إعادة 
النظر في الأسس التي تقوم عليها ، ولعل أولى هذه 
الأزمات تلك التي شهدتها الهندسة في عصر الفيثاغوريين 
منذ حوالي أربعة وعشرين قرناً .

كان الفيثاغوريون يأخذون بـ « المسلمة » التالية ، 
ويقيمون براهين هندستهم عليها . لكل قطعتين 
مستقيمتين أ ب ، حـ د توجد قطعة مستقيمة هـ و
بحيث تكون كل من أ ب ، حـ د من مضاعفات هـ و. أي أننا إذا أخذنا هـ و كوحدة لقياس الطول ، كان كل من 
طول أ ب وطول حـ د عدداً صحیحاً . وكانت هذه « المسلمة » متفقة مع عقيدة الفيثاغوريين الكونية التي تجعل الأعداد 
الصحيحة أساس كل شيء . لكنهم - لبالغ أسفهم - اكتشفوا أن هذه « المسلمة » غير صحيحة . فقد استطاعوا إثبات 
أنه إذا كان ح ط ي ك مربعا وكانت القطعة أ ب هي الضلع ح ط ، والقطعة حـ د هي القطر ح ي ، لما وجدت قطعة 
هـ و تحقق الشروط المطلوبة . فزعزع هذا عقيدتهم كلها وليس هندستهم فقط .




وقد ظلت الهندسة في أزمة إلى أن وضع يودوکسس ( ٤۰۸ - ۳٥٥ ق. م ) تعريفه للتناسب . فدخلت بذلك 
الهندسة عصراَ جديداً ، هو العصر الذي تسمى هندسته بالهندسة الأقليدية ، إذ أنها قد انتقلت إلينا من خلال كتاب 
أقليدس الشهير  « المبادئ » .

لنقفز الآن ۲۳۰۰ سنة من الزمان لنصل إلى الأزمة التي شهدتها الرياضيات مع دورة القرن التاسع عشر ، والتي 
كانت نتائج جودل من تداعياتها . ولنوفر على القارىء مؤونة الدخول في تفصيلات فنية قد لا يستسيغها ، نكتفي 
بالقول بأن هذه الأزمة بلغت من العنف حداً استوجب إعادة النظر ليس في الرياضيات ذاتها فقط ، بل أيضا في المنطق 
الذي تقوم عليه الرياضيات ، وفي اللغة التي تصاغ من خلالها الرياضيات .

وكتمهيد لعرض نتائج جودل سنناقش فيما يلي بعض المشكلات المنطقية ، ومن خلالها سنتعرض لبعض القضايا 
اللغوية . وسنحاول تجنب أو تبسيط الأمور الفنية قدر الإمكان . وعلى كل فنحن ندعو القارئ إلى عدم التهيب من هذه 
الأمور الفنية ، كما ندعوه إلى عدم التهيب من التعامل مع الرموز القليلة التي سنضطر إلى استخدامها .

الصدق :

الصدق عكس الكذب ، وكل منهما صفة من صفات الجُمَلْ ، أو بالأحرى بعض الجمل ، فالجمل الإنشائية لا 
توصف بالصدق ولا بالكذب . لكننا نود أن يكون بالإمكان وصف كل جملة خبرية ( ذات معنى ) بالصدق أو 
بالكذب ، وليس بالاثنين معاً . هنا تقابلنا عقبة كأداء ، يمكن تجسيدها في الجملة التالية :

هذه الجملة كاذبة

فإذا ما افترضنا أن الجملة المكتوبة على السطر السابق صادقة خلصنا إلى أنها كاذبة ، والعكس بالعكس .

لأسباب كهذه اصطنع المناطقة لغات رمزية تبلغ من الضعف حداً لا يسمح بأن نصوغ فيها جملة تكذب نفسها . 
وفي نفس الوقت تكون على قدر من القوة يكفي لأن نصوغ فيها نظریات رياضية ( أو علمية ، بصفة عامة ) هامة .

كيف نتعامل مع اللغات الرمزية من حيث الصدق والكذب ؟ لننظر في المثال التالي ، الذي سنصوغه صياغة 
نصف رمزية تخفيفاً على القارىء .

لكل س ، توجد ص ، بحيث ( س = ص + ص )

هل الجملة السابقة صادقة ؟ الجواب يتوقف على الإطار الذي نفسرها فيه . فإذا كان الإطار هو الأعداد 
الطبيعية : صفر ، ۱ ، ۲ ، ۳ ، . . . معرفاً عليها الجمع ، كان الجواب بالنفي لأننا لو أخذنا ۳ كقيمة س ، لما 
وجدنا عدداً طبيعياً ص بحيث ( ۳ = ص + ص ) . أما إذا كان الإطار هو الأعداد الكسرية معرفاً عليها الجمع ، فإن الجواب 
يكون بالإيجاب . لأنه إذا كانت س عدداً کسرياً ، فإن س/2 عدد کسري أيضاً . ولذا فما علينا إلا أن نأخذ س/2 كقيمة 
ص لنجد ( س = س/2 + س/2 = ص + ص ) .

وعلى هذا فصدق الجملة أو كذبها لا يتوقف عليها وحدها ، وإنما يتوقف - بصفة عامة - على إطار التفسير أيضاً . 
والجمل الصادقة في جميع الأطر تسمى جملا صادقة منطقيا ، وتلك الكاذبة في جميع الأطر تسمى جملا كاذبة منطقيا .

البرهان :

فكرة إقامة البراهين على مسلمات فكرة قديمة ، ترجع إلى عصر إقليدس ، على الأقل . أما الجديد فهو ألا ننتقل 
من خطوة في البرهان إلى خطوة أخرى إلا على أساس قواعد محددة سلفاً تسمى قواعد الاستنتاج . هذه القواعد ليست 
اختيارية تماماً ، بل يراعى في اختيارها أن تسمح بانسياب الصدق . أي أنه إذا كانت إحدى القواعد تنقلنا من عدة جمل 
( تسمى المقدمات ) إلى جملة ( تسمى التالية ) ، فإن التالية تكون صادقة في كل إطار تصدق فيه جميع المقدمات . أيضاً 
يراعى في اختيار قواعد الاستنتاج أن تكون واضحة ، بحيث يسهل تبين مواضع تطبيقها ، كما يسهل تطبيقها نفسه ، 
بل إن كلا من هذا وذاك يجب أن يكون بالإمكان إجراؤه بطريقة ميكانيكية . 

وكمثال على قاعدة استنتاج يسهل أن نرى أنها تتمتع بكل الصفات السابقة ، نذكر قاعدة الفصل وهي :

من ( أ ← ب ) ، أ ينتج ب 

حيث كل من أ، ب جملة ، أما السهم « ← » فهو يعني الاستلزام . المقدمات هنا هي أ ، ( أ ← ب ) ، أما 
التالية فهي ب .

بالاستعانة بقواعد الاستنتاج ، يمكن أن نعرف البرهان على أنه متابعة منتهية (١) من الجمل ، كل منها مسلمة ، 
أو يمكن استنتاجها - من جمل سابقة عليها في المتابعة - بإحدى قواعد الاستنتاج . الجملة الأخيرة في المتابعة تسمی 
مبرهنة ، والمتتابعة تسمى برهانها .

هل ثمة شروط على المسلمات ؟ بصفة عامة لا ، لكننا نود في كثير من الأحيان أن يكون من السهل التعرف 
عليها ، بل أن يكون بالإمكان أن نتعرف عليها بطريقة ميكانيكية . أي نريد أن تكون هناك ماكينة ( كمبيوتر مثلا ) إذا 
ما أعطيناها أية جملة من جمل لغتنا الرمزية قالت لنا - خلال فترة محدودة من الزمن - ما إذا كانت هذه الجملة مسلمة أم 
لا . وواضح أن هذا الشرط يكون مستوفی دائماً إذا ما كان عدد المسلمات منتهيا . لأنه ما على الماكينة في هذه الحال إلا 
أن تقارن الجملة المعطاة بالمسلمة الأولى ، فإن كانت هي ، وقفت مجيبة بالإيجاب وإن لم تكن هي ، انتقلت إلى المقارنة 
بالمسلمة الثانية ، وهكذا . فإن لم تكن الجملة أيا من المسلمات ، توقفت الماكينة مجيبة بالنفي .

سنقول لمجموعة من المسلمات إنها فعالة إذا كان بالإمكان التعرف عليها ميكانيكا . وبناء على الفقرة السابقة 
تكون كل مجموعة منتهية من المسلمات فعالة . هل توجد مجموعة من المسلمات لا نهائية وفعالة في ذات الوقت ؟ نعم ، 
ببساطة خذ مجموعة المسلمات على أنها المجموعة المكونة من كل الجمل . لكن هل توجد مجموعة غير فعالة ؟ هذا ما 
سنعود إليه فيها بعد .

واضح أنه إذا ما اخترنا مسلماتنا بحيث تكون جميعها صادقة منطقيا ، كانت مبرهناتنا جميعها صادقة منطقياً 
كذلك ، ماذا عن العكس ؟ هل يمكن اختيار مسلمات وقواعد استنتاج بحيث تكون كل الجمل الصادقة منطقياَ 
مبرهنات ؟ نعم ، ببساطة اعتبر كل جملة صادقة منطقياً مسلمة ، وفي هذه الحال يمكن حتى الاستغناء عن قواعد 
الاستنتاج تماماً ، ويصير كل برهان مكوناً من جملة واحدة . لكن ماذا إذا ما اشترطنا في مسلماتنا أن تكون فعالة ؟

نالت هذه المشكلة قدراً كبيراً من اهتمام المناطقة . ويمكن القول بأنها قد حلت حلا إيجابياً بالنسبة للغات الرمزية 
التي تعنينا هنا . أي أمكن التوصل إلى مسلمات فعالة ( سنسميها المسلمات المنطقية ) وقواعد استنتاج بحيث تكون كل 
المبرهنات جملا صادقة منطقياً ، والعكس بالعكس .

النظريات :

بالاستعانة بالمفاهيم والتعريفات السابقه ، يمكن إزالة كثير من الغموض الذي يكتنف مفهوم « النظرية » . فكلما 
ألحقنا بالمسلمات المنطقية مجموعة من المسلمات ( سنسميها مسلمات إضافية ) نتجت لنا مجموعة من المبرهنات التي 
تختلف - بصفة عامة - باختلاف المسلمات الإضافية الملحقة . مجموعة المبرهنات هذه تسمى نظرية ، على وجه التحديد 
النظرية المولدة بالمسلمات الإضافية .

قد يكون من المفيد أن نذكر على سبيل المثال ، نظرية الهندسة الاقليدية . من مبرهنات هذه النظرية الجملة 
القائلة بأن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة . نحتاج لبرهان هذه الجملة المسلمات الإضافية الخاصة بالهندسة 
الاقليدية ، فهي لا يمكن برهنتها انطلاقاً من المسلمات المنطقية فقط . بل إننا إذا استبدلنا بمسلمات الهندسية الأقليدية 
مسلمات إحدى الهندسات اللا إقليدية ، أمكننا البرهان على أن مجموع زوايا المثلث تختلف عن مائة وثمانين درجة . 
بالرغم من أن الأساس المنطقي هو هو ، أي نفس المسلمات المنطقية ونفس قواعد الاستنتاج .

وحتى لا يحدث أي لبس ، نود أن نوضح أن أية جملة يمكن أن تختار كمسلمة إضافية . أي أننا لا نشترط في 
المسلمات الاضافية أن تكون واضحة بذاتها أو أي شيء من هذا القبيل . فالمسلمات الإضافية هي إذن أقرب إلى 
الفروض منها إلى المفهوم القديم للمسلمات .

هذا لا يعني أن المسلمات تختار اعتباطاً . فهناك عوامل علمية وتاريخية وجمالية وغير ذلك تؤثر في الاختيار . 
وليس هنا مجال تفصيل هذا الأمر . ولذا فإننا سنكتفي بالحديث الموجز عن اعتبارين نحاول عادة أن نراعيها في اختيار 
المسلمات الإضافية هما : الاتساق والفعالية .

يقال لنظرية ( أو لمجموعة المسلمات الإضافية التي تولدها ) انها متسقة إذا لم يكن من بين مبرهناتها جملتان 
إحداهما تتنافى مع الأخرى . ويمكننا إدراك خطورة قضية الاتساق إذا ما عرفنا أن المناطقة قد أثبتوا ( الاثبات سهل ، 
لكننا لن نثقل به على القارىء هنا ) أن النظرية غير المتسقة تشمل مبرهناتها جميع الجمل . أي أنه في حال عدم الاتساق 
يمكن برهان كل جملة كما يمكن برهان نفي كل جملة ، وبذا تفقد النظرية جدواها .

الفعالية ، عرفناها من قبل . وأهمية أن تكون النظرية ذات مسلمات إضافية فعالة تكمن في أنه إن لم يكن الأمر 
كذلك فسيتعذر التعرف على هذه المسلمات . بمعنى أننا إذا أعطينا جملة فقد لا نتمكن من الحكم على ما إذا كانت هذه 
الجملة إحدى المسلمات الإضافية أم لا .

هناك أيضاً ميزة هامة أخرى . لنفرض أن لدينا مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية . إذا أعطينا أية متتابعة 
منتهية من الجمل فإنه سيكون بإمكاننا أن نعرف بالنسبة إلى كل جملة منها ما إذا كانت مسلمة ( منطقية أو إضافية ) ، أو 
يمكن استنتاجها - من جمل سابقة عليها في المتتابعة . بإحدى قواعد الاستنتاج ، أو لا هذا ولا ذاك . ويمكن أن يجري كل 
هذا بطريقة ميكانيكية .

وعلى هذا فبالنسبة إلى أية نظرية ذات مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية ، تتحول عملية الحكم على ما إذا 
كانت متتابعة منتهية ما من الجمل برهاناً أم لا إلى عملية ميكانيكية بسيطة ، بعد أن كانت عملية ذات أبعاد عقلية 
ونفسية عميقة .

الاسئلة :

ما دام الاتساق وتوافر مسلمات إضافية فعالة ، من الصفات الهامة للنظريات ، فمن الطبيعي أن نسأل بالنسبة 
إلى نظرية رياضية ما ، إذا ما كانت تتمتع بهاتين الصفتين .

وهذا ما فعله جودل بالنسبة إلى نظرية الأعداد . والمقصود بالأعداد هنا هي الأعداد الطبيعية : صفر ، ۱ ، ۲ ، ۳
 ، . . . . والذي أهل هذه النظرية لأن تكون موضع عناية جودل هو أنها نظرية محورية في الرياضيات وفي المعرفة 
البشرية بصفة عامة ، وأن لها أهمية تاريخية فائقة ، وأنها بسيطة بالمقارنة بكثير غيرها من النظريات .

ما المقصود بالضبط بنظرية الأعداد ؟ اتخذ جودل لنفسه لغة رمزية ( لن نثقل على القارئ بتفصيلاتها ) يمكنه أن 
يتحدث بها عن الأعداد وجمعها وضربها . وكما بينا في حديثنا عن الصدق ( انظر عاليه ) ، فإن صدق أو كذب جمل هذه 
اللغة يتوقف على الاطار الذي نفسرها فيه ، والاطار الطبيعي للتفسير في حالنا هذه هو الأعداد الطبيعية معرفاً عليها 
الجمع والضرب . سنسمي هذا الإطار ، الإطار الطبيعي .

مجموعة الجمل الصادقة في الإطار الطبيعي تكون نظرية ، سنرمز إليها بالرمز ݨ  ، وهي ما سنعتبره - في هذا 
المقال - نظرية الأعداد ، وأيضاً مجموعة الحقائق المتعلقة بالأعداد .

هل يمكن تولید ݨ من مجموعة من المسلمات الإضافية ؟ نعم ، ببساطة أجعل ݨ كلها مجموعة المسلمات 
الإضافية . لكن ماذا عن الفعالية ؟ هل توجد مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية بحيث تكون ݨ هي النظرية 
المولدة بها ؟ هذا هو السؤال الأول الذي طرحه جودل(۲) .

لم يبدأ جودل محاولة الإجابة من فراغ . فقد كان لديه بالفعل مسلمات نظرية الأعداد التي تنسب إلى الرياضي 
الإيطالي بيانو ( يقال أن الأصوب أن تنسب إلى الرياضي الألماني دیدیكند ) . أعاد جودل صياغة هذه المسلمات في لغته 
الرمزية ، وانطلق منها كمجموعة من المسلمات الاضافية . سنرمز إلى هذه المجموعة من المسلمات الإضافية بالرمز 
ݥ ، وإلى النظرية المولدة بها بالرمز ࢶ .

يمكن بسهولة إثبات أن كل مسلمة في المجموعة ݥ صادقة في الإطار الطبيعي، وبالتالي فإن كل مبرهنة في ࢶ
صادقة بدورها في الإطار الطبيعي . وعلى هذا فالنظرية ࢶ هي جزء من النظرية ݨ .

يمكن بسهولة أيضا إثبات أن المجموعة ݥ فعالة . ومن ثم فإن النظرية ࢶ مولدة بمجموعة فعالة من 
المسلمات . وعلى هذا فإذا كانت ( ݨ = ࢶ ) فإن الإجابة عن سؤال جودل الأول ستكون بالإيجاب .

هل ( ݨ =ࢶ )؟ هذا هو سؤال جودل الثاني . أما سؤال جودل الثالث فهو : ماذا عن اتساق ࢶ ؟

إذا كانت الاجابة عن السؤال الثاني بالإيجاب ، فإن قضية اتساق ݨ ستكون هي نفسها قضية اتساق ࢶ . أما 
إذا كانت الإجابة بالنفي ، فإن اتساق ݨ يستلزم اتساق ࢶ والعكس قد لا يكون صحيحاً . أما لماذا اهتم جودل 
باتساق ࢶ دون ݨ ، فهذا ما سيتضح فيما بعد .

الجمل والأعداد :

من قديم طوّر الناس ما يسمى بحساب الجمل . وهو - عند العرب المشارقة - عقد تناظر بين حروف الهجاء تبعاً 
لترتيبها الوارد في أبجد هوز . . . وبين الأعداد . فالأحرف التسعة الأولى للآحاد ، والتي تليها للعشرات ، والتي تليها 
للمئات ، والحرف الأخير « غ » ، للألف . وبذا تدل كل كلمة على عدد ، هو مجموع الأعداد التي تناظر حروفها . 
وتدل كل جملة على عدد ، هو مجموع الأعداد التي تدل عليها كلماتها . فمثلا « في المشمش » تدل على ۸۰۱ . ولذا 
فعندما سئل أحد الظرفاء عن تاريخ موت السلطان برقوق ، أجاب : في المشمش ( انظر المعجم الكبير - حرف الهمزة - 
إصدار مجمع اللغة العربية عام ۱۹۷۰ - ص ۲۳ ) .

ويبدو أن جودل قد استفاد من هذه الأفكار ، فناظر بين رموز لغته وبين بعض الأعداد ، بطريقة ليس هنا مجال 
شرح تفصيلاتها . سمحت هذه الطريقة لجودل أن يناظر أيضاً بين الجمل وبين بعض الأعداد ، وأيضا بين المتتابعات 
المنتهية من الجمل وبين بعض الأعداد . لكن تركيز جودل لم يكن على أن الجمل تدل على أعداد ، بل على أن بعض 
الأعداد تدل على رموز ، أو على جمل ، أو على متتابعات منتهية من الجمل . وبذا صار بإمكانه أن يخبر عن الجمل ، بأن 
يخبر عن الأعداد التي تدل عليها . فمثلا نجح جودل في أن يصوغ في لغته الرمزية جملة تقول « أ ، ك كذا وكذا وكذا » ، 
بحيث يكون تفسير هذه الجملة في الإطار الطبيعي هو أن أ عدد يدل على جملة ، وك عدد يدل على متابعة منتهية من 
الجمل ، هي برهان للجملة التي يدل عليها العدد أ ، انطلاقا من مجموعة المسلمات الإضافية ݥ .

أكثر من ذلك ، استطاع جودل أن يصوغ جملة حـ تفسيرها في الإطار الطبيعي هو :

لا يوجد برهان للجملة حـ انطلاقا 
من مجموعة المسلمات الإضافية ݥ

أي أن الجملة حـ تتحدث عن نفسها بطريقة تذكرنا بالجملة التي تكذب نفسها ، التي تحدثنا عنها من قبل .

النتائج :

هل الجملة حـ صادقة في الإطار الطبيعي ، وهل هي بالتالي إحدى مبرهنات النظرية ݨ ؟ هل هي إحدى 
مبرهنات النظرية ࢶ ؟ 

لنبحث الأمر . لنفرض أن حـ إحدى مبرهنات ࢶ . إذن حـ إحدى مبرهنات ݨ ، لأن ࢶ جزء من ݨ . 
أيضاً ، فرضنا أن حـ إحدى مبرهنات ࢶ ، يعني أنه يوجد برهان للجملة حـ انطلاقاً من مجموعة المسلمات الإضافية 
ݥ . من هذا نري أن حـ كاذبة في الإطار الطبيعي . ومن ثم فإن حَـ ( التي سنرمز بها إلى نفي حـ ) صادقة في الإطار 
الطبيعي ، وبالتالي فإن حَـ إحدى مبرهنات ݨ . وعلى هذا فإن النظرية ݨ غير متسقة لأن كلا من حَـ ، ونفيها 
حًـ ، من بين مبرهنات ݨ .

ملخص ما سبق هو :
إذا كانت حـ إحدى مبرهنات ࢶ ، فإن ݨ غير متسقة . 
وبأخذ عکس النقيض - كما يقول المناطقة - نخلص إلى أن : 
إذا كانت ݨ متسقة ، فإن حـ ليست إحدى مبرهنات ࢶ .

لنفرض الآن أن ݨ متسقة . إذن حـ ليست إحدى مبرهنات ࢶ . وهذا يعني أنه لا يوجد برهان للجملة حـ 
انطلاقاً من مجموعة المسلمات الاضافية ݥ . من هذا نرى أن حـ صادقة في الاطار الطبيعي ، وبالتالي فإن حـ إحدى 
مبرهنات ݨ . بإضافة هذا إلى النتيجة السابقة نصل إلى أنه :

إذا كانت ݨ متسقة ، فإن حـ إحدى
مبرهنات ݨ ، لكنها ليست إحدى مبرهنات ࢶ . 

وعلى هذا فإن ݨ تختلف عن ࢶ . وبذا نكون قد أجبنا عن سؤال جودل الثاني بالنفي ، بفرض أن ݨ 
متسقة .

ما سبق لا يكفي للاجابة عن السؤال الأول بالنفي هو الآخر . حقاً إننا نعرف الآن أن ݥ لا تولد ݨ ( بفرض 
أن الأخيرة متسقة ) ، لكن أليس من الممكن تقوية ݥ ، بإضافة حـ أو غيرها إليها ، بحيث يكفي الناتج لتوليد ݨ ؟ 
لاحظ أننا هنا لا نبحث عن أية مجموعة مولدة للنظرية ݨ ، وإنما نبحث عن مجموعة فعالة تفي بالغرض . لكننا 
نستطيع أن نفعل مع أية مجموعة فعالة - تشمل ݥ ، وتشتمل عليها ݨ - ما فعلناه مع ݥ ، لنثبت أنها لا تولد ݨ 
( بفرض أن الأخيرة متسقة ) . ومن هذا يمكن أن نستنتج :

إذا كانت ݨ متسقة ، فإنه لا يمكن توليدها 
بأية مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية . 

وبذا نكون قد أجبنا عن سؤال جودل الأول بالنفي هو الأخر ! ( بفرض أن ݨ متسقة ) .

هذه النتيجة الخطيرة ، التي تعني أننا لا نستطيع - عمليا - أن نقيم النظرية ݨ على مسلمات ، جديرة بأن نتوقف 
عندها قليلا . هل المشكلة في المنطق ، أي في المسلمات المنطقية وقواعد الاستنتاج ، وبالتالي فإذا قوينا المنطق فقد تحل 
المشكلة أم أن المشكلة في اللغة الرمزية التي اختارها جودل ، وبالتالي فحل المشكلة قد يكمن في تغيير اللغة ؟ أم ماذا ؟

للإجابة عن هذه الأسئلة ، علينا أن نتعامل مع مفهوم جديد ، هو « فعالية التولد » . سنقول لمجموعة من الجمل 
إنها فعالة التولد ، إذا كان بالإمكان توليدها بطريقة ميكانيكية . أي إذا كانت هناك آلة ( كمبيوتر مثلا ) تولدها واحدة 
فواحدة . وبالرغم من أن عملية التوليد قد تستمر إلى مالا نهاية ، فإن كل جملة يجب أن تظهر بعد فترة زمنية محدودة ،
طالت أم قصرت . وذلك مثل عملية العد ، فهي لا تنتهي أبداً ، لكن كل عدد سيأتي دوره في الظهور بعد فترة زمنية 
محدودة .

من السهل أن نرى أن كل مجموعة فعالة ، لابد وأن تكون فعالة التولد ، ذلك لأنه يمكن التعرف عليها 
ميكانيكياً ، والآلة التي تتعرف عليها ، يمكنها بتعديل بسيط - أن تولدها فما علينا إلا أن ندخل جمل اللغة كلها إلى الآلة 
واحدة فواحدة . ونجعل للآلة فتحتين تخرج من أولاهما الجمل التي تتعرف عليها الآلة على أنها من مجموعتنا ، وتخرج 
من الثانية بقية الجمل . وبذا تولد الآلة - بما يخرج من فتحتها الأولى - جمل المجموعة واحدة واحدة .

بالمثل يمكن إثبات أن أية نظرية مولدة بمجموعة فعالة من المسلمات الإضافية ، لابد أن تكون فعالة التولد . ذلك 
لأنه توجد - في هذه الحال - آلة بإمكانها التعرف على البراهين . فما عليك إذن إلا أن تدخل إلى هذه الآلة جميع المتتابعات 
المنتهية من الجمل ، واحدة فواحدة . اجعل للآلة فتحتين ، واطلب منها ، إذا ما تعرفت على متتابعة على أنها برهان ، 
أن تخرج الجملة الأخيرة ( أي المبرهنة ) من أولى الفتحتين . أما بقية الجمل فتخرج من الفتحة الثانية . بذا تولد الآلة - 
بما يخرج من فتحتها الأولى - مبرهنات النظرية واحدة واحدة .

يمكن أيضاً إثبات أن عكس المقولة السابقة صحيح ، أي أن أية نظرية فعالة التولد ، لابد وأن يكون بالإمكان 
توليدها بمجموعة فعالة من المسلمات الإضافية . وعلى هذا فيمكننا إعادة صياغة سؤال جودل الأول كالتالي :

هل ݨ فعالة التولد ؟

هذا السؤال المعدل يكافيء السؤال الأول ، لكنه سؤال في « ميكنة » الحقائق ، وليس - کالسؤال الأول - في 
المنطق .

إعادة الصياغة لن تؤثر في الإجابة . وبالتالي فالإجابة عن السؤال المعدل هي أيضأ بالنفي ( بفرض أن ݨ 
متسقة ) . لكن الصياغة المعدلة تساعدنا على التعرف على أبعاد الموقف بطريقة أفضل . لقد سألنا آنفاً إذا ما كانت 
المشكلة في المنطق ، أم في اللغة ، أم ماذا ؟ لنفرض أن اللغة باقية كما هي ، وأن ݨ متسقة ، تغيير المنطق ( المسلمات 
المنطقية وقواعد الاستنتاج ) لن يغير من ݨ شيئا ، لأن الذي يحدد جملة ݨ ليس البرهان الذي يتوقف على المنطق ، 
وإنما الصدق الذي لا يتوقف إلا على اللغة وإطار التفسير ، وعلى هذا فإن ݨ ستبقى كما هي ، وعلى وجه التحديد 
ستبقى غير فعالة التولد ، مهما غيرنا المنطق . ومن ثم فالحل الوحيد للمشكلة هو أن نغير المنطق مما يسمح لمجموعة فعالة 
من المسلمات الاضافية أن تولد نظرية غير فعالة التولد . وهذا ممكن إذا ما تنازلنا عن شرط الفعالية في مجموعة المسلمات 
المنطقية أو عن شرط إمكان التعامل مع قواعد الاستنتاج بطريقة ميكانيكية . لكن لا هذا ولا ذاك مرغوب فيه . فالتنازل 
عن الشرط الأول يعني أننا قد لا نتمكن من التعرف على مسلماتنا المنطقية ، والتنازل عن الشرط الثاني يعني أننا قد لا 
نعرف متى أو كيف نطبق قواعد الاستنتاج .

بقى أن ننظر في تغيير اللغة . وهذا طبعاً ممكن ، وسيأتي بنتيجة سريعة ، إذ أن ݨ تتغير بتغير اللغة . غير أنه إذا 
كانت اللغة الجديدة على نفس مستوى اللغة القديمة ، أو أقوى ( أي أقدر على التعبير ) ، فإن ݨ الجديدة لن تكون 
فعالة التولد ، وبالتالي ستبقى المشكلة كما هي ، إن لم تزدد تعقيداً . أما إذا كانت اللغة الجديدة أضعف من اللغة 
القديمة ، فإن ݨ قد تصير فعالة التولد ، أو حتى فعالة ، وبذا تكون مشكلتنا محلولة بالنسبة إلى هذه اللغات الضعيفة . 
فعلى سبيل المثال إذا ما أضعفنا لغتنا بما لا يسمح لها بالحديث عن ضرب الأعداد ، أي أن اللغة الجديدة ستكون قادرة 
على الحديث عن الأعداد وجمعها ، لكن ليس ضربها ، فإن ݨ ستصير فعالة ، وليست فقط فعالة التولد .

القارئ اليقظ لا بد وأن يكون قد لاحظ أننا في طيات تحليلنا السابق قد عالجنا سؤالا كنا قد تركناه مفتوحا حين 
طرحناه . ألا وهو : هل توجد مجموعة غير فعالة ؟ إذ أن ݨ ( في اللغة الأصلية ) ليست فقط غير فعالة ، وإنما أيضاً 
غير فعالة التولد ( بفرض أنها متسقة ) .

كتمهيد لبحث قضية اتساق ب ( السؤال الثالث ) نود أن نوضح أن التحليل الذي أجراه جودل في معرض 
معالجته لسؤاله الثاني كان أعمق من تحليلنا ، وأنه بتعامله مع التركيب الداخلي الدقيق للجملة حـ قد استطاع أن يصل 
إلى النتيجة الأقوى التالية :

إذا كانت ࢶ متسقة ، فإن حـ ليست إحدى مبرهناتها (*) . 

بطريقة مشابهة لتلك التي جرت بها صياغة الجملة حـ ، يمكن صياغة جملة د تفسيرها في الإطار الطبيعي هو :

ࢶ متسقة . 

وبذا يكون تفسير الجملة ( د ← حـ ) في الإطار الطبيعي هو (*) على وجه التحديد . وقد أوضح جودل أن 
اثبات (*) يمكن تقليده في اللغة الرمزية لنصل إلى أن :

( د ← حـ ) إحدى مبرهنات ࢶ .

فإذا كانت :

د إحدى مبرهنات ࢶ .

فإننا نصل بقاعدة الفصل إلى أن :

حـ إحدى مبرهنات ࢶ .

وهذا يتعارض مع اتساق ࢶ ، كما تبين (*) . من هذا نخلص إلى النتيجة الهامة الآتية :

إذا كانت ࢶ متسقة ، فإن د ليست إحدى مبرهناتها .

وبالنظر إلى تفسير د في الإطار الطبيعي ، فإن هذا يعني أنه إذا كانت ࢶ متسقة ، فإنه لا يمكن إثبات ذلك 
بالطرق المستخدمة لإثبات مبرهنات ࢶ .

من الطبيعي أن نسأل ماذا يحدث إذا ما أضفنا د إلى ࢶ ؟ نحصل على نظرية أقوى ، يمكننا فيها إثبات أن ࢶ 
متسقة . لكن ما فعلناه مع ࢶ يمكن تكراره مع النظرية الجديدة ، وبالتالي لا يمكن إثبات أن النظرية الجديدة متسقة 
( بفرض أنها كذلك ) بالطرق المستخدمة لإثبات مبرهناتها . وهكذا فالمشكلة تطل علينا برأسها من جديد ، ولكن في 
ظروف أعقد . ونفس الشيء يسري على أية تقوية للنظرية ࢶ ، مادام يمكن توليدها بمجموعة فعالة من المسلمات 
الإضافية .

وعلى هذا فلا يمكننا الاطمئنان إلى اتساق ࢶ ، ولا إلى اتساق كثير غيرها من النظريات الأساسية في 
الرياضيات ، إذ أن اثبات هذا الاتساق يتطلب نظرية لا يقل شکنا في اتساقها عن شكنا في اتساق النظرية الأصلية 
نفسها .

أرجو أن يكون قد اتضح الآن لماذا اهتم جودل بقضية اتساق ࢶ . أما عن لماذا لم يعر قضية اتساق ݨ نفس 
الاهتمام ، فلعل ذلك لأنه كان مهتما بالنتائج السلبية ، أي بتوضيح أن قضية الاتساق تنطوي على مشكلة وبالتالي فمن 
الأوجب أن يتعامل مع النظرية الأضعف ، أي ࢶ . وما دمنا غير متيقنين من اتساق ࢶ ، فإننا - من باب أولى - لن 
نكون متيقنين من اتساق ݨ .

خاتمة :

تبين لنا النتائج السابقة بعض حدود المعرفة . وقضية حدود المعرفة مبحث فلسفي قديم . والجديد هو أن يسهم 
العلم في علاجها ، وإن كان اسهامه في تبيان بعض الحدود الأخرى ، التي شغل بأمرها الفلاسفة منذ زمن طويل ، ليس 
بنفس القدر من الجدة .

فبتطور النظرية الذرية على أسس علمية مقبولة خلال القرن التاسع عشر ، أسهم العلم في الإجابة عن سؤال 
فلسفي قديم متعلق بحدود إمكان تقسيم المادة . وقد تجدد هذا الاسهام - الذي لم يكن أبدا كلمة أخيرة - خلال القرن 
العشرين بفعل نظریات تركيب الذرة من جسيمات أولية ، ونظريات تركيب بعض الجسيمات الأولية مما يسمى 
بالكوارك ، ونظريات تحول المادة إلى طاقة ، وظهور الأخيرة على شكل كمات . .

وقد بينت لنا نظرية النسبية ( عام ١٩٠٥ ) حدأ آخر ، هو حد السرعة . فإذا كانت سرعة أحد جسمين بالنسبة 
للآخر أقل من سرعة الضوء في الفراغ في لحظة ما ، فلا يمكن أن تزيد عليها أبدا ، أي أن سرعة الضوء في الفراغ 
( حوالي ۳۰۰ ألف كيلو متر في الثانية ) هي حد السرعة .

أما ميكانيكا الكم فقد أتتنا ( عام ۱۹۲۷ ) بمبدأ عدم التحدد ، القائل بأن مقدار عدم التحدد في موضع جسيم 
ما ، مضروبا في مقدار عدم التحدد في زخمه ( أي كمية حركته ) لا يقل عن مقدار ثابت ( لا يتوقف على الجسيم . وقد 
ذهب المشتغلون بالفيزياء وفلسفتها في تفسير هذا المبدأ مذهبين . يقول الأول إن عدم التحدد خاصة موضوعية من 
خواص موضوع المعرفة ، وبالتالي فهو لا يضع قيدا على المعرفة . وعلى هذا تكون نتائج جودل أول نتائج علمية متعلقة 
بحدود المعرفة . ويرجع المذهب الثاني عدم التحدد إلى الذات العارفة والأجهزة التي تستخدمها ، وبالتالي فهو يعتبره 
قيداً على المعرفة . وعلى هذا يكون مبدأ عدم التحدد هو أول النتائج العلمية المتعلقة بحدود المعرفة ، ونتائج جودل هي 
الثانية .

وسواء أكانت نتائج جودل هي الأولى أم الثانية ، فعلينا أن نتفهم أبعادها . ولنبدأ بالنتيجة القائلة بأن ݨ ليست 
فعالة التولد . هذه النتيجة تعني أنه لا يمكننا معرفة كل الحقائق المتعلقة بالأعداد . وَرُبَ قائل : أما كان يكفي إثبات أن 
ݨ لا نهائية ؟ فمعرفتنا - مهما زادت - ستظل محدودة ، وبالتالي لا يمكننا معرفة كل الحقائق المتعلقة بالأعداد ، إذا كانت 
لا نهائية . الجواب : نعم ، ما كان يكفي . فنحن قادرون - بمعني معقول جدا - على معرفة عدد لا نهائي من الحقائق . 
ألسنا نعرف أن ۱ + ۱ = ۲ ، ۱ + ٢ = ۳ ، . . . ، ۱ + ۸ = ۹ ، ۱ + ۹ = ۱۰ ، . . . ، ۱ + ۸٤ = ۸٥ ، . . .  
وهكذا إلى مالا نهاية ؟ أكثر من هذا ، نستطيع أن نقول إننا نعرف أية مجموعة فعالة ، متى توصلنا إلى آلة قادرة على 
التعرف عليها . لأننا في هذه الحال - ما علينا إذا ما أعطينا جملة من الجمل إلا أن نضعها في الآلة التي ستقف بعد فترة 
محدودة من الزمن قائلة لنا إذا ما كانت الجملة في مجموعتنا أم لا . يرد هنا اعتراض على القيمة العملية لهذه المعرفة . إذ 
أن الآلة قد تستمر في العمل مليون سنة قبل أن تصدر حكمها على جملة ما . بالرغم من وجاهة هذا الاعتراض ، 
فسيظل بإمكاننا أن نقول إننا نعرف ، على الأقل نظرياً ، على الأقل من حيث المبدأ .

يصير الأمر أكثر تعقيداً إذا كانت لدينا نظرية فعالة التولد ، لكنها ليست فعالة . في هذه الحال لا توجد آلة قادرة 
على التعرف على جمل النظرية ، وإنما توجد آلات قادرة على توليدها فقط . لنفرض أن لدينا إحدى هذه الآلات ، وأن 
لدينا جملة ما ، لا نعرف إذا ما كانت في النظرية أم لا . إذا كانت الجملة في النظرية ، فإنها ستخرج من الآلة بعد وقت 
طال أم قصر . وبالتالي فسنعرف أنها في النظرية . أما إذا لم تكن في النظرية ، فإنها لن تخرج من الألة مهما طال 
انتظارنا ، وفي نفس الوقت لن تصدر الماكينة حكما بأنها لن تخرج أبدا . الآلة إذن لن تحسم الأمر ، وبالتالي فإن فائدتها ۔ 
مهما عظمت - ستكون جزئية فقط .

يمكننا أن ننظر إلى الأمر بشكل آخر . فلكل نظرية فعالة التولد توجد مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية 
المولدة . فإذا ما وضعنا يدنا على مجموعة فعالة مولدة ، فإننا سنعرف الكثير عن النظرية . ذلك لأنه سيوجد لكل جملة في 
النظرية برهان انطلاقاً من هذه المجموعة الفعالة ، ومن ثم فإن مفهوم البرهان سيصير أوضح وأبسط کا بینا آنفاً . وهذا 
سيسهل التعامل مع البراهين ، سواء أكنا نحاول برهنة جملة ما ، أم نحاول إثبات عدم وجود برهان لها ، وإن كان لا 
يوجد ما يضمن نجاح هذه المحاولات . على كل هذه النظرة تكافيء النظرة السابقة ، كما أشرنا من قبل .

هل لنا إذن أن نقول إننا نعرف النظرية فعالة التولد ، إذا ما عرفنا آلة تولدها ؟ هذه مسألة فيها نظر. ويبدو أنه مما 
يساعد على حلها أن نأخذ بأن المعرفة مفهوم مركب ، وبدلا من أن نسأل ، هل نعرف ؟ أو ، هل يمكن أن نعرف ؟ 
نسأل إلى أية درجة نعرف ؟ أو ، إلى أية درجة يمكن أن نعرف ؟ إذا ما قبلنا هذا ، فإن التحليل السابق ( وهو الآن يحتاج 
إلى شيء من التعديل الذي سنتركه للقارىء ) يجيز لنا أن نقول إنه ليس بإمكاننا أن نعرف النظريات فعالة التولد ( التي 
لیست فعالة ) بنفس الدرجة التي يمكننا أن نعرف بها النظريات الفعالة . أي أن هناك حدوداً للمعرفة !

لكن هل توجد نظرية فعالة التولد ، لكنها ليست فعالة ؟ نعم ، وأول نظرية عرف عنها هذا هي النظرية ࢶ 
( بفرض أنها متسقة ) . وعلى هذا فالمشكلة تبدأ من ࢶ ، لكن مشكلة ݨ أكبر ، لأن ݨ ( بفرض اتساقها ) ليست
حتى فعالة التولد . ولذا فإن درجة معرفتنا بالنظرية ݨ لا يمكن أن تصل حتى إلى الدرجة التي يمكن أن تصل إليها 
معرفتنا بالنظرية ࢶ . فمثلا نحن نعرف للنظرية ࢶ مجموعة ( فعالة ) من المسلمات الإضافية التي تولدها ، وهذا 
مالا يمكننا أن نعرفه للنظرية ݨ .

وكما أسلفنا فإن من أوجه قصور معرفتنا بالنظرية ࢶ ، أننا لن نعرف طريقة عامة ( أي لن نتوصل إلى آلة ) 
نستطيع عن طريقها أن نحكم على كل جملة إذا ما كانت في ࢶ أم لا . إن وجه القصور هذا قائم ( بل انه أكثر شدة ، 
إن جاز التعبير ) بالنسبة للنظرية ݨ . وبهذا المعنى نقول إننا لا يمكننا معرفة كل الحقائق المتعلقة بالأعداد ( أي كل 
الجمل الواقعة في ݨ ) .

أصابت هذه النتيجة البعض بشيء من خيبة الأمل . لكنها لا تخلو من جانب مشوق . فهي تزيد من التحدي ، 
وبالتالي تزيد من استثارة الهمم . فالنتيجة لا تقول إن هناك جملة بعينها غير قابلة لأن نحكم عليها . إنها تقول فقط إنه لا 
توجد طريقة واحدة صالحة للحكم على كل الجمل . وبالتالي علينا دائما أن نبتكر طرقاً جديدة . وهذا خلیق بأن يرضي 
غرور الرياضيين ، إذ أن الحاجة إلى ابتكاراتهم لن تنتهي ، ولن يمكن الاستعاضة عنهم بآلة ، أو بكمبيوتر أبدا .

لقد راود الرياضيين أمل بأن تكون مسلمات بيانو ( المشار إليها آنفاً ) كافية لبرهنة كل الحقائق المتعلقة بالأعداد . 
فبدد جودل هذا الأمل بنتيجته العبقرية . لكنه لم يتركنا حائرين بعد أن أخرجنا من نعيم الجهل ( وأخو الجهالة في 
الشقاوة ينعم ! ) . إذ أنه بإثباته أن حـ تقع في ݨ ولا تقع في ࢶ ، فتح لنا الطريق كي نحصل على نظرية أقوى 
باضافة حـ ( أو غيرها من الجمل التي تقع في ݨ ولا تقع في ࢶ ) إلى المسلمات الاضافية التي تقوم عليها ࢶ . 
وهكذا يمكننا أن نحصل على نظريات أقوى وأقوى ( تقوم كل منها على مجموعة فعالة من المسلمات الإضافية ) دون أن 
نصل إلى ݨ أبداً . أي أن دائرة الضوء تتسع وتتسع ، لكنها لن تضيء كل الحقائق أبدا . أيضاً ، فتح لنا جودل 
بنتيجته هذه طرقاً أخرى ، لكن المجال لا يسمح لنا باصطحاب القاريء إلى جولة فيها .

لننتقل الآن إلى نتيجة جودل الثانية القائلة بأنه إذا كانت ࢶ متسقة ، فإنه لا يمكن إثبات ذلك بالطرق 
المستخدمة لإثبات مبرهنات ࢶ . هذه النتيجة لا تعني أن ࢶ ليست متسقة ، كما أنها لا تعني أن ࢶ متسقة . فهی 
تترك الباب مفتوحا لهذا وذاك . كل ما نستطيع أن نبنيه عليها هو أنه إذا كانت ࢶ متسقة ، فإننا لن نستطيع معرفة هذا 
بطريقة نطمئن إليها .

زادت هذه النتيجة من شكوك أصحاب الاتجاهين الحدسي والبنائي ( وهما اتجاهان في الرياضيات وفلسفتها 
ازدهرا في بدايات هذا القرن استجابة للأزمة التي شهدتها الرياضيات مع دورة القرن التاسع عشر ) في سلامة 
الرياضيات التقليدية . وشجعتهم على الاستمرار في جهودهم لإقامة رياضيات جديدة أكثر جدارة بالثقة ، لكنها - حتى 
الآن - أقل فائدة في التطبيق .

أما الغالبية الساحقة من الرياضيين ومستخدمي الرياضيات ، فتسير أمورهم سيراً عادياً فهم ليسوا بحاجة إلى 
اليقين حتى يستمروا في بحثهم ودرسهم وتدريسهم وتطبيقاتهم . والتعامل مع النظرية ࢶ مستمر ، والبحث فيها 
وحولها جار . لكن أحدا لن يذهل إذا ما اكتشف فيها تناقضاً غدا . حقا إن هذا سيكون حدثاً عظيماً ، وسيدخل 
الرياضيات في أزمة جديدة . لكن المأمول أن تكون - كسابقاتها - أزمة نمو ، لا أزمة انهيار .

هل نتيجة جودل ، التي زعزعت اليقين في الرياضيات ، نتيجة يقينية ؟ لقد توصل إليها جودل بنفس 
الأساليب ، وعلى نفس الأسس ، التي هي الآن موضع شك . إذن فالنتيجة نفسها موضع شك . أي أن الشك الذي 
توصلنا إليه هو في حد ذاته أمر مشكوك فيه . ولذا فاستعادة اليقين أمر وارد ، وإن كان ليس متوقعاً إلا من خلال تغير 
جذري في مفاهيمنا الرياضية . والمقصود هنا ، هو استعادة اليقين بمعظم الرياضيات التقليدية ، وليس بالرياضيات 
الحدسية أو البنائية ( انظر عاليه ) ، التي لم يدع أحد - حتى الآن - بأنها موضع شك .

ما شأن كل هذا بمعرفة الكون ؟ لعل هذا هو أكثر ما يعني المشتغلين بالعلوم الطبيعية والبيولوجية والإنسانية ، 
وفلسفاتها . لنلاحظ أولا أن كون الاطار الطبيعي ( الذي يضم كل الأعداد الطبيعية ) لا نهائي قد لعب دوراً لا غنى عنه 
في طهور المشكلات السابقة . ولو لم يكن الأمر كذلك ، أي لو كان الإطار الطبيعي محدودا ، ما نشأت هذه 
المشكلات . بل وما كان هناك فرق بين الرياضيات التقليدية والرياضيات الحدسية والبنائية . وعلى هذا فعلاقة نتائج 
جودل بمعرفة الكون تتوقف على ما إذا كان الكون لانهائياً . وفي نقاشنا التالي لعلاقة المواقف الثلاثة الممكنة من قضية 
لانهائية الكون بنتائج جودل ومشكلة المعرفة ، سنفهم « الكون » بالمعنى الواسع الذي يسمح باعتبار الظواهر الإنسانية 
ظواهر كونية . أيضاً ، ما نقوله عن الكون يمكن أن يقال عن أي جزء من أجزائه ، أو أي جانب من جوانبه .

(۱) الكون لا نهائي :

إذا كان الكون لا نهائياً ، في أي وجه من وجوهه ، فالمتوقع أن يكون أعقد من الإطار الطبيعي ( أي الأعداد
الطبيعية مع الجمع والضرب ) ، وبالتالي فمن المتوقع أن تسري عليه نتائج جودل . أي أن مجموعة الحقائق الكونية لا 
يمكن استنتاجها من مجموعة فعالة من المسلمات ، وأنه لا يمكن الاطمئنان إلى اتساق أية نظرية كونية قوية .

(۲) الكون محدود :

المقصود هنا أن يكون الكون محدوداً من جميع الوجوه . أي أن يكون مكوناً من عدد محدود من الأشياء ، لكل منها 
عدد محدود من الصفات ، وتدخل في بعضها البعض في عدد محدود من العلاقات الثنائية ، كما تدخل مع بعضها البعض 
في عدد محدود من العلاقات الثلاثية ، وهكذا ، على أن يكون عدد كل العلاقات محدودا . وأيضاً أن يكون محدوداً في 
الزمان ، بمعنى أنه لا يمر إلا بعدد محدود من الأطوار ، ثم يثبت أو ينتهي أو يعيد الكرّة .

في هذه الحال نتائج جودل غير واردة بالنسبة إلى الكون . ومجموعة الحقائق الكونية لن يكون من الممكن فقط 
استنتاجها من مجموعة فعالة من المسلمات ، بل ستكون هي نفسها مجموعة فعالة . ولن تكون هناك مشكلة في إثبات 
اتساق النظرية المكونة من الحقائق الكونية كلها . والتوصل إلى هذه النظرية أمر وارد نظرياً ، غير أن هذا شيء ، 
والتوصل إليها فعلا شيء آخر. وحتى إذا توصلنا إليها فعلا ، فقد يتعذر علينا التأكد من هذا .

ورغم أن المجال لا يسمح بالخوض في مزيد من التفصيلات ، فقد يكون من المفيد أن نذكر هنا أن مشكلة 
الاستقراء التي أثارها ديفيد هيوم سيكون من السهل حلها في حالنا هذه . إذ أن عدد كل ما لدينا من أشياء محدود ، 
وبالتالي فمن الممكن أن يكون الاستقراء دائماً استقراء کاملا .

(3) الكون آخذ في الاتساع :

المقصود أن يكون الكون - حتى كل لحظة - محدودا بالمعنى الوارد في (۲) ، لكن الحدود متحركة ، كلها أو 
بعضها . كأن يكون عدد الأشياء التي يتكون منها الكون اليوم مليوناً ، ويصير غداً مليوناً وألفاً ، وهكذا .

وفي هذه الحال ، يبدو أن الرياضيات الحدسية أو البنائية ستكون كافية لدراسة الكون ، ويكون استخدامنا الحالي 
للرياضيات التقليدية نوعاً من الاستسهال . أي أن لنا أن نختار بين رياضيات أصعب في التعامل ، لكنها أجدر بالثقة ، 
وبين رياضيات أسهل في التعامل ، لكنها تعاني من كل المشكلات التي أوضحها جودل(**) .



المراجع

(1) Godel Kurt; On Formally Undecidable Propositions of Principia Mathematica and Related Systems; Basic Books Inc. New York, 1962.
(2) Hofstadter, Douglas R.; Godel, Escher, Bach: An Eternal Golden Braid, Vintage Books, New York, 1980.
(3) Kleene, Stephen Cole; Mathematical Logic; John Wiley and Sons, Inc. New York, 1967.
(4) Mendelson, Elliott; Introduction to Mathematical Logic; D. Van Nostrand Company, Inc. Princeton, New Jersey, 1964.
(5) Nagel, Ernest and Newman, James R.; Godel's Proof; New York University Press, . 1964.
(6) Sagan, Carl; Cosmos; Random House, New York, 1980.
(7) Taraki, Alfred; The Concept of Truth In Formalized Languages; In; Logic, Semantics, Metamathematics; By the same author, Oxford At The Clarandon Press, 1956.
(8) ——— ; Truth and Proof; Scientific American, June 1969. Also, republished in: Fundamental Problems In Philosophy; Edited by Oswald Hanfling; Basil Black-well In Associations with The Open University Press, 1972.

المرجع (۱) ترجمة للبحث الأصلي لجودل ، مصحوبة بمقدمة مبسطة .
المراجع (۳) ، (٤) ، (۷) مكتوبة للمتخصصين . المرجع (۷) بحث له أهمية تاريخية فيما يتعلق بقضية الصدق . 
والمرجعان (۳) ، (٤) كتابان جامعيان يغطي كل منها : اللغات الرمزية ، البرهان ، الصدق ، نتائج جودل .

المراجع (۲)، (ه) ، (٦) ، (۸) مكتوبة لغير المتخصصين . وكلها - عدا (٦) - تستعرض وتناقش نتائج 
جودل . المرجع (۲) يربطها بالرسم والموسيقى ، والمرجع (۸) يركز أكثر على قضيتي الصدق والبرهان . أما المرجع (٦) 
فيبحث في الكون وفهمنا له .

(*) هذا المقال مهدى إلى السيد الأستاذ الدكتور مصطفى سويف تحية لجهوده في ضبط العلوم الإنسانية ، وبمناسبة تجاوز سيادته سن الستين .
(١) في هذا المقال سنستخدم الكلمتين « منتهي » و « محدود » بمعنى واحد، هو ليس لا نهائيا .
(۲) ما نفعله هنا ليس بالضبط ما فعله جودل ، فسنسمح لأنفسنا بالاستفادة من التطورات التي جرت بعد ١٩٣١ كما أننا نبسط الأمور كثيراً، بعدا بالقارئ عن التعقيدات الفنية .
(**) لكن ما رأي علماء الكون في قضية لا نهائيته ؟ الإجابة عن هذا السؤال خارج نطاق هذا المقال ، ويمكن للقارئ أن يرجع فيها إلى المرجع رقم (٦) ، حيث سيجد المزيد من المراجع .

المصدر: مجلة عالم الفكر - المجلد العشرون - العدد الرابع - يناير - فبراير - مارس ١٩٩٠ م

الثلاثاء، 3 مايو 2022

شطا من كتاب كاترمير

النيل عند دمياط
النيل عند دمياط



Schata (1) est une ville voisine de Tennis et de Damiette. C'est de la que viennent les robes appelées schatawiah. On prétend que cette ville doit son nom à Schata, fils d'Al-Hamouk, oncle du Makaukes. Amrou-ben-el-As s'étant rendu maître de la forteresse et du reste de l'Egypte, envoya une armée qui mit le siége devant Damiette, et s'empara de cette place. Schata qui en étoit le gouverneur, sortit à la tête de 2000 de ses compagnons, et se joignit aux musulmans. Avant cette époque, il avoit toujours été zélé pour le bien, et le tableau qu'il enteudoit faire de la vie des partisans de l'islamisme lui avoit inspiré du goût pour cette religion. Les musulmans, après la conquête de Damiette, éprouvèrent une vive résistance de la part du gouverneur de Tennis. Schataparcourut les villes de Bourlos, Domaïrah et Aschmoun-Tanah, et fit prendre les armes aux habitans. A la tête de ces forces, il se réunit aux musulmans qui étoient à Damiette, et aux renforts envoyés par Amrou; et tous ensemble marchérent vers Tennis. Les deux partis en étant venus aux mains, Schata, après avoir combattu avec valeur, et tué douze des plus braves d'entre les habitans de Tennis, périt les armes à la main, le vendredi quinzième jour du mois de schaban de l'année 21 de l'hégire. On l'enterra hors de la ville, dans l'endroit où il est encore aujourd'hui. On éleva sur sa tombe un monument où l'on se rendoit en foule de tous les bourgs voisins, chaque année, le quinzième jour de schaban : usage qui s'observe encore de nos jours. On fabriquoit à Schata des tapis poar la Kabah, J'ai vu dans ce temple, dit Fakehy, un des voiles donnés par Haroun-alRaschid. Il étoit de l'étoffe appelée Kabaty, et on y lisoit ces mots : Que la miséricorde de Dieu soit sur Abdallah-Haroun, prince des fidèles,(que Dieu prolonge ses jours!): Ge voile, destiné pour la Kabah , a été fabriqué dans la manufacture de Schata, par ordre de Fadl ben Reby, l'an 191.,” Schata avoit été une ville épiscopale, ainsi qu'on le voit par la notice de Nilus Doxopåtrius, qui range l'évêché de Sata, Σάτα, au nombre de ceux qui dépendoient du patriarche d'Alexandrie (2).
=======================
1) Macrizy Ms Arab 673 C fol 176 rect 
2) Lemoyne, Varia sacra, T I, p. 124 


المصدر:  Étienne Marc Quatremère: Mémoires géographiques et historiques sur l'Égypte, Volume 1, F. Schœll, 1811, P. 338, 339 (رابط)


ترجمة آلية باستخدام جوجل (مع بعض التحسينات):

شطة (1) هي مدينة مجاورة لمدينة تنيس ودمياط. هذا هو المكان الذي تأتي منه الأثواب المسماة الشطوية. يُزعم أن هذه المدينة تدين باسمها لشطا ، ابن الهاموك ، عم المقوقس. عمرو بن العاص جعل نفسه سيد القلعة وبقية مصر ، أرسل جيشا حاصر دمياط ، واستولى على هذا المكان. شطا الذي كان الوالي ، وترك على رأس 2000 رفاقه ، وانضم إلى المسلمين. قبل هذا الوقت ، كان دائمًا متحمسًا للخير ، وكانت الصورة التي كان ينوي رسمها لحياة أنصار الإسلاموية قد ألهمته بتذوق هذا الدين. واجه المسلمون بعد فتح دمياط مقاومة شديدة من محافظ تنيس. سافر شطا عبر مدن البرلس ودميرة وأشمون طناح ، وجعل السكان يحملون السلاح. على رأس هذه القوات ، اتحد مع المسلمين الذين كانوا في دمياط ، ومع التعزيزات التي أرسلها عمرو. وساروا جميعًا نحو تنيس. بعد أن تقاتل الطرفان ، شطا ، بعد أن قاتل ببسالة ، وقتل اثني عشر من الأشجع بين سكان تنيس ، وأذرعهم في اليد ، يوم الجمعة ، في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان من العام 21 من الهجرة. لقد دفنوه خارج المدينة ، في المكان الذي لا يزال فيه حتى اليوم. أقيم نصب تذكاري فوق قبره ، حيث كانت الحشود تأتي من جميع البلدات المجاورة كل عام في اليوم الخامس عشر من شعبان: وهي عادة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. سجاد كان يصنع في شطا للكعبة ورأيته في الكعبة كما يقول الفاكهي وهو من الحجاب الذي قدمه هارون الرشيد. كانت من مادة تسمى قباطي ، ويقرأ هناك هذه الكلمات: رحمة الله على عبد الله هارون أمير المؤمنين (أطال الله أيامه!): الحجاب المقدر للكعبة صنع في مصنع شطا ، بأمر من الفضل بن الربيع ، عام 191. ، "كانت شطا مدينة أسقفية ، كما نرى من إشعار نيلوس دوكسوباتريوس ، الذي يصنف أسقفية ساتا ، Σάτα ، من بين أولئك الذين يعتمدون على بطريرك الإسكندرية (2).