‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرقام عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرقام عربية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 2 ديسمبر 2020

الأرقام المصرية

المقالة هنا ترجمة بتصرف لمقالة بعنوان Egyptian numerals من تأليف: J J O'Connor و E F Robertson

كان لدى المصريون نظام كتابة معتمد على الهيروغليفية مذ حوالي 3000 ق. م. الهيروغليفية هي صور صغيرة تمثل الكلمات. من السهل أن نعرف لم خصصوا صورة طائر صغير للدلالة على كلمة طائر، لكن من الواضح قصور هذا النظام  والحاجة لتطويره ليمثل كلمات أخرى. حل المصريون القدماء هذه المشكلة عن طريق استخدام الصوت المنطوق للكلمات. كمثال لتوضيح الفكرة بمثال من اللغة الإنجليزية  (I hear a barking dog) "أنا أسمع كلب ينبح" يمكن تمثيلها صورياً بـ "🐶👑🌴👂👀"

👀 (صوت الكلمة يعبر عن كلمة I بمعنى أنا)، 👂 (صوت الكلمة يعبر عن كلمة hear بمعنى يسمع)، 🌴(صوت الكلمة يعبر عن كلمة bark بمعنى ينبح)، 👑(صوت الكلمة يعبر عن كلمة king  تضاف للكلمة السابقة عليها لتعطي الصوت الكامل لكلمة barking)، 🐶(بمعنى كلب).

وبالطبع نفس الرموز يمكن أن تُستخدم بشكل مختلف في سياقات أخرى، لذا صورة العين ممكن أن تعني يرى وصورة الأذن ممكن أن تعني يسمع.

كان للمصريين نظام أرقام عشري برموز هيروغليفية تمثل الأرقام. ونعني بهذا أنه كان هناك رمز هيروغليفي يمثل واحد وعشرة ومائة وألف وعشرة آلاف ومائة ألف ومليون.

هذه الرموز الهيروغليفية تمثل الأرقام التي ذكرناها

أرقام هيروغليفية مصرية
أرقام هيروغليفية مصرية
لتمثيل رقم ك 276 في نظام الأرقام المصري، نحتاج ل 15 رمز على النحو التالي: اثنان من رمز مائة، وسبعة من رمز العشرة، وستة من رمز الواحد، ليظهر شكلهم كالتالي:
رقم 276 في نظام الأرقام الهيروغليفي المصري
رقم 276 في نظام الأرقام الهيروغليفي المصري

هذا مثال آخر

رقم 4622 في نظام الأرقام الهيروغليفي المصري
رقم 4622 في نظام الأرقام الهيروغليفي المصري

لاحظ هنا أن المثالين السابقين لكلا الرقمين 276 و 4622 كانوا محفورين على صخرة من الكرنك، ترجع لحوالي 1500 ق. م، ومعروضة الآن في متحف اللوفر بباريس.

يمكن بسهولة توضيح سهولة إضافة الأرقام الهيروغليفية. نجمع فقط الرموز الفردية، ثم لكل عشر نسخ من نفس الرمز نضع محله رمز يمثل قيمة هذه الرموز مجتمعة. كانت الكسور عند قدماء المصريين مقتصرة فقط على كسر الواحد (مع استثناء الكسر المستخدم بكثرة ⅔ والأقل استخداما ¾ ). كسر الواحد يأتي على الشكل التالي  n⅟ حيث n عدد صحيح، وكانت هذه الكسور تُمثل في الأرقام الهيروغليفية عن طريق وضع رمز يمثل "الفم" 𓂋 ومعناه "الجزء" فوق الرقم، هذه بعض الأمثلة:


لاحظ في حالة كون الرقم في المقام كبيرا، فإن رمز "الجزء" يوضع فقط على الجزء الأول من الرقم، كما هو الحال في المثال المعروض أعلاه في الرقم 249⅟ [الجزء الأول كما في الصورة حيث يُقرأ الرقم من اليمين لليسار.]

علينا أن نذكر أن الكتابة الهيروغليفية لم تستمر بنمط واحد خلال الألفي سنة أو أكثر من الحضارة المصرية القديمة. هذه الحضارة تُقسم غالباً لثلاث فترات مختلفة:

المملكة القديمة - حوالي 2700 ق. م. حتى 2200 ق. م.
المملكة الوسطى - حوالي 2100 ق. م. حتى 1700 ق. م.
المملكة الحديثة - حوالي 1600 ق. م. حتى 1000 ق. م.

الأرقام الهيروغليفية اختلفت لحد ما تبعا للثلاث فترات المذكورة، لكن ظل نمط كتابتها متشابها لحد كبير.

استخدم المصريون نظام أرقام آخر بعد اختراع الكتابة على ورق البردي وفيه اُستعملت الأرقام الهيراطيقية. هذه الأرقام الهيراطيقية سهلت كتابة الأرقام في شكل أقل حجما ولكن تطلب هذا تَذكُر عدد كبير منها. كان هنا رموز منفصلة ل

1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9,
10, 20, 30, 40, 50, 60, 70, 80, 90,
100, 200, 300, 400, 500, 600, 700, 800, 900,
1000, 2000, 3000, 4000, 5000, 6000, 7000, 8000, 9000

وهذه أشكال الأرقام الهيراطيقية

الأرقام الهيراطيقية
الأرقام الهيراطيقية
فباستخدام هذا النظام ستُكتب الأرقام برموز أقل. فالرقم 9999 يُكتب بأربعة رموز هيراطيقية فقط، بدلاً من 36 رمز هيروغليفي. فارق آخر كبير بين نظام أرقامنا الحالي ونظام الأرقام الهيراطيقي كان في أن نظام الأرقام الهيراطيقي لم يكن نظاماً موضعياً، ويمكن وضع رموز الأرقام بأي ترتيب.

هنا مثلا طريقة كتب بها المصريون الرقم 2765 بالأرقام الهيراطيقية


وهنا طريقة أخرى لكتابة الرقم 2765 بالأرقام الهيراطيقية بترتيب معكوس

 
تغيرت الرموز الهيراطيقية على مر الزمن كما حدث للهيروغليفية، لكن تعرضت لتغيير أكبر خلال ست فترات مختلفة. في البداية كانت الرموز الهيراطيقية قريبة جدا لما يُماثلها في الهيروغليفية ولكن اختلف شكلها بمرور الزمن. الأمثلة التي عرضناها بالأعلى للرموز الهيراطيقية تعود لحوالي 1800 ق. م. اُستخدم النظامان الهيروغليفي والهيراطيقي بالتوازي لما يقرب من 2000 عام مع استخدام الرموز الهيراطيقية في الكتابة على البردي، كما في برديتي ريند وموسكو، بينما اُستخدمت الرموز الهيروغليفية في النقش على الحجر.

المصادر:
  1. R Calinger, A conceptual history of mathematics (Upper Straddle River, N. J., 1999).
  2. G Ifrah, A universal history of numbers : From prehistory to the invention of the computer (London, 1998).
  3. G G Joseph, The crest of the peacock (London, 1991).

📗 طالع أيضاً:

الجمعة، 9 أكتوبر 2020

تاريخ الصفر

مُثل الصفر على هيئة نقطة في مخطوطة بخشالي فيما يعتقد أنه لأول مرة في التاريخ
مُثل الصفر على هيئة نقطة في مخطوطة بخشالي فيما يعتقد أنه لأول مرة في التاريخ (مصدر الصورة)



المقالة هنا ترجمة بتصرف لمقالة بعنوان A history of Zero من تأليف: J J O'Connor و E F Robertson

من الأسئلة الشائعة التي يسألها قراء هذا الأرشيف هي: من اكتشف الصفر؟ لماذا إذاً لم نكتب مقالاً حول الصفر لنبدأ به هذا الأرشيف؟ السبب هو صعوبة إجابة هذا السؤال بصورة مرضية. لو كان أحدهم جاء بمفهوم "الصفر" وتوافق الجميع على أنه اختراع مبهر ودخل الرياضيات منذ ذلك الوقت للآن، فإن إجابة السؤال ستكون كافية حتى لو لم نعرف مخترعه العبقري. مع ذلك يُظهر السجل التاريخي مساراً مختلفاً. يظهر الصفر مرات كظل ثم يختفي كما لو كان الرياضيين يبحثون عنه ورغم ذلك لم يلحظوا أهميته البالغة حتى بعد أن رأوها.

أول ما يقال عن "الصفر" أنه له استخدامين مهمين ومختلفين. أول استخدام كمؤشر لخلو المكان في نظام الأرقام المعتمد على القيمة حسب الموضع. من هنا رقم ك 2016 اُستخدم فيه "الصفر"  لينضبط موضع الرقمين 2 و 1. بوضوح 216 رقم مختلف تماماً. الاستخدام الثاني للصفر هو كرقم بذاته على صورته كـ 0. توجد نواحي أخرى للصفر في هذين الاستخدامين، بالتحديد المفهوم، والشكل، و الاسم. ("الصفر" مشتق من الكلمة العربية "صفر" ومنها أيضا اشتقت كلمة "شفرة".)

ليس لكلا الاستخدامين بالأعلى تاريخ يسهل وصفه. فقط لم يحدث أن شخصاً ما اخترع الأفكار، ثم بدأ الجميع في استخدامها. أيضاً من العدل أن نقول أن الرقم "ًصفر" كمفهوم غير بديهي. المشاكل الرياضية تبدأ كمشاكل 'واقعية' أكثر وليست كمشاكل مجردة. كانت الأرقام في العصور التاريخية المبكرة تُبحث بصورة أكثر واقعية أكثر من الصورة المجردة التي عليها أرقامنا اليوم. وثب العقل البشري وثبات هائلة للانتقال من خمسة خيول ل خمسة "أشياء" ثم للفكرة المجردة "خمسة". لو أن القدماء حلوا مشكلة عدد الخيول التي يحتاجها الفلاح فلن يتضمن الحل أرقاما ك 0 أو -23.

يظن المرء أنه بمجرد وجود نظام رقمي قيمة-موضع إذاً الصفر كعلامة على خلو المكان سيكون من الأفكار المطلوبة، لكن البابليون كان لديهم نظام رقمي قيمة-موضع بدون هذه الخاصية لأكثر من 1000 سنة. أكثر من ذلك لا يوجد مطلقاً أي دليل أن البابليين واجهوا أي مشكلة مع الالتباس الناتج عن غياب "الصفر". جدير بالذكر أن النصوص الأصلية من فترة الرياضيات البابلية وصلت لنا. كتب البابليون على ألواح من طين طري، مستخدمين الطريقة المسمارية (cuneiform). كانت الرموز تُضغط في ألواح الطين الطري بالحد المائل لإبرة الكتابة ومن هنا ظهورها بشكلها  المدبب (ومن هنا الاسم الكتابة المسماري "cuneiform"). بقي العديد من الألواح من 1700 ق. م. وباستطاعتنا قراءة النصوص الأصلية. بالطبع رموز الأرقام مختلفة (وليست عشرية بل ستينية) لكن ترجمتها لرموزنا لن  تبين الفارق بين 2106 و 216 (السياق سيبين القصد). استمر هذا لحوالي 400 ق. م. عندما وضع البابليون رمزين لوتدين في المكان المقصود به الصفر للتفرقة بين 216 أو 21II6.

لم يكن الوتدين الترميز الوحيد المستخدم، فعلى لوح وُجد في كيش، وهي مدينة قديمة في بلاد الرافدين كانت شرق بابليون فيما يعرف الآن بوسط جنوب العراق، اُستخدم ترميز أخر. هذا اللوح،  المؤرخ بحوالي 700 ق. م.، يستخدم ثلاثة خطاطيف للدلالة على خلو المكان في نظام الأرقام بالموضع. ألواح أخرى من نفس الفترة استخدمت خطاف واحد للإشارة لخلو المكان. هناك خاصية اشتركت فيها كل العلامات المختلفة المستخدمة للدلالة على خلو المكان. وهي الحقيقة بأن هذه العلامات لم تأت أبداً في نهاية الأرقام بل دوما بين رقمين. لذا حتى لو وجدنا  21II6 لن نجد  أبداً 216II. على المرء أن يفترض أن الشعور القديم بأن السياق كافٍ لتوضيح المقصود لايزال مطبقاً في هذه الحالات.

لو أن هذه الإشارة للسياق تبدو سخيفة إذاً من الضروري أن نُشير إلى أننا لانزال لليوم نستخدم السياق لتفسير الأرقام. لو أنني أركب الباص لبلدة قريبة وأسأل ما الأجرة وعلمت أن الإجابة "هي ثلاثة وخمسين" وتعني ثلاثة جنيهات وخمسين بنس. مع ذلك لو نفس الإجابة أعطيت لسؤال عن تكلفة رحلة من إدنبره لنيويورك سأعرف أن ثلاثمائة وخمسين جنيهاً هو المقصود.

بإمكاننا أن نرى من هذا أن الاستخدام المبكر للصفر لم يكن كرقم بل لتوضيح خلو المكان، فقط كعلامة ترقيم لتفسير الأرقام بصورة صحيحة.

الإغريق القدماء بدؤا اسهاماتهم الرياضية حوالي نفس الفترة التي بدأ فيها الرياضيون البابليون استخدام الصفر كعلامة على خلو المكان. بالرغم من ذلك لم يستخدم الإغريق نظام رقمي موضعي. أهمية هذه الحقيقة تستحق التأمل. كيف للإغريق بإسهاماتهم الرياضية الرائعة ألا يستخدموا نظام رقمي بكل المميزات التي في نظام قيمة-الموضع البابلي؟ الإجابة الحقيقة على هذا السؤال أكثر تفصيلا عن الإجابة البسيطة التي سنعطيها، لكن بالأساس الإنجازات الرياضية للإغريق كانت معتمدة على الهندسة. بالرغم من أن أصول أقليدوس احتوت على كتاب عن نظرية الأعداد، ولكن بالاعتماد على الهندسة. بصورة أخرى الرياضيون الإغريق لم يحتاجوا إلى تسمية الأرقام لأنهم عملوا مع الأرقام على أنها أطوال الخطوط. الأرقام التي احتاجت للتسمية في السجلات كان يستخدمها التجار، وليس الرياضيون، ومن هنا لم يحتاجوا لنظام أرقام بارع.

هناك استثناءات لما ذكرناه الآن. الاستثناء كان الرياضيون المشتغلون بتسجيل البيانات الفلكية. هنا نجد أول استخدام للرمز الذي نعرفه اليوم كرمز للصفر، حيث بدأ الفلكيون الإغريق باستخدام الرمز O. هناك نظريات عديدة لتفسير إستخدام هذا الرمز تحديداً. بعض المؤرخون يفضلوا تفسير أن هذا الرمز هو الحرف اليوناني أوميكرون، وهو أول حرف من الكلمة اليونانية ouden (باليونانية: ουδέν) بمعنى لا شيء. ومع ذلك نيجباور لا يرجح هذا التفسير لأن الإغريق استخدموا أوميكرون بالفعل كرقم - فهو يمثل 70 (استند نظام الأرقام اليوناني على الأبجدية). تفسيرات أخرى قُدمت تتضمن حقيقة أنه يعبر عن "obol" (باليونانية: ὀβολός)، وهي عملة بلا قيمة تقريباً، وتظهر عند استخدام العدادات للعد على ألواح الرمل. الاقتراح هنا أن حذف عداد لعمل عمود خالي كان يترك أثراً في الرمل يشبه الرمز O.

بطليموس في كتابه المجسطي المكتوب حوالي 130 ق. م. استخدام النظام الستيني البابلي مع رمز المكان الخالي O. وقتها استعمل بطليموس الرمز بين رقمين وفي نهاية الرقم وربما أغرانا هذا للظن بأنهم أخيرا توصلوا لاستخدام الصفر كرمز للمكان الخالي. مع ذلك هذا الظن أبعد ما يكون عما حدث. عدد بسيط من الفلكيين المتميزين استخدموه وسيتوقف استخدامه مرات أخرى عديدة قبل أن يعود من جديد. فكرة الصفر كمكان خالي (بالتأكيد بطليموس لم يستخدمه كرقم واعتبره كعلامة ترقيم) ستظهر لاحقا في الرياضيات الهندية.

ننتقل بالمشهد الآن للهند حيث يحق أن نقول أنها مهد ولادة الأرقام ونظامها وتطورهم إلى أن وصلت لشكلها الحالي المُتقدم المُستخدم حالياً.  بالطبع هذا لا ينفي أن النظام الهندي لا يدين بشيء للأنظمة السابقة عليه وكثير من مؤرخي الرياضيات يعتقدوا أن الاستخدام الهندي للصفر نشأ من استخدام الفلكيين اليونانيين له. هناك أيضا مؤرخون يبدوا أنهم يحاولوا التقليل من إسهام الهنود بطريقة غير منطقية، وهناك أيضا من يدعي ادعاءات حول اختراع الهنود للصفر  تذهب بعيداً، بعيداً جداً. على سبيل المثال مخيرجي في [6] يدعي:-
المفهوم الرياضي للصفر ... كان أيضاً حاضراً في الشكل الروحي من 17000 سنة من قبل في الهند.
المؤكد أنه حوالي 650 ق. م. اُستخدم الصفر في الرياضيات الهندية. استخدم الهنود أيضا نظام قيمة-موضع واستخدم الصفر لتوضيح خلو المكان. في الحقيقة هناك دليل على وجود مُثْبِتْ خلو المكان في الأرقام الموضعية يعود ل 200 ق. م. في الهند لكن بعض المؤرخين يرفضوا هذا على أنه تزييف متأخر. دعونا نفحص هذا الاستخدام لأخير أولاً لأنه يتضمن التطور الموصوف بالأعلى.

حوالي 500 ق. م. ابتكر أريابهاتا نظام أرقام لم يكن فيه الصفر بعد لكنه كان نظاماً موضعياً. استخدم كلمة "كا"   للموضع وستستخدم لاحقاً كاسم للصفر. هناك دليل على استخدام نقطة في المخطوطات الهندية القديمة لترميز موضع خالي في النظام الموضعي. المثير للاهتمام أن نفس الوثائق استخدمت نقطة أحياناً لترميز قيمة مجهولة كما نستخدم "x" س لذلك. الرياضيون الهنود لاحقاً أطلقوا أسماءًا على الصفر في النظام الموضعي ولكن بدون رمز. أول وثيقة مؤرخة ومتفق على صحتها من الجميع لاستخدام الهنود للصفر كُتبت في 876.

لدينا نقش على لوحة صخرية يحتوي على تاريخ ترجمته هي 876. النقش يخص مدينة قاليور وهي على بعد 400 كم جنوب دلهي، وفيه يُذكر أنهم زرعوا في حديقة مساحتها 187 في 270 هاستاس، ومتوقع لها أن تثمر زهوراً كافية لإعطاء 50 إكليلاً من الزهور يومياً للمعبد المحلي. كلا الرقمين 270 و 50 مكتوبان تقريباً بنفس الشكل الذي نعرفه حالياً عدا أن الصفر أصغر ومرتفع قليلاً.

نأتي الآن لاعتبار أول ظهور للصفر كرقم. دعونا في البداية نذكر أنه بأي حس لا يعتبر رقم طبيعي. منذ العصور القديمة والأرقام هي كلمات تشير لمجموعات من الأشياء. بالتأكيد فكرة الرقم أصبحت أكثر تجريداً  وهذا التجريد جعل اعتبار الصفر والأرقام السالبة ممكناً وهم لا يظهروا كخصائص لمجموعات من الأشياء. بالطبع ظهرت المشكلة التي تظهر عندما نعتبر الصفر والسوالب أرقاماً هي سلوكهم في العمليات الحسابية كالجمع والطرح والضرب والقسمة. في ثلاثة كتب مهمة حاول الرياضيون الهنود براهماجوبتا، ماهافيرا، وبهاسكارا الإجابة على هذه الأسئلة.

براهماجوبتا حاول أن يعطي كل قواعد العمليات الحسابية المحتوية على صفر وأرقام سالبة في القرن السابع. فشرح أنك لو طرحت رقم من نفسه سيكون الناتج صفر. وسرد قواعد جمع الأرقام مع الصفر:-
جمع صفر ورقم سالب يكن سالب، جمع رقم موجب وصفر يكن موجب، مجموع صفر وصفر يكن صفر.
الطرح أصعب قليلاً:-
رقم سالب مطروح من صفر يكن موجب، رقم موجب مطروح من صفر يكن سالب، صفر مطروح من رقم سالب يكن سالب، صفر مطروح من رقم موجب يكن موجب، صفر مطروح من صفر يكن صفر.
براهماجوبتا بعد ذلك يقول أنه عند ضرب أي رقم في صفر يكن الناتج صفر ولكنه يعاني عندما يأتي الأمر للقسمة:-
عند قسمة رقم موجب أو سالب بصفر يكن كسراً فيه المقام صفر. قسمة صفر برقم موجب أو سالب يكن إما صفر أو يُمثل بكسر بسطه صفر والقيمة المنتهية كمقام. صفر مقسوم بصفر يكن صفر.

بالحقيقة براهماجوبتا لم يقل كثيراً عندما اقترح أن قسمة س بالصفر ناتجها س/0. من الواضح أنه عاني هنا. ومن المؤكد أنه كان على خطأ في ادعائه أن قسمة صفر بصفر ناتجها صفر. مع ذلك هي محاولة رائعة من أول شخص نعرفه حاول أن يطور الحساب ليشمل أرقام سالبة وصفر.

في 830، بعد حوالي 200 عام من كتاب براهماجوبتا الرائع، كتب ماهافيرا "جانيتا سارا سامجراها" गणितसारसंग्रह وهو ملحق لتحديث كتاب براهماجوبتا. يقرر التالي بصورة صحيحة:-

رقم مضروب بصفر يكن صفر، والرقم يظل كما هو عند طرح صفر منه.

ومع ذلك محاولته لتحسين ما قاله براهماجوبتا عن القسمة على صفر يبدو أنها قادته لخطأ. حيث يكتب:-

الرقم يظل كما هو عند قسمته على صفر.

ولأن هذا خطأ واضح، فإن استخدامي لجملة "يبدو أنها قادته لخطأ" ربما بدت محيرة. السبب وراء هذه الجملة هي أن بعض المعلقين على ماهافيرا حاولوا عذره في جملته الخاطئة.

كتب بهاسكارا بعد 500 عام من براهماجوبتا. ورغم مرور السنين كان لايزال يعاني محاولاً شرح القسمة على صفر. كتب:-

القيمة المقسومة على صفر تصبح كسراً مقامه صفراً. هذا الكسر يسمى قيمة لانهائية. هذه القيمة التي قسمها الصفر لا تتغير، بالرغم من إمكانية إدخال أو إخراج الكثير منها؛ كما لا يطرأ تغير على الإله الثابت اللانهائي بخلق وتدمير العوالم، بالرغم من نشوء وفناء خلقٌ كثير.

إذاً بهاسكارا حاول حل المعضلة بكتابة  
\large\frac{n}{0}\normalsize = ∞
. لأول وهلة ربما يغرينا الظن لتصديق أن بهاسكارا توصل للحل الصحيح، لكن بالطبع لا. لو كان هذا صحيحاً لكان 0 × ∞ مساوياً لكل رقم n، ولأصبحت كل الأرقام متساوية. الرياضيون الهنود لم يقووا على الاعتراف بأنهم لا يمكنهم القسمة على صفر. مع ذلك بهاسكارا ذَكَرَ محقاً خصائص أخرى للصفر كتربيع الصفر يساوي صفر، والجذر التربيعي للصفر يساوي صفر.

ربما ينبغي علينا أن نذكر عند هذه النقطة أنه كانت هناك حضارة أخرى طورت نظام أرقام قيمة-موضع يحتوي على الصفر. كانوا هؤلاء هم شعب المايا الذي عاش في أمريكا الوسطى، قاطناً المساحة التي هي حالياً جنوب المكسيك، جواتيمالا، وشمال بليز. كانت تلك حضارة قديمة لكنها ازدهرت تحديداً بين 250 و 900 ق. م. نعرف أنهم عام 665 ق. م. استخدموا نظام أرقام قيمة-موضع وقاعدته الرقم 20 مع رمز لتمثيل الصفر. مع ذلك استخدامهم للصفر يعود لما قبل ذلك وكان مستخدماً قبل أن يقدموا نظام أرقام قيمة-موضع. كان هذا إنجازاً كبيراً لكن للأسف لم يأثر في الشعوب الأخرى.

يمكنك قراءة مقالة منفصلة عن رياضيات شعب المايا.

انتقلت أعمال الرياضيين الهنود البارعة للرياضيين العرب والمسلمين في الغرب. جاء الانتقال مبكراً لأن الخوارزمي كتب "فن الحساب الهندي للخوارزمي" "Algoritmi de numero Indorum" وفيه وصف نظام الأرقام قيمة-موضع الهندي للأرقام المعتمدة على 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 8، و 0. في هذا الكتاب فيما يعرف الآن بالعراق ذُكر لأول مرة الصفر كعلامة على مكان في نظام الأرقام الموضعي. كتب ابن عزرا في القرن الثاني عشر ثلاث مقالات عن الأرقام نبهت بعض المتعلمين في أوروبا لفكرة وشكل الكسور العشرية الهندية. في "سفر الرقم" "ספר המספר" يصف النظام العشري للأرقام الصحيحة مع قيم موضعية من اليسار لليمين. في كتابه يستخدم ابن عزرا الصفر ويسميه جلجل גלגל (بمعنى دولاب أو دائرة). بعده قليلاً في القرن الثاني عشر كان السمؤال يكتب*:
 وإذا نقّصنا زائدا من مرتبة خالية بقي فيھا ذلك العدد بعينه ناقصا ... وإذا نقصنا الناقص من مرتبة خالية بقي فيھا ذلك العدد زائداً
انتشرت الأفكار الهندية شرقا في الصين وغرباً في الدول الإسلامية.  في 1247 م الرياضي الصيني كين جيوشاو  كتب "مقالات رياضية في تسعة أقسام" 數書九章  وفيها استخدم الرمز O للصفر. بعد ذلك بقليل في 1303 م كتب زو شيجيه كتابه "المرآة النفيسة في العناصر الأربعة" 四元玉鉴 وفيه أيضاً استخدم الرمز O للصفر.

كان فيبوناتشي من أهم من استقدموا لأوروبا هذه الأفكار الجديدة عن نظام الأرقام. كما كتب المؤلفون في [12]:-
كان الرياضي الإيطالي فيبوناتشي الوصلة الهامة بين نظام الأرقام الهندي-عربي والرياضيات الأوروبية.

وصف فيبوناتشي في كتابه "كتاب الحساب" "Liber Abaci" الرموز الهندية التسعة مع علامة 0 للأوروبيين حوالي 1200 ولكن لم تُستخدم على نطاق واسع لفترة طويلة بعد هذا. من المُلاحظ أن فيبوناتشي لم يكن جريئاً بالقدر الكافي ليعامل 0 معاملة الأعداد الأخرى 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9 لأنه تحدث عن "علامة" الصفر والرموز الأخرى كأعداد. مع أن تقديمه الأرقام الهندية لأوروبا كان هاماً جداً لكننا نرى في معاملته للصفر أنه لم يكن لا في براعة الهنود براهماجوبتا، ماهافيرا، وبهاسكارا ولا براعة الرياضيين العرب والمسلمين كالسموأل. 

ربما تظن أن تطور نظم الأرقام بالعموم والصفر بالخصوص سيكون ثابتاً بعد هذا التاريخ. لكن لم يحدث هذا. كاردان حلَّ معادلات تكعيبية ورباعية بدون استخدام الصفر.  ولو فعل لوجد أن ذلك كان سيسهل جهوده كثيراً في عقد ال 1500 ولكن الصفر لم يكن جزءاً من أدواته الرياضية. بحلول عقد ال 1600 بدأ الصفر ينتشر استخدامه فقط بعد أن واجه الكثير من المقاومة.

بالطبع لا تزال توجد إشارات على مشاكل سببها الصفر. مؤخراً احتفل العديد من الناس حول العالم بالألفية الجديدة في 1 يناير 2000. بالطبع هم احتفلوا فقط برحيل 1999 عاماً لأن بداية التقويم لم تكن العام صفر. بالرغم من أننا يمكننا غفران الخطأ الأولي، إلا أنه لا يثير الدهشة أن معظم الناس يبدو أنهم لم يستوعبوا لما الألفية الثالثة والقرن 21 بدأوا 1 يناير 2001. لايزال الصفر مسبباً للمشاكل!

مراجع:

  1. R Calinger, A conceptual history of mathematics (Upper Straddle River, N. J., 1999).
  2. G Ifrah, From one to zero : A universal history of numbers (New York, 1987).
  3. G Ifrah, A universal history of numbers : From prehistory to the invention of the computer (London, 1998).
  4. G G Joseph, The crest of the peacock (London, 1991).
  5. R Kaplan, The nothing that is : a natural history of zero (London, 1999).
  6. R Mukherjee, Discovery of zero and its impact on Indian mathematics (Calcutta, 1991).
  7. S Giuntini, A discussion concerning the nature of zero and the relation between imaginary and real numbers (Italian), Boll. Storia Sci. Mat. 4 (1) (1984), 25-63.
  8. R C Gupta, Who invented the zero?, Ganita-Bharati 17 (1-4) (1995), 45-61.
  9. P Mäder, "Wie die Puppe ein Adler sein wollte, der Esel ein Löwe, die Äffin eine Königin - so wollte die Null eine Ziffer sein!" Ein Überblick zur Geschichte der Zahl Null, in Jahrbuch Überblicke Mathematik, 1995 (Braunschweig, 1995), 39-64.
  10. R N Mukherjee, Background to the discovery of the symbol for zero, in Proceedings of the Symposium on the 1500th Birth Anniversary of Aryabhata I, New Delhi, 1976, Indian J. Hist. Sci. 12 (2) (1977), 225-231.
  11. K Muroi, The expressions of zero and of squaring in the Babylonian mathematical text VAT 7537, Historia Sci. (2) 1 (1) (1991), 59-62.
  12. L Pogliani, M Randic and N Trinajstic, Much ado about nothing - an introductive inquiry about zero, Internat. J. Math. Ed. Sci. Tech. 29 (5) (1998),729--744.
  13. S Ursini Legovich, The origin of the zero in Central American civilization. Comparative analysis with the Hindu case (Spanish), Mat. Enseñanza No. 13 (1980), 7-20.
  14. M Ja Vygodskii, L'origine du signe de zéro dans la numération babylonienne (Russian), Istor.-Mat. Issled. 12 (1959), 393-420.

ملاحظات:
* النص منسوخ من اقتباس من كتاب السموأل "الباهر"، لم أعثر على النص الأصلي لكن النص المذكور هنا منسوخ من الورقة البحثية "نصوص مختارة من علم العدد" لمهدي عبد الجواد، منشورات الجمعية التونسية للعلوم الرياضية، 2010، ص42 (رابط).

📗 طالع أيضاً:

الاثنين، 2 سبتمبر 2019

الأرقام الهندية

المقالة هنا ترجمة بتصرف لمقالة بعنوان Indian numerals من تأليف: J J O'Connor و E F Robertson

من الجدير أن نستهل هذا المقال بنفس الاقتباس من لابلاس المستخدم سابقا في مقالة "نظرة عامة على الرياضيات الهندية".

كتب لابلاس :-
الطريقة المبتكرة للتعبير عن أي رقم باستخدام مجموعة من عشر رموز (كل رمز له قيمة موضعية وقيمة مطلقة) بدأت من الهند. تبدو الفكرة الآن بسيطة جدا لدرجة أن تأثيرها وأهميتها الشديدين لم يعدا محل تقدير. بساطتها تكمن في الطريقة التي سهلت بها الحساب و وضعت علم الحساب في الصدارة مع الاختراعات المفيدة. تتجلى أهمية هذا الاختراع عندما ندرك أن رجلين من عظماء القدماء ك أركيميدس وأبولونيوس لم يصلا إليه.
الغرض من هذه المقالة هي محاولة في المهمة الصعبة لوصف كيف طور الهنود نظام أرقامهم المبتكر. سنفحص عن قرب وجهين لهذا النظام. الأول سنفحص تطور أشكال هذه الأرقام من 1 إلى 9 للشكل المعروف حاليا. بالطبع علينا أن ندرك أنه حتى للآن لاتوجد طريقة معتمدة لكتابة هذه الأرقام بشكل موحد. فالخطوط المختلفة الموجودة على جهازك الحاسب بإمكانها رسم أشكال هذه الأرقام بطرق عديدة، ولو أنها كلها سهل التعرف على تلك الأرقام لكن كلها مختلفة، حتى طريقة كتابتي اليدوية لتلك الأرقام من الصعب تمييزها بخطي.
الوجه الثاني لنظام الأرقام الهندي والذي سنبحثه هنا هو القيمة الموضعية لها، وكما أشار لابلاس في تعليقه بالأعلى ، يبدو "بسيطا جدا لدرجة أن تأثيرها وأهميتها الشديدين لم يعدا محل تقدير". وعلينا أن نلاحظ أيضا شيء مهم جدا لهذين الوجهين هو أن نظام الأرقام الهندي حصريا هو نظام عشري الأساس، وليس ستيني كالنظام البابليوني.
لو بدأنا مع الأرقام نفسها، سنعرف بالتأكيد أن شكل الأرقام أصبح قريبا لما هي عليه الآن حوالي القرن الخامس عشر في أوروبا. وكان اختراع الطباعة المساهم الرئيسي في ايجاد شكل قياسي لتلك الأرقام. لكن علينا ألا ننسى أن بلدانا كثيرة تستخدم أرقام لها شكل مختلف عن 0, 1, ,2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9، وان لم يتعلم المرء هذه الأشكال فلن يستطيع تمييزها كما هو الحال في الأبجدية اليونانية لشخص غير ملم بها.
أحد أهم مصادر ما نعرفه عن الأرقام الهندية يأتي من البيروني. خلال حقبة العشرينات من القرن الحادي عشر الميلادي زار البيروني الهند عدة مرات. قبل أن يذهب البيروني للهند كان على معرفة بعلوم الهند الرياضية والفلكية من خلال ترجمات عربية لبعض النصوص السنسكريتية. في الهند درس البيروني بالتفصيل الفلسفة الهندية وفروع أخرى من العلوم والرياضيات الهندية. كتب البيروني 27 كتابا حول الهند وعلومها المختلفة. بالتحديد ما كتبه عن علم الفلك والرياضيات الهندية يعتبر إضافة قيمة لتاريخ العلوم الهندية. في إشارته للأرقام الهندية في كتاب مشهور كتب حوالي 1300 كتب البيروني:

وليسوا يجرون على حروفهم شيئا من الحساب كما نجريه على حروفنا في ترتيب الجمل ، وكما أن صور الحروف تختلف في بقاعهم كذلك أرقام الحساب و تسمى انك ،والذى نستعمله نحن مأخوذ من أحسن ما عندهم ولا فائدة في الصور اذا ما عرف ما وراءها من المعاني. وأهل كشمير يرقمون الأوراق بأرقام هي كالنقوش أو كحروف أهل الصين لاتعرف إلا بالعادة و كثرة المزاولة ولا تستعمل في الحساب على التراب ؛ ومما اتفق عليه جميع الأمم في الحساب هو تناسب عقوده على الأعشار فما من مرتبة فيه الا و واحدها عشر واحد التي بعدها و عشرة أضعاف واحد التي قبلها.

من المنطقي أن نسأل من أين أتت الأشكال المختلفة لتلك الأرقام والتي أشار لها البيروني. قام المؤرخون بتتبعهم كلهم الى الارقام البراهمية والتي ظهرت حوالي منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. الآن هذه الأرقام البراهمية لم تكن فقط رموز للأرقام مابين 1 الى 9، الموضوع أعقد من هذا بكثير لأنها لم تكن نظام موضعي للأرقام لأنه وجدت رموز لأرقام أخرى عديدة. أيضا لم يكن هناك رمز خاص للرقم 2 او 3، كلا الرقمين نشئا من رمز الرقم 1.
هذه هي الأرقام البراهمية ل واحد، واثنان وثلاثة


الأرقام البراهمية ل واحد، واثنان وثلاثة


هناك رموز براهمية منفصلة ل 4، 5، 6، 7، 8، 9 ولكن يوجد أيضا رموز لكل من 10، 100، 100، ... نفس الحال ل 20، 30، 40، ... ، 90، و 200، 300، 400، ...، 900. وجدت الأرقام البراهمية منقوشة في الكهوف وعلى العملات المعدنية في مناطق قريبة من بونه، بومباي، و أتر برديش. تأريخ تلك الأرقام يخبرنا أنها كانت مستعملة على مدى زمني طويل وصولا الي القرن الرابع بعد الميلاد. 

بالطبع النقوش المختلفة لكل منها طابعه المميز لهذه الرموز. هذا نموذج لأحد أشكال الأرقام البراهمية.

أرقام براهمية حوالي القرن الأول الميلادي.

علينا الآن أن ننظر في كلا الاتجاهين قبل وبعد ظهور الأرقام البراهمية. بعد ظهورها سنجد أنها اتخذت أشكالا عدة، ولكن علينا أن نختار المسار الذي ساهم في ظهورها بالشكل المعروف حاليا. ولكن بداية سنفحص عدة نظريات حول منشأ الأرقام البراهمية.

لا توجد مشكلة في فهم رموز 1، 2، 3. بالرغم من ذلك فإن رموز 4 الى 9 لا تحمل دلالة واضحة على الأرقام التي تمثلها. وضع المؤرخون نظريات عدة لتفسير أصل هذه الأرقام.يورد إفراه في المرجع رقم 1 عدد من تلك الفرضيات المطروحة: 
  1. الأرقام البراهمية جاءت من ثقافة وادي السند حوالي 2000 ق. م.
  2. الأرقام البراهمية جاءت من الأرقام الآرامية.
  3. الأرقام البراهمية جاءت من الأبجدية الخروشتية.
  4. الأرقام البراهمية جاءت من الأبجدية البراهمية.
  5. الأرقام البراهمية جاءت من نظام أرقام أبجدي قديم، ربما مصدره بانيني*.
  6. الأرقام البراهمية جاءت من مصر.
بالأساس كل هذه الفرضيات عبارة عن نوعين: الأول أن هذه الأرقام جاءت من أبجدية ما بنفس الطريقة التي جاءت بها الأرقام اليونانية من الحروف الأولية لأسماء تلك الأرقام. النوع الثاني من الفرضيات أنها مشتقة من نظام أرقام سابق من نفس النوع العام كالأرقام الرومانية. على سبيل المثال نظام الأرقام الآرامية في الفرضية الثانية أعلاه قائم على إن الرمز | يمثل الرقم واحد، و X تمثل الرقم أربعة.

I, II, III, X, IX, IIX, IIIX, XX.

فحص إفراه كل من هذه الفرضيات الست ورفضهم جميعا، ولكن علينا أن نشير هنا إلى أن رفضه جاء من نقص دلائل الإثبات وليس بسبب توفر أدلة نفي عليها.
من جانبه اقترح إفراه نظرية في المرجع رقم 1، تقول:-

... أول تسعة أرقام براهمية تشكل بقايا ترميز أرقام استخدمه السكان الأصليون قديما، حيث كان يتم تمثيل التسعة أرقام بما يقابلها من خطوط رأسية ...لتسهيل كتابة هذه الأرقام بسرعة لحفظ الوقت، تطورت مجموعات الخطوط هذه كما حدث مع الأرقام الفرعونية القديمة. وبأخذ في الحسبان نوع المادة المكتوب عليها في الهند على مر القرون (لحاء الشجر أو أوراق الشجر) ومحدودية أدوات الكتابة (**قلم قصب أو فرشاة)، أصبح شكل الأرقام أكثر تعقيدا مع ***الأربطة الكتابية العديدة، حتى أصبحت الأرقام لاتحمل أي تشابه مع أشكالها الأصلية.

إنها نظرية جيدة، و بالقطع يمكن أن تكون حقيقية، لكن بكل تأكيد لا يوجد دليل إيجابي لصالحها. 

فكرة أن الأرقام تطورت من 
تخمين إفراه لما قبل الأرقام البراهمية.

لايزال المرء يأمل في دليل كاكتشاف أرقام في مكان ما في نفس مسار تطورها. لكن، يبدوا أننا لن نجد أبدا برهان مقنع على نشأة الأرقام البراهمية. 

لو تفحصنا المسار الذي أوصلنا من الأرقام البراهمية إلى الرموز الحالية (مع تجاهل النظم الأخرى العديدة التي تطورت من الأرقام البراهمية) عندئذ سنصل إلى رموز جوبتا. 

فترة حكم جوبتا والتي حكمت خلالها أسرة جوبتا مملكة ماجادها في شمال شرق الهند، وكان ذلك من بداية القرن الرابع الميلادي حتى أواخر القرن السادس الميلادي. أرقام جوبتا تطورت من الأرقام البراهمية ونشرتها إمبراطورية جوبتا في غزواتهم.


أرقام جوبتا حوالي القرن الرابع الميلادي.

أرقام جوبتا تطورت لتصبح أرقام ناجاري، وأحيانا يطلق عليها أرقام ديفانجاري. هذا الشكل تطور من أرقام جوبتا بداية حوالي القرن السابع الميلادي واستمر في تطوره من القرن الحادي عشر ومابعده. الاسم حرفيا يعني "كتابات الآلهة" ويعتبر الأجمل في كل الأشكال التي ظهرت.

على سبيل المثال كتب البيروني:-  
والذي نستعمله نحن مأخوذ من أحسن ما عندهم ولا فائدة في الصور اذا ما عرف ما وراءها من المعاني.

أرقام ناجاري حوالي القرن الحادي عشر الميلادي.



اشارة البيروني في قوله "أحسن ماعندهم" تعود على أرقام ناجاري، والتي كانت قد انتقلت في عصره إلى العالم العربي. الطريقة التي انتقلت بها الأرقام الهندية لبقية العالم ما بين القرن السابع الميلادي الى القرن السادس عشر نوقشت بالتفصيل في مرجع رقم 7. في هذه الورقة البحثية، يزعم جوبتا أن الأرقام الهندية بلغت جنوب أوروبا بنهاية القرن الخامس الميلادي ويعتمد في هذا على كتاب "هندسة بوثيوس" والمعروف عنه الآن أنه نسخة مزيفة ترجع الى النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي. من المستبعد بصورة كبيرة أن تكون الأرقام الهندية قد وصلت لأوروبا مبكرا كما اقترح جوبتا.

الآن نعود للمظهر الثاني لنظام الأرقام الهندي والذي نود فحصه في هذه المقالة، وهو حقيقة أنه كان نظام قيم-موضعي حيث كل رقم يأخذ قيمة مختلفة بناءا على موضعه بالنسبة للأرقام الأخرى. على الرغم من أن نظام أرقامنا منحدر مباشرة من نظام الأرقام الهندي، لكن علينا أن نذكر بوضوح أن الهنود ليسوا أول من طوروا نظام كهذا. البابليون كان لديهم نظام قيم-موضعي يرجع للقرن التاسع عشر قبل الميلاد ولكن النظام البابلي كان يستخدم القاعدة الستينية. الهنود كانوا أول من طور نظام موضعي يستخدم القاعدة العشرية، و مقارنة بتاريخ النظام البابلي، بكل تأكيد جاء النظام الهندي متأخرا جدا.

أقدم نص هندي مؤرخ يحتوي على رقم مكتوب بطريقة قيمة-موضع المستخدم اليوم هو وثيقة شرعية مؤرخة ب 346 في  التقويم الهندي القديم (the Chhedi calendar) المقابل لسنة 594 ق. م. في تقويمنا. هذه الوثيقة عبارة عن قائمة تبرعات من الملك دادا الثالث (Dadda III) حاكم سانخيدا (Sankheda) في مقاطعة بهروش (Bharukachcha). المشكلة الوحيدة هنا هو زعم بعض المؤرخين أن التاريخ اضيف اليها لاحقا في عملية تزوير. بالرغم من أنه أمر غير مستبعد أن يتم تغيير تواريخ قائمة تبرع كهذه حتى يحصل أشخاص آخرون على قيمة التبرع، فإنه لا يوجد سبب معقول يبرر تزوير التاريخ على هذه الوثيقة. ولهذا وبالرغم من تلك الشكوك، فإننا متاكدون أن هذه الوثيقة تقدم دليل على أن نظام قيمة-موضع الرقمي كان مستخدما في الهند بنهاية القرن السادس عشر.

قوائم تبرع أخرى عديدة وجدت وهي مؤرخة ومستخدم فيها نظام قيمة-موضع إما للتاريخ أو لأي أرقام أخرى داخل النص. هذه القوائم تتضمن:
  1. قائمة تبرع ديهينكي (Dhiniki) مؤرخة بسنة 794 في تقويم فيكراما (Vikrama) ويقابلها سنة 737م في تقويمنا.
  2. نقش دافيندرافارمان (Devendravarman) مؤرخ بسنة 675 في تقويم شاكا (Shaka) ويقابلها سنة 753م في تقويمنا.
  3. قائمة تبرع دانيجورجا (Danidurga) مؤرخة بسنة 675 في تقويم شاكا (Shaka) ويقابلها سنة 737م في تقويمنا.
  4. قائمة تبرع شانكاراجانا (Shankaragana) مؤرخة بسنة  715 في تقويم شاكا (Shaka) ويقابلها سنة 793م في تقويمنا.
  5. قائمة تبرع ناجبهاتا (Nagbhata) مؤرخة بسنة  872 في تقويم فيكراما (Vikrama) ويقابلها سنة 815م في تقويمنا.
  6. نقش باوكا (Bauka) مؤرخ بسنة 894 في تقويم فيكراما (Vikrama) ويقابلها سنة 837م في تقويمنا.
كل هذه الوثائق زعم بعض المؤرخين أنها مزيفة لكن من الممكن أن يكون بعضها، أو كلها، وثائق أصلية.

أول نقش مؤرخ ولا يوجد حوله خلاف هو نقش في قاليور (Gwalior) يعود لسنة 933 في تقويم فيكراما (Vikrama) ويقابلها سنة 876 م في تقويمنا. تفاصيل أكثر عن هذا النقش وردت في مقالة الصفر.

هناك دليل غير مباشر على أن الهنود طوروا نظام أرقام موضعي بداية من القرن الأول الميلادي. الدليل وجد في نقوش في بلاد خارج الهند إلا أن تلك البلاد كانت متأثرة ب ومحاكية للثقافة الهندية. مصدر آخر وهو مخطوطة بخشالي (Bakhshali) و المحتوية على أرقام مكتوبة بنظام قيمة-موضع. المشكلة هنا في تأريخ المخطوطة، وهو ما ناقشناه بالتفصيل في مقالتنا عن مخطوطة بخشالي.

يتبقى لنا بالطبع أن نسأل لم طور الهنود نظام مبتكر كهذا ولم لم يقم اليونانيون القدماء بالتوصل إليه. طرحت عدد من النظريات حول هذا السؤال. يعتقد عدد من المؤرخين أن نظام قيمة-موضع الستيني البابلي انتقل للهنود عن طريق اليونانيون.

في مقالنا عن الرقم صفر علقنا بأن الفلكيين اليونانيون استخدموا نظام قيمة-موضع الستيني البابلي مع رمز o الشبيه لرمز الصفر الحالي. النظرية هنا تقول أن هذه الأفكار انتقلت للهنود وهم بدورهم ضموها لنظامهم العشري والذي كان معروفا في الهند من فترة طويلة.

الفرضية الثانية تقول أن فكرة قيمة-موضع في نظام الأرقام الهندية جاء من الصينيين. بالتحديد الصينيون كان لديهم نظام عصي أرقام شبه موضعي والذي يزعم البعض أنه أساس النظام الموضعي الهندي. هذا الرأي على سبيل المثال اقترحه لاي يونج لام (Lay Yong Lam) طالع على سبيل المثال مرجع 8. يناقش لام أن النظام الصيني قد احتوي على ما يسميه:- 

... ثلاث خصائص رئيسية لنظام أرقامنا: (i) تسع علامات و مفهوم الصفر، (ii) نظام قيم بناءا على الموضع و (iii) وقاعدة عشرية.

فرضية ثالثة طرحها جوزيف في المرجع 2. تقول فكرته أن القيمة-الموضع في نظم الأرقام الهندية طورها الهنود بالكامل. لديه نظريته المثيرة عن لم لجأ الهنود لتلك الفكرة. السبب، وكما يؤمن جوزيف، يعود لولع الهنود بالأعداد الكبيرة. هانز فرودنثال مؤرخ آخر من داعمي نظرية أن هذه الفكرة جاءت بالكامل من داخل الهند.

لنرى بوضوح ولع الهنود بالأرقام الكبيرة، نستطيع أن نلقي نظرة على اللاليتافيستارا (Lalitavistara) وهي قصة حياة جوتاما بوذا (Gautama Buddha). من الصعب تأريخ هذا العمل بسبب التطورات المستمرة التي جرت له على مدى زمني طويل، لكن بشكل معقول يمكننا تأريخه بالقرن الأول أو الثاني الميلادي. في اللاليتافيستارا (Lalitavistara) وعندما كان جوتاما (Gautama) شابا يافعا، أُختبر في الرياضيات. سُئل أن يسمي كل المراتب العددية بعد كوتي (koti) الذي هو العدد (10 أس 7) فقام بعد كل قوى الرقم 10 حتى 10 أس 53. فقال ممتحنوا جوتاما (Gautama) :- 

أنت، ولست أنا، الرياضي الأستاذ.

قصص كهذه وأخرى مثلها عديدة، أقنعت جوزيف أن ولع الهنود بالأعداد الكبيرة  دفعهم لإختراع نظام يمكنهم من التعبير عنها بسهولة، بالتحديد تدوين القيمة بالموضع. كتب جوزيف في المرجع 2:- 
 الاستخدام المبكر لأعداد كبيرة قادهم لاحقا لتبني سلسلة أسماء لكل الأعداد المتلاحقة المرفوعة بالرقم 10. أهمية أسماء الأعداد  هذه    لا يمكن المغالاة فيها. نظام كلمات الأعداد (لاحقا اُستبدل بنظام هجائي)، كان النتاج الطبيعي لاستخدام أرقام مضاعفة من العشرة    ... نظام القيمة الموضعية العشري تطور حينما ارتبط ميزان عشري بقيمة مكان الأرقام المرتبة من اليسار لليمين أو العكس.    وبالتحديد  هذا ماحدث في الهند ...
بالرغم من هذا، فإن نفس القصة في  اللاليتافيستارا (Lalitavistara) أقنعت كابلان (طالع مرجع 3) أن فكرة الهنود عن الأرقام جاءتهم من اليونانيين، بالنسبة له القصة هي النسخة الهندي من قصة أركيميدس في عد الرمل. كل ما نعرفه أن نظام القيمة الموضعية الهندي، مهما كان أصله، انتقل للعرب وبعدها لأوروبا، حيث اكتسب، كما قال لابلاس، أهمية عميقة في تطوير الرياضيات. 

مراجع:
  1. G Ifrah, A universal history of numbers : From prehistory to the invention of the computer (London, 1998).
  2. G G Joseph, The crest of the peacock (London, 1991).
  3. R Kaplan, The nothing that is : a natural history of zero (London, 1999).
  4. L C Karpinski, The history of arithmetic (New York, 1965).
  5. K W Menninger, Number words and number symbols : A cultural history of numbers (Boston, 1969).
  6. D E Smith and L C Karpinski, The Hindu-Arabic numerals (Boston, 1911). 
  7. R C Gupta, Spread and triumph of Indian numerals, Indian J. Hist. Sci. 18 (1) (1983), 23-38.
  8. L Y Lam, Linkages : exploring the similarities between the Chinese rod numeral system and our numeral system, Arch. Hist. Exact Sci. 37 (4) (1987), 365-392.
  9. J S Pettersson, Indus numerals on metal tools, Indian J. Hist. Sci. 34 (2) (1999), 89-108.
  10. R K Sarma, A note on the use of words for numbers in ancient Indian mathematics, Math. Education 7 (1973), A44-A45.
  11. K Vogel, Uses of letters and Indian numerals in Byzantium (Greek), Neusis No. 5 (1996), 75-81; 170.
هوامش:
* بانيني:  ولد حوالي 520 ق. م. - توفي حوالي 460 ق. م. بانين كان عالم نحوي في اللغة السنسكريتية، وضع نظرية علمية مفصلة في الصوتيات، الأصوات، والصرف.
** الكلمة المستخدمة هي calamus، وهي من الكلمة اليونانية (kalamos (κάλαμος ولعل أصلها من اللغة السنسكريتية من كلمة  कलम, kalama وتعني قلم قصب.
*** الأربطة الكتابية (Orthographic ligature) وهي عبارة عن دمج حرفين أو أكثر معا، وهي ظاهرة معروفة في أكثر من أبجدية.

📗 طالع أيضاً:

الأربعاء، 28 أغسطس 2019

نظام الأرقام العربية

المقالة هنا ترجمة بتصرف لمقالة بعنوان The Arabic numeral system من تأليف: J J O'Connor و E F Robertson


الأرقام الهندية لم تنتقل لأوروبا مباشرة، بل انتقلت عن طريق العرب والمسلمين. العالم العربي متعارف على إنه قسمين، المشرق والمغرب ومتعارف على أن المغرب العربي كان لفترة كبيرة يضم أجزاء من أسبانيا (الأندلس قديما). المشرق والمغرب عرفا الأرقام الهندية وتطور استخدامها لديهم بشكل منفصل.

لكن قصة استخدام العرب للأرقام الهندية ليست بتلك البساطة، لأن العرب عرفوا واستخدموا أنظمة مختلفة للأرقام في نفس الوقت ولمدة طويلة. على سبيل المثال عرف العالم العربي على الأقل ثلاثة أنظمة مختلفة للحساب في القرن الحادي عشر:
  1. العد على الأصابع، وكتابة الأرقام بالكلمات وهو النظام الشائع استخدامه لدى التجار.
  2. نظام العد الستيني وهو نظام قائم على استخدام قاعدة الستين بدلا من العشرة وهو مأخوذ من البابليين وسبب استخدام الرقم 60 كقاعدة للحساب هو أنه قابل للقسمة على "2 3 4 5 6 8 10 12 16 20 60" و استخدموا فيه حروف الأبجدية للدلالة على مواضع الأرقام في هذا النظام.
  3. طريقة الحساب الهندية باستخدام النظام العشري بالخانات (خانة الآحاد والعشرات والمئات ... الخ)
هناك إشارة على سابق المعرفة بالأرقام الهندية قبل ظهور الحضارة العربية وذلك من خلال كتابات سابوخت النصيبيني حوالي 662 بعد الميلاد، وكان أسقفا نسطوريا عاش في قنسرين (سوريا)، وفيها يقول: ‎

سأتجاهل كل المناقشات حول علوم الهند، ,,,، واكتشافاتهم البارعة في الفلك، وهي اكتشافات تفوق ما جاء به اليونانيون والبابليون، وطرقهم القيمة في الحساب والتي تفوق الوصف. أود فقط أن أقول أن طريقة الحساب هذه تتم بإستخدام تسع علامات. ولمن لايزال يؤمن بأنهم وصلوا لقمة العلم لأنهم يتحدثون اليونانية، لو أنهم قرأوا النصوص الهندية لاقتنعوا ولو متأخرا أن هناك آخرون يعرفون أشياء قيمة
هذه الفقرة تشير بوضوح الى أن نظام الأرقام الهندية كان معروفا في أراض ستصبح فيما بعد جزءا من العالم العربي في فترة مبكرة في القرن السابع. هذه الفقرة بالطبع توضح أن عدد قليل جدا في هذا الجزء من العالم كان يعرف أي شيء عن هذا النظام الحسابي. سابوخت النصيبيني كأسقف مسيحي كان مهتما بحساب تاريخ عيد القيامة (وكانت مشكلة لعدة مئات من السنين للكنائس المسيحية). ولعل هذا السبب هو ما شجعه على الإطلاع على الحسابات الفلكية للهنود، وعن طريق هذا عرف بالطبع عن الحساب بإستخدام تسعة رموز.

بحلول عام 776 بعد الميلاد بدأت الإمبراطورية العربية تتشكل، وأصبح لدينا مصدر آخر على انتقال الأرقام الهندية من خلال ماكتبه القفطي (1172 م - 1248 م) في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" ويرجع تاريخ الكتاب لحوالي القرن الثاني عشر ولكنه يذكر مصادر أقدم في كتابه:-

وقد ذكر الحسين بن محمد بن حميد المعروف بابن الآدمي في زيجه الكبير المعروف بنظم العقد أنه قدم على الخليفة المنصور في سنة ست وخمسين ومائة [776 ميلادية] رجل من الهندي قيم بالحساب المعروف بالسند هند في حركات النجوم مع تعاديل معمولة على كردجات محسوبة لنصف نصف درجة مع ضروب من أعمال الفلك من الكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك في كتاب يحتوي على عدة أبواب وذكر أنه اختصر من كردجات منسوبة إلى ملك من ملوك الهند يسمى فيفر، وكانت محسوبة لدقيقة فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية وأن يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري وعمل منه كتابا يسميه المنجمون السند الهند الكبير، وتفسير السند الهند باللغة الهندية: الدهر الداهر. وكان أهل ذلك الزمن أكثر من يعملون به إلى أيام الخليفة المأمون فاختصره له أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي وعمل منه زيجه المشهور ببلاد الإسلام وعول فيه على أوساط السند هند وخالفه في التعاديل والميل وجعل تعاديله على مذهب الفرس وميل الشمس فيه على مذهب بطليموس واخترع فيه من أنواع التقريب أبوابا حسنة لاتفي بما احتوى عليه من الخطأ البين الدال على ضعفه في الهندسة فاستحسنه أهل ذلك الزمان من أصحاب السند هند وطاروا به في الآفاق، ومازال نافعا عند أهل العناية بالتعديل إلى زماننا هذا

في كتابه [انظر المرجع رقم 1] (والاقتباس هناك مطول) يحاول إفراه أن يحدد أي كتاب هندي يقصده المؤلف. ويخلص إلى أنه غالبا يقصد ما كتبه براهماجوبتا بعنوان "براهما سبتا سدهانتا" (بداية/فتح الكون) والمكتوب في 628. بغض النظر عن إذا كان إفراه محقا في هذا الاستنتاج، لأن كل المؤلفات الهندية بعد كتاب أريابهاتا الأول "أريابهاتيا" (499 ق.م) استخدمت نظام العلامات التسع للعد، فإنه من المؤكد أن العرب بداية من هذا التاريخ (776 م) كان لديهم ترجمة بالعربية لنص يتضمن نظام الأرقام الهندية.

من المعتاد الإدعاء بأن أول نص عربي كتب لشرح نظام الأرقام الهندي كتبه الخوارزمي. لكن هناك بعض الصعوبات تواجه هذا الادعاء وهو ما يتجاهله معظم الكتاب. النص العربي مفقود ولا يوجد إلا ترجمة لاتينية من القرن الثاني عشر، بعنوان "Algoritmi de numero Indorum" (فن الحساب الهندي للخوارزمي) وهو الكتاب الذي أعطى شهرة لكلمة خوارزم والمشتقة من الإسم الموجود في عنوان الكتاب. للأسف أن الترجمة اللاتينية للكتاب مختلفة عن نص الخوارزمي الأصلي (والذي لا نعرف حتى عنوانه). النص اللاتيني بكل تأكيد يصف النظام العشري الهندي القائم على الخانات معتمدا على 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 0.

اعتبر الكثيرون أن أول مرة يستخدم فيها الصفر في نظام عشري بسبب هذا الكتاب المنسوب للخوارزمي. الصعوبة نشأت من أن البغدادي (980 م - 1037 م) في كتابه ”التكملة في الحساب“ أشار للكتاب بلغته الأصلية وخلافا للظن الشائع عنه، العمل يتحدث عن نظام العد بالأصابع وليس الأرقام الهندية. ويظهر هذا بوضوح في ما أشار إليه البغدادي في كتابه لمؤلف الخوارزمي المفقود. وبالرغم من ذلك فإن كثرة إشارة المصادر الى كتاب الخوارزمي في رموز الأعداد الهندية التسعة لابد وأن يعني أن الخوارزمي كتب مثل هذا العمل. بعض من الغموض لا يزال موجودا.

في البداية استخدم العرب الطرق الهندية على ألواح متربة. في الحقيقة عرف المغرب العربي الأرقام الهندية باسم الأرقام الغبارية. واستخدمت ألواح الغبار لأن هذه الطريقة الحسابية تطلبت تحريك الأرقام وشطب بعضهم أثناء العمليات الحسابية وهو ماسمحت به تلك الألواح الغبارية بنفس الطريقة التي نستخدم بها السبورة.

حوالي منتصف القرن العاشر الميلادي ألف أبو الحسن الإقليدسي كتاب الفصول في الحساب الهندي وهو من أقدم ما وصلنا من الكتب عن النظام الهندي. فيه يناقش الإقليدسي مزايا هذا النظام :- (ملحوظة من المترجم: انظر هامش رقم 1 بالأسفل) 

وإنّ أكثر الحُسّاب مضطرّون إلى العمل به (حساب الهند) لما فيه من الخفّة والسّرعة وقلّة التحفظ، وقصر الزمان فيما يحاوله من الجواب، وقلّة شغل القلب بما يعانيه ويراه مضطرّا بين يديه. ولعلّه لو تكلّم أو تحدّث لم يُفسد ذلك عمله، وكذلك لو تركه وتشاغل عنه بغيره، لرجع إليه فوجده بحاله، فتمّم ما اراد تمامه، وأسقط عنه مؤونة التحفّظ له واشتغال القلب به. وليس ذلك موجودا في غيره، إذ كان غيره يقصر عنه لما فيه من العقد، ولما يضطرّ إليه، إذ كان كثير من الحسّاب لا يمكنهم إلّا العمل به لما تعجز عنه اليد لكثرته.
فإن كرهه قوم للحاجة إلى التّخت، فأنّا نقول إنّه علم وعمل يحتاج فيه إلى آله كما يحتاج الكاتب والصانع والفارس إلى ما يعمل به ...
فإن كرهه قوم لتعذر التّخت في بعض الأوقات، أو لقبح حضوره لما فيه من الشّنعة، إذ كان يقبح أن يرى بين يدي الكاتب، ممن يحظر الديوان ويجلس في الأسواق، فأنّا نقول، قد عملنا في ذلك ما لا يحتاج فيه إلى التّخت، واستغنينا عنه بما قد عملناه؛ وهو أنّا نعمل ما عمله جميع أصحاب هذه الصناعة بلا تخت ولا تراب، بل نعمل في صحيفة. ونخفيه أيضا بأشياء نذكرها حتى لا يعلم من رأي من يحسب به أنه هندي، بل يتوهّم أنه رومي (ص. 48)

وفي القسم الرابع من الكتاب يبين الإقليدسي كيفية تعديل طرق حساب الأرقام الهندية والتي كانت تحتاج لألواح غبارية لطرق يستخدم فيها الورقة والقلم. بالتأكيد كان اعتماد الطريقة الهندية على الألواح الغبارية أحد العراقيل الأساسية لانتشارها. على سبيل المثال فإن أبو بكر الصولي (880 م - 946 م) بعد ما أثنى على نظام العد الهندي، يكتب :-

وعلى هذا وصفوا حروفهم التسعة وقالوا: الحساب الهندي أخرج لكثير العدد إلا أن الكتاب اجتنبوه لأن له آلة [يقصد لوح الغبار]، ورأوا أن ما قلت آلته، وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه [يقصد العد على الأصابع]، كان أذهب في السر وأليق بشأن الرياسة.

ولهذا تتضح أهمية كتاب الإقليدسي في تسهيل استخدام الأرقام الهندية التسعة. وله أهمية أخرى في كونه من أقدم الكتب في معالجة الكسور العشرية.

وعلى الرغم من أن كثير من العلماء وجدوا فائدة في استعمال الرموز الهندية في أعمالهم، إلا ان مجتمع التجار استمر في استخدام العد بالأصابع حتى نهاية القرن العاشر الميلادي. أبو الوفاء البوزجاني (940 م - 998 م) وهو خبير في استخدام الأرقام الهندية، كتب في كيفية الحساب بالأصابع كتاب "حساب اليد" لأن هذا كان ما يحتاجه مجتمع التجار وقتها.

دعنا نعطي بعض المعلومات عن طريقة العرب في استخدام الحروف للأعداد والموجودة في أعمال أبو الوفاء البوزجاني.

كان يتم تمثيل الأرقام بحروف عربية غير مرتبة بترتيب القاموس. وعرف هذا النظام باسم "حساب الجمل" وأحيانا باسم أبجد وهي تجميع لأول أربعة حروف في هذا النظام (1 = أ، 2=ب، 3=ج ، 4= د). الأرقام من 1 إلى 9 مثلت بأول تسع حروف في هذا النظام أبجد هوز حط، ثم الأرقام من 20 إلى 90 بالحروف يكل منس عفص، ثم الأرقام من 100 إلى 1000 بالحروف قرشت ثخذ ضظغ.

الفلكيون العرب استخدموا النظام الستيني مع نظام الحروف الحروف العربية. مثال على هذا الزاوية 43° 21' 14" كانت ستكتب على هذا الشكل "مج كا يد".

ابن سينا (ويعرف في الغرب باسم أفيسينا) وهو من معاصري البغدادي، من مؤلفي بدايات القرن الحادي عشر الميلادي. والذي نعرف الكثير عن تفاصيل حياته لأنه ألف فيها كتابا. كان ابن سينا في طفولته مميزا، تميز بذاكرة قوية وقدرة على التعلم أدهشت العلماء الذين قابلهم في منزل والده. مجموعة من العلماء من مصر جاءوا لمنزل أبيه حوالي 997 م عندما كان ابن سينا في العاشرة من عمره وعلموه طريقة الحساب الهندية. ويحكي أيضا عن تعلمه الجبر والحساب الهندي من بائع خضروات. كل هذا يبين أنه في بداية القرن الحادي عشر كانت طريقة الحساب بالأرقام الهندية منتشرة وبصورة كبيرة ومعروفة حتى لتاجر خضروات.
ماذا عن الأرقام نفسها. رأينا في مقالة الأرقام الهندية أن أشكالها اختلفت تبعا للمنطقة وتغيرت مع الزمن. حدث نفس الشيء في العالم العربي.

هنا مثال لأرقام هندية مستخدمة في المشرق العربي. من كتاب أبو سعيد أحمد بن محمد بن عبد الجليل السجزي (951 م - 1024 م)، ولم يكن مؤلفه الأصلي ولكن لكتاب نسخه في شيراز عن مؤلف رياضي آخر وأرخ تلك النسخة عام 969 م.

الأرقام الهندية من رسالة السجزي عام 969 م.



تغير شكل الأرقام بعد ذلك بحوالي مائة عام، في نسخة من أحد كتب البيروني في الفلك، نجد الأرقام على هذا الشكل

شكل الأرقام الهندية من كتاب في الفلك للبيروني حوالي عام 1082.


في الواقع لو دققنا النظر سيظهر أنه ما بين 969 و 1082 التغيير الأكبر في الأرقام هو دوران الأرقام 2 و3 ب 90 درجة. وسبب هذا التغيير الطريقة التي كان يكتب بها الناسخون في المخطوطات، وحيث أنهم كانوا يكتبون من اليمين لليسار وهم جالسون القرفصاء. ولتسهيل الكتابة كانوا يكتبون في سطور من الأعلى للأسفل وعند قراءة المخطوط يتم تدوير المخطوط ويقرأ المخطوط بالطريقة الصحيحة من اليمين لليسار.ربما ولقلة خبرة النساخون في طريقة كتابة الأرقام الهندية، كتبوا 2 و3 بدوران 90 درجة بحيث عندما يتم تدوير المخطوط يقرأوا بالطريقة الصحيحة.


هذا مثال على ما كان يجب على الناسخون أن يكتبوه




ما كان يجب على الناسخون أن يكتبوه والمخطوط في وضعية الدوران وفي حال اعتداله.

وهذا مثال على ما كتبوه فعليا





ماكتبه الناسخون فعليا والمخطوطة في وضعية الدوران وفي وضعها الطبيعي.


شكل الأرقام المستخدمة في المغرب العربي يبدو قريب الشبه للأرقام المستخدمة في أوروبا حاليا, وهو شيء طبيعي لأن تلك الأرقام هي ما أوصلت الأرقام الهندية لأوروبا.




الأرقام الهندية كما كتبها ابن البناء المراكشي.

وكما يظهر في هذه الصورة، كان هذا شكل الأرقام كما كتبها ابن البناء المراكشي (1256 م - 1321 م) في مؤلفه في الحساب العملي المكتوب حوالي بداية القرن الرابع عشر الميلادي. عاش المراكشي معظم حياته في المغرب وهي قريبة من الأندلس والتي كان يسيطر عليها العرب وقتها وهي في جنوب أسبانيا.

وعلى على الرغم من هذا فإن أول مثال وصل إلينا على استخدام الأرقام الهندية في أوروبا كان قبل ابن البناء المراكشي بوقت طويل. حيث ظهرت هذه الأرقام الهندية في مؤلف بعنوان ”Codex Vigilanus“ نسخه راهب من أسبانيا عام 976.

أول ظهور للأرقام العربية في أوروبا من كتاب "Codex Vigilanus".


وبالرغم من ذلك فإن الجزء الأكبر من أوروبا في هذا الوقت لم يكن مستعدا لتقبل أفكار جديدة من أي نوع واستغرق هذا وقتا طويلا حتى القرن الخامس عشر عندما بدأ الرياضيون الأوروبيون تطويرهم السريع للرياضيات والذي لا يزال مستمرا إلى اليوم. لن نقوم بفحص المساهمات العديدة التي أوصلت الأرقام الهندية إلى أوروبا في هذه المقال، ولكن سنذكر مثال واحد فقط، ولكن مهم جدا.

كتب ليوناردو فيبوناتشي (1175م - 1250م) في كتابه الشهير ”Liber abaci“ (كتاب الحساب) المنشور في بيزا عام 1202:-

حينما كان أبي، وهو من عينته بلده في وظيفة موثق عام في الجمارك في بجاية مسئولا عن ووكيلا للتجار من بيزا الموجودين هناك، ناداني اليه وكنت لازلت طفلا، وبحاسته في معرفة ماسيفيدني في مستقبلي، طلب مني أن أبقى هناك وأتعلم في مدرسة المحاسبة. هناك حيث تعرفت على الفن الهندي في الرموز التسعة على يد معلمين مهرة، علمهم بهذا الفن أسعدني فوق الوصف ومن خلالهم فهمته، فما درسته من خلال هذا الفن صحبني في مصر وسوريا وصقلية وبروفنس، في كل أشكاله المختلفة.


هامش:

  1. النص منسوخ كما هو دون تصحيح من اقتباس من كتاب الأقليدسي "الفصول في الحساب الهندي"، لم أعثر على النص الأصلي لكن النص المذكور هنا منسوخ من الورقة البحثية "نصوص مختارة من علم العدد" لمهدي عبد الجواد، منشورات الجمعية التونسية للعلوم الرياضية، 2010، ص72 (رابط).
 مراجع:
[1] G Ifrah, A universal history of numbers : From prehistory to the invention of the computer (London, 1998).
[2] G G Joseph, The crest of the peacock (London, 1991).
[3] R Kaplan, The nothing that is : a natural history of zero (London, 1999).
[4] L C Karpinski, The history of arithmetic (New York, 1965).
[5] K W Menninger, Number words and number symbols : A cultural history of numbers (Boston, 1969).
[6] D E Smith and L C Karpinski, The Hindu-Arabic numerals (Boston, 1911).

📗 طالع أيضاً: