‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 نوفمبر 2025

تحقيق عن دمياط من مجلة آخر ساعة بتاريخ 29 أغسطس عام 1956


هل صحيح أن الدمايطة بخلاء ؟
لقد انتشرت النكت والقفشات عنهم ... وعن سؤالهم التقليدي : تتعشى والا تنام خفيف !
وعلى الرغم من ثورة الدمايطة ودفاعهم عن أنفسهم .. فان التهمة ما زالت معلقة وما زال البخل ملتصقا بدمياط وأهل دمياط .
وراحت (( آخر ساعة )) الى قلب دمياط نفسها تبحث عن الحقيقة ..

عصر كل يوم تذهب بنات دمياط ومعهن "القرط" وهو اسم المناديل باويه وانواعها : جر الشكل وجر العرسان والحلو فايت، وفي محلات والي تسلم كل واحدة شغلها وتأخذ غيره لليوم التالي

بخل الدمايطة.. هل هو شطارة" ؟

ليس في دمياط عاطل واحد .. أو أجنبي واحد.

مديرية دمياط أفخم مديريات مصر في قصر البدري ولكنها بلا عمل في الصيف وفي الشتاء

سيدات دمياط بالبيشه والملايه والقوام الملفوف والاحذية المفتوحة شغل بلدهم في الطريق لسوق الحسبه

ليس في دمياط عاطل واحد من أهلها ... حتى ليس فيها خمارات ولا جرائم ولا خلافات .. تأكل البط والسمك البوري بالأرز .. وتحت كل بيت ورشة احذية وفى كل بيت ورشة موبيليات .. ومنها خرج الفول المدمس والبطارخ والجبنة البيضاء .. وتحلم بها العرائس في كل البلاد .. واسمها دمياط ... ليس في دمياط عاطل واحد من أهلها !!

النساء كلهن يعملن في البيوت .. في شغل الابرة والتطريز والمناديل ( أم أويه ) واسمها عندهم (قرط) بضم القاف ... وحتى الأطفال لا يلعبون في الحارة كباقي أطفال مصر !!

في محلات الأحذية التي انتشرت تحت كل بيت أطفال في سن الخامسة والسادسة والعاشرة .... يعملون من الصباح حتى المساء، وفي الاجزاخات ومحلات الخردوات يعمل تلاميذ المدارس اثناء العطلة الصيفية .. وفى ورش النجارة أطفال غيرهم .. وحتى في المقاهي ومحلات بيع الفول المدمس ... يعمل الأطفال الصغار ...
و دمياط بلد عجيب كله نشاط و انتاج ...
اكبر مصانع الأحذية في مصر كلها في دمياط ، وهي التي تصنع أكثر من ٧٥% من احذية مصر .. وحتى سويسرا وبلجيكا وسوريا تستورد أحذية دمياط

أحلام العرائس

و دمياط تعرفها أکثر عرائس مصر .... جهازات و موبيليات اليوم السعيد من هناك احسن خشب واحسن ذوق وارخص سعر ..
والجبنة في دمياط لها تاريخ كبير .. أنواع من الجبنة البيضاء والرومي وام فلفل ...
والمناديل ام أوية أنواع واشكال برعت فيها بنات دمياط ... 
جر العرسان آخر موديل ويقولون أن له تأثيرا عجيبا في أعصاب الرجال
وجر الشكل ، والسكة الجديدة وفلة و النبي تبسم ، وعشرات الأسماء اللطيفة ...
واكثر نساء دمياط يقمن يشغل المناديل داخل البيوت لحساب المحلات التي توردها الى بلاد القطر ...

وتتقاضي الواحدة ١٠ مليمات عن المنديل الواحد وتستطيع أن تنتهى من اثنتي عشر منديلا في اليوم .. وحتى البنات الصغيرات يشتغلن في المناديل والتريكو وتربح الواحدة بين خمسة وعشرة قروش في اليوم الواحد ...
وتحت كل بيت في دمياط محل لصنع الأحذية ، واغلبها من النوع الرجالى ولا يبنى بيت جديد الا وتحته محل للأحذية تماما كما يحدث فى القاهرة بالنسبة للمقاهي !!

حتى الأطفال الصغار

وفي احدى ورش الأحذية الكبيرة كان أربعون عاملاً يجلسون في صالة كبيرة ، وحول كل عامل ثلاثة أطفال سفار الثان يمسحان الجلد ، والثالث يعد الخيط للأسطى ...

والطريف أن محلات الأحذية في دمياط تصنع لكل طفل من هؤلاء حذاء جديدا هدية منها قبل العيد ، ولهذا تزدحم الورش بمئات الأطفال الراغبين في العمل وكلهم يحضرون قبل العيد بأسبوع ... وبعد تسلم الحذاء الجديد .. يتركون المحلات إلى أعمال غيرها .. كانوا فيها قبل هذا الأسبوع !!

وقلت لصاحب أحد محلات الأحذية : هذه الفكرة تدل على بخل الدمايطة حتى الصغار منهم
فرد قائلا : بل هي شطارة ، وانا نفسى وانا صغير كنت أفعل مثلهم ...

وعندما نزلنا في لوكاندة فؤاد بدمياط وطلبنا غرفة بسريرين لى والزميلي المصور .. أشاروا الى غرفة ضيقة جدا ، وطالبنا بغرفة أخرى أوسع ، وعندئذ همس خادم اللوكاندة في أدنى : عندنا غرفة واسعة بثلاث سراير ولكنها حتكلفكوا كثير ...
ووافقنا على أخذ الغرفة الواسعة والتي كان فرقها عن الغرفة الأولى أربعة قروش صاغ لا غير .. وكان نصيبي منها قرشین صاغ !!

شبشب عايدة

وقال لى أحد أصحاب محلات الأحذية الدمياطية ، اننا تصنع أحذية رجالى أكثر من الحريمي ، لكن أغلبها بصدر الي بلاد كثيرة .. وأما الحريمي عندنا فهي مسجلة بأسماء أصحابها !!
فمثلا السيدة عايدة الحزاوي اعجبها شبشب من محلاتنا وطالبت بتعديل كميه ليناسبها ، وفعلا نجح هذا الموديل وأطلقنا عليه شبشب عايدة .. وعرفه الزبائن بهذا الاسم !!



الدكتورة الدمياطية نبيله الشاطر تقوم بالكشف وتحضير الدواء في دمياط كلها وهي أول دمياطية تدخل الطب

مسجد أبو المعاطي المعروف والذي أغلق بسبب تراجم النساء على هذين العمودين منعا للعقم، ولإنجاب الأولاد، وقد حاول رجل نحيف ان يشرح طريقة المرور بينهما، وبصعوبة استطاع ان يمر بينهما ....

الصناعة الأولى في دمياط هي والاثاث ومع العمال اطفال صغار يتعلمون الفن من اول الطريق وتصدر دمياط الأثاث الى مختلف البلاد حتى سوريا والمملكة السعودية

تحت كل بيت ورشة احذية وتصنع 75% من احذية مصر كلها ، ومع كل اسطى ثلاثة اطفال صغار يعاونونه ويلتقطون الصناعة ، واذا ترك المحل اخذهم معه

الجبنة المشهورة في انحاء العالم كله .. وتأتي الألبان اللازمة لها من القرى المحيطة ، وفي كل يوم تنفد الكميات كلها ولا يبقى قالب واحد ...



و دمياط انشط بلاد مصر في الصناعة ... وخصوصا صناعة الأثاث وجهازات العرايس .. وبها ورش في كل شارع وشهرة موبيليات دمياط في خيال كل عروسة .. والاخشاب التي يصنعون منها الموبيليات يستوردونها من تشيكوسلوفاكيا ورومانيا ويوغوسلافيا .....

وفي كل يوم تغادر المدينة قافلة من السيارات الكبيرة وهي تحمل خمسين غرفة جديدة الى انحاء مصر ...

والجبنة لها دولة فى دمياط: محلات كثيرة تتوارث صناعتها وتجمع لها الألبان من القرى المجاورة لها ويأتي موكب اللبن بعد ظهر كل يوم ... هذا موكب الغالى واليسيوني ، وموكب فتيلو، وموكب الزيات ... وغيرها . وتتنافس المحلات فيما بينها في تقديم أنواع جديدة من الجبنة ، وكان آخر اختراع هو الجبنة البيضاء بالفلفل الأخضر ... ولاقت شهرة وانتشارا في رأس البر والقاهرة والإسكندرية ....
وفى الأيام الأخيرة برعت دمياط في صناعة الجبنة الرومي التي كانت تستورد منها كميات كبيرة كل سنة ....

فول دمياط

وفي شارع سوق الحسبة ، قلب الحي التجاري ، أشهر محل في مصر .. وأشهر رجل ... اسمه مصباح التابعي الدمياطي : : تاجر الفول المدمس المعروف والذي أصبحت له فروع في انحاء كثيرة من مصر ...
وفي محله المتواضع يقف الزبائن في طابور ليحصلوا على طبق من فول التابعي الأصلى ...
.. والرجل يجلس أمام • القدرة ، كأنه سلطان ، والويل من يحدث ضجة في الطابور انه سيحكم عليه بالحرمان طول اليوم .. وهو يعرف وجوه أهل دمياط كلهم .....
وأصبحت له من الفول المدمس عمارات كثيرة .. وبعد الظهر يذهب الى عشته فى رأس البر ليستريح ...

الدكتورة الوحيدة

وفي دمياط دكتورة واحدة .. من بنات دمياط اسمها نبيلة الشاطر .. نموذج للدمياطيين في نظافتها وضخامتها وهي زوجة وام ...
تخرجت من خمس سنوات وعملت في رعاية الطفل في منفلوط بالصعيد ورجعت لبلدها دمياط منذ ثمانية شهور
وقالت لآخر ساعة : أن أطفال منفلوط يمتازون بالنظافة . وأكثر أمراضهم في النزلات الشعبية بسبب الجو الرطب


أولادها لا يلعبون في الشوارع والخمارات فيها ممنوعة

الحاج محمد أبو رجب تاجر فسيخ وبطارخ بدمياط واشترى بجعتين من بحيرة المنزلة تتجولان طوال النهار في الشارع وتأكلان مرتين في اليوم

على ضفاف بحيرة المنزلة تقع دمياط في طرف وبورسعيد في طرف آخر ، وتعيش كل البلاد على الأسماك ومنتجات البحر، من كابوريا وجمبري يبلغ أحجاما هائلة ، وجلس طفلان على ضفة البحيرة الكبيرة "راقية وكامل" وفي أيديهما كابوريا مخيفة ومع ذلك يبتسمان لها.

وقليلون منهم يصابون بالكساح الذي هو مرض أغلب أطفال مصر ..
والسبب كما تقول الدكتورة الدمياطية هو أن الدمايطة كرماء مع أولادهم في الأكل والتغذية !!
وأما بالنسبة لتهمة البخل المشهورة عن دمياط فقد دافعت الدكتورة نبيلة عنها بقولها : ( أن الدمايطة اقتصاديون وليسوا بخلاء ... ثم بعثت بعد ذلك في طلب زجاجة مرطبات .. ولكنها لم تأت حتى هذه اللحظة !!

و دمياط بلد بلا جريمة ولا جرائم ...

طول السنة لم تشهد مدينة دمياط جريمة قتل واحدة ولم يحدث فيها سوى جرائم سرقة بسيطة بسبب انتقال أصحاب البيوت الى راس البر وتركهم منازلهم بلا حراسة و والمال السابب يعلم السرقة ، كما يقول المثل ...
ومديرية دمياط مقرها افخم مديريات مصر كلها ... قصر رائع. بملكه أحد الاغنياء واسمه البدري واستأجرته منه المديرية ولكنها مديرية بلا عمل وبلا جرائم أو مجرمين ...
ويضحكون في دمياط على بغال البلدية ، وعددها خمسة بغال ويتكلف الواحد منها ٢٥ جنيها في الشهر فيكون حسابها ١٢٥ جنيها فقط لا غير ...
وهي تكفى لشراء سيارة جديدة فاخرة ...
والعجيب أن البلدية لا تحس بهذا الفرق الواضح .. الأعضاء ليسوا دمايطة أصليين كما يتهمهم أهل البلدة !!

وقبل أن تغادر دمياط لا تنسى أن تمر على السيد محمد مصيلحی باشمهندس دمياط ليدعوك الى بطارخ من محلات مطاوع ، وسمك بورى مشوى وارز دوشيك دمياط من رأس البر .. وبعدها تزور مسجد أبو المعاطى ويفتح لك أبوابه المغلقة لتشهد العمودين الطريفين " ولهما قصة ..
.
ان من تمر بينهما وتكون عاقرا لا يمر عليها شهر الا وتحس بالحمل .. وتزاحمت النساء في المسجد ... وكل واحدة تريد المرور قبل غيرها، ولم يفلح البوليس في تنظيم هذه المظاهرة النسائية التي لم تنقطع في الليل والنهار

وسيدات دمياط مشهورات بالسمنة ، وحدثت مآزق كثيرة اثناء محاولة المرور بين العمودين ، واضطرت المديرية الى اغلاق المسجد ، ووضع الحراسة عليه .. ودخلت وآخر ساعة ، لتشهد أحد الرجال يحاول المرور بين العمودين ليشرح لنا كيف كانت نساء دمياط السمينات يحاولن المرور .. من أجل الانجاب .. والاولاد .
ورجعت آخر ساعة من بلاد . الشطارة ، كما يقولون والبخل كما تقول النكت والتشنيعات ...
رجعت بحقيقة واضحة .. وهي أن دمياط التي ليس فيها عاطل تستحق عن جدارة لقب  بلد الشطارة .
وفرق كبير بين الشطارة ، والبخل.

تحقيق: صلاح جلال، فيلم مصور تصوير: جمال يوسف
المصدر: العدد 1140 - 29 أغسطس 1956 (رابط)

الأربعاء، 23 فبراير 2022

مقالة مجلة الهلال عن برج السلسلة في دمياط

محاصرة الصليبيين دمياط
سنة ۱۲۱۸ م

هاجم الصليبيون دمياط غير مرة في اثناء الحروب الصليبية وكانت الحرب سجالاً
بينهم وبين المسلمين . ثم تمكنوا من فتحها سنة ۱۲۱۹ ( ٦١٦ هـ ) ولكنهم قاسوا
في ذلك عذاباً شديداً . لأن المصريين كانوا قد انشأوا برجاً من الخشب اقاموا فيه
المقاتلة ومدُّوا بينه و بين دمياط سلسلة غليظة تمنع سفن الافرنج من المرور . وقد
بسطنا ذلك في « تاريخ مصر الحديث » ، بقولنا :

« فجاؤا ( الصليبيون ) اليها بحرًا وحاصروا دمیاط في يوم الثلاثاء في ٤ ربیع اول
سنة ٦١٥ هـ وهم نحو ٧۰ الف فارس و ٤۰۰ الف راجل فخيموا تجاه دمیاط في البر
الغربي وحفروا على معسكرهم خندقاً واقاموا عليه سوراً وشرعوا في قتال برج دمياط 
فانه كان برجاً منيعاً فيهِ سلاسل من حديد غلاظ تمتد على النيل لتمنع المراكب الواصلة في 
البحر المالح من الدخول إلى ديار مصر في النيل . وكان البر الذي نزل عليه الصليبيون 
جزيرة محاطة بالنيل من جهة وبالبحر المالح من الاخرى يقال لها جزيرة دمياط .

وكان المسلمون في مدينة دمياط محاصرين حصاراً منيعاً من البحر والبر والسلسلة ممتدة
بين البرج والسور . فحاول الصليبيون امتلاك ذلك البرج لانهم اذا ملكوه تمكنوا من
العبور في النيل إلى القاهرة . وكان هذا البرج مشحوناً بالمقاتلين تأتي اليه المؤن من
دمياط على جسر خشبي منصوب في عرض النيل . وبعد مدة انكسر ذلك الجسر 
فاغتنم الصليبيون تلك الفرصة واصطنعوا برجاً خشبياً نصبوه على مركبين موسوقين
قيوداً وانزلوا اليه اقوى رجالهم واحسن عدتهم وساروا في النيل لمهاجمة برج المسلمين
فلما رأى المسلمون ذلك تجمهروا في البرج والسور واخذوا برمي السهام والحراب
والحجارة بالمنجنيق على برج الصليبيين فلعبت النار به فخاف الذين فيه ثم انطفأ حالاً
وتشدد الصليبيون حتى استولوا على برج المسلمين وطمعوا بالاستيلاء على دمياط »

وقد نشرنا صورة دخول الصليبيين البرج نقلاً عن مسودة قديمة في المكتبة الأهلية
في باريس كما ترى في هذا الشكل

دخول الصليبيين برج دمياط
دخول الصليبيين برج دمياط


وكنا في شوق شديد الى رؤْية تلك الواقعة ممثلة في رسم يبين موقع البرج من
المدينة . ولم نكن نتوقع العثور على ذلك . لكن علي بك بهجت العالم الأثري ووكيل
المتحف العربي بمصر وفق إلى العثور على صورة بهذا المعنى في اثناء سیاحته في هولندا
بالصيف قبل الماضي . وقد فصل كيفية وقوفه على هذا الأثر النفيس بمقالة تليت في
المجمع العلمي المصري نلخص منها ما يأتي خدمة للتاريخ المصري واقرارًا بفضل حضرته
في التنقيب عن الآثار العربية

قال انهُ في اثنَاءِ سياحته في هولندا عثر في متحف هرلم على صورة للمصور ويرنجن
تمثل حصار الصليبيين دمياط فاستلفتت انتباهه وعلم ان ذلك المصوّر بناها على حكاية
كانت شائعة بين مواطنيه ينسبون اكثر الفوز فيها الى الهولنديين . وخلاصة حكايتهم
ان الدمياطيين كانوا قد اقاموا عند مدخل النيل برجاً حصيناً تمتدُّ منه تحت الماء سلسلة
غليظة من الحديد الى جسر آخر عند حصون المدينة لتمنع السفن من الوصول الى مجری
النيل والدخول منه إلى مصر . وان وليم الأول بن کونت هولندا تصور حيلة للخلاصْ

حصار دمياط تصوير ويرنجن
حصار دمياط تصوير ويرنجن



من هذه العقبة فاصطنع منشارًا عظيماً من الحديد شده إلى مقدم سفينتهِ واغتنم اشتداد الريح ومد البحر 
واطلق لسفينته الشراع نحو السلسلة فقطعتها وانفتح الطريق لسائر الأسطول . فمثل المصور هذه الحكاية 
في الصورة التي نحن في صددها في أوائل القرن السابع عشر أي بعد نحو اربعمائة سنة من الحادثة . 

فرسم البرج في النيل والسلسلة ممتدة منه إلى البرج الآخر على شاطئ دمياط وقد اشتدت 
الريح وهاج النيل . واطلق ولیم لسفينته الشراع فدخلت مصب النيل حتى قطعت السلسلة 
والمسلمون في اعلى البرج يرمون الهولنديين بالنبال والحجارة . وترى بين البرج ودمياط 
من الجهة الاخرى جسرا من الخشب ينقل عليه المسلمون المؤُونة الى اصحاب البرج . 
وقد تقدم في ما نقلناه عن تاريخ مصرالحديث ان الصليبيين اغتنموا انكسار هذا الجسر وهجموا 
على برج المسلمين واخذوه .

ويقول المحدث الهولندي انهم قطعوا السلسلة بالمنشار

فلما وقف بهجت بك على هذه الصورة أهتم بها ونقلها بالفوتوغراف ودرسها فقرأ
ما ذكره عنها الموسيو كرونيك مدير ذلك المتحف من الملاحظات في سجلات المتحف.
واستزاده بیاناً فاخبره ان ویرنجن المصور ولد في هرلم وتوفي فيها سنة ١٦٤٣ م وهو
الذي رسم هذه الصورة وقد ذكرها صامويل امبزين في وصف هرلم سنة ١٦٤۸ م .

وشخص بهجت بك إلى لندن وقصد مكتبتها الشهيرة بالمسودات العربية وطلب من
الاستاذ سنوك هوسكرونجي أن يرشده إلى المصادر الهولندية التي تساعده على درس
هذه المسألة فأتاه بتاريخ الامة الهولندية للاستاذ بلوك ، فاستخرج منه فقرة تتعلق
بالهولنديين والحروب الصليبية هذه ترجمتها :

« ليس لدينا عن أعمال الهولنديين في الحروب الصليبية الا اخبار موجزة اما حملة
دمياط فان اخبارها اكثر اسهاباً . في ربيع سنة ۱۲۱۷ م سافر جماعة من الهولنديين
للاشتراك في الحملة الصليبية الجديدة بقيادة وليم الأول كونت هولندا . فرسا اسطولهم
اولاً في لشبونه فاستنجده البورتغاليون على المراكشيين . وفي ربيع السنة التالية
(۱۲۱۸) وصل الاسطول الى عكا وانضم إلى سائر جند المسيحيين هناك واجمع رأيهم
على مصر وفيها خيرة قوات المسلمين فاقلعوا اليها فوصلوا في مايو من تلك السنة الى
دمياط من مدن مصر الهامة . وكانت الحملة بقيادة كونت ساربروخ فحاصروا المدينة
وطال الحصار لان المسلمين كانوا قد تحصنوا في برج على جزيرة صغيرة في النيل .
فاحتال المسيحيون في أخذه بانهم جمعوا بين سفينتين من سفنهم شدوهما الواحدة إلى
الاخرى وبنوا عليهما برجاً من الخشب في طبقته العليا جسر كالمعبر ينتقل . وتقدموا الى
جسر السلسلة . ولما اقتربوا منه في ٢٤ اغسطس اسرع احد فرسان لياج وكان في
مقدمة الذين دخلوا برج المسلمين واخذوه . لكن مدينة دمياط نفسها لم يفتحها
المسيحيون الاَّ في نوفمبر سنة ۱۲۱۹ بعد ان باد اكثر اهلها . وذكروا ان المسلمين
كانوا قد اقاموا في عرض النيل سلسلتين من الحديد . وكان لحملة دمياط دويٌ في
هولندا ویروون في حصارها روايات خيالية . وكان اكثر الهولنديين ظهورًا في هذه
الحملة اهل هرلم وقرية دكوم » . ولم يذكر هذا المؤرخ حديث المنشار فكانه من
الخرافات المتناقلة على السنة العامة

واطلع بهجت بك في مكتبة ليدن على مؤلف آخر كتب لكنيسة جودا فيه
تفصیلات لم يذكرها سنوك منها خبر حصار دمياط بقيادة الامبراطور فريدريك
سنة ۱۱۸۸ ومعه كونت وليم بن الكونت فلوریس . فابلى بلاءً حسناً فكافأهُ ورقاه
واكرم الهولنديين فادخلهم تحت رايته وجعل لهم امتیازات أخرى . وعلم بهجت بك
بصورة على زجاج كنيسة جودا تمثل معركة دمياط رسمت سنة ۱٥۹٦ بامر مجلس قضاة
هرلم تذكارًا لبسالة اسلافهم الذين اشتركوا في فتح دمياط وهي تشبه الصورة المار
ذكرها من حيث شكل الابراج والسفن وغير ذلك نشرها في مقالته المشار اليها .

واكتفينا بنشر صورة ويرنجن لانها اوضح دلالة على تلك المعركة . فنثني على بهجت
بك لما يبذله من العناية في خدمة التاريخ الاسلامي

المصدر: الهلال - الجزء الخامس من السنة الحادية والعشرين - اول فبراير (شباط) سنة  1913 و24 صفر سنة 1331 - ص 294 الى ص 298 (رابط)

الاثنين، 21 فبراير 2022

سؤال وجواب

 


اسئلة واجوبتها

دمياط - بينما كنت اقرأ في سورة الأنعام وصلت إلى قولهِ « وأقسموا
جهد أيمانهم لئن جآءتهم آيةٌ لَيُؤمنُنَّ بها قل انما الآيات عند الله وما يُشعرِكم
انها اذا جآءت لا يؤمنون » . فاشتبه عليَّ تفسير هذه الآية لان المعنى يقتضي
ان يكون قولهُ « لا يؤمنون » . بالاثبات فهل نعدّ « لا » زائدةً هناك واذا
كان ذلك فهل يصح ان يقال ان في الكتاب زيادة باسيلي سرور

الجواب قال البيضاوي في تفسير هذه الآية « ما يُشعركم اي ما
يُدريكم استفهام انكار انكر المسبَّب مبالغةً في نفي السبب وقيل « لا »
مزیدة وقيل « أَنَّ » بمعنى لعلَّ اذ قُرئَ « لعلها » . وقرأَ ابن كثير وابو عمرو
وابو بكر عن عاصم ويعقوب « إِنَّها » بالكسر كانهُ قال وما يُشعرِكم ما يكون
منهم ثم اخبرهم بما علم منهم » انتهى المقصود منهُ باختصار . واما الزيادة في
الكتاب فالظاهر انها لا تمتنع لانهُ جارٍ على اسلوب كلام العرب وهي مألوفةٌ
عندهم في كثيرٍ من الصور بشرط عدم الالتباس ومن ذلك قول الشاعر
وتلحينني في اللهو أن لا احبَّهُ وللِّهو داعٍ دائبٌ غير غافلِ

قالوا ولا بد ان يكون للزيادة فائدة ولا سيما في الآيات القرآنية اما لفظية
کتزيين الكلام او معنوية كتأكيدهِ أو ما أشبه ذلك من الأغراض




المصدر: مجلة الضياء لصاحبها إبراهيم اليازجي - السنة الخامسة = مصر سنة 1902، 1903، ص 19، 20 (رابط)

الأحد، 20 فبراير 2022

مدارس دمياط - رسالة بقلم يوسف شكور (1874)

دمياط - يوسف شكور
دمياط - يوسف شكور

دمياط
منذ برهة ذهبت الى دمياط قاصدًا التنزه والتفرج 
على تلك المدينة القديمة والمشهورة بحسن الموقع وجودة
الهواء في فصل الصيف . فرأيت فيها اكثر مما سمعت 
عنها ولذلك كتبت اليكم بهذه الرسالة . ولست بقاصد
الكلام عن المدينة القديمة اذ انها قد باتت مندرسة 
واثارها قليلة تدل على ان موقعها كان في شمالي المدينة 
الحالية في مكان يبعد اربعة اميال بالقرب من بلد
يقال لها الان العزبة . وفي مكان يبعد اربعة اميال 
عن هذه البلدة في الجهة الشمالية اي عند مصب شطر 
النيل الشرقي في مكان يقال له راس البر وهو قطعة 
ارض من رمال واقعة بين شطر النيل المذكور والبحر 
المالح . وفيه سمك كثير وطيور مختلفة الاجناس وياتيهِ 
كثيرون في الصيف من جهات مختلفة وعلى الخصوص 
من دمياط للتنزه وتبديل الهواء ومنهم من يصرف 
فصل الصيف كلهُ فيهِ ببناء بيوت خشبية . والمظنون 
ان ذلك المكان كان مينا دمياط القديمة على انهُ ما 
من اثار تدل على ذلك . اما مدينة دمياط الحالية 
فهي مبنية على شاطي شطر النيل الشرقي وهيئتها نصف 
هلال ممتد من الشمال الى الجنوب ومنظرها من 
النهر جميل جدًّا . وموقعها احسن موقع رايتهُ في 
القطر المصري وهي شبه جزيرة ففي الغرب شطر 
النيل الشرقي وهي المبنية على شاطيهِ وفي الشمال 
على بعد ثمانية اميال منها البحر المالح وفي الشرق بحيرة 
المنزلة وابنيتها غير منتظمة الانتظام المناسب لحسن 
موقعها واسواقها في حالة متوسطة وليس فيها غير سوق 
واحدة ممتدة من اول المدينة الى اخرها من الشمال
الى الجنوب. وهي محتاجة الى بعض التنظيف ولاسيما

عند شاطي اليل فانهُ عوضًا عن ان تكون ساحات
ذلك المكان للتنزه هي لجمع الاقذار . وهذا يفسد
الهواءَ . اما تربتها فخصبة واكثر محاصيلها الارز  .

وكانت قبل فتح ترعة السويس ذات تجارة متصلة
مع بلدان كثيرة غير انها قد انحطت الان وهي تكاد
تنحصر في الارز والخشب الذي يرد اليها من محلات
مختلفة . ولو تعاون اهلها بالغيرة على التماس
المساعدة من الحضرة الخديوية السنية التي لا تألو
جهدًا عن ترقية اسباب العمران والتقدم لنالوا ما 
يقدمهم ويرجع مدينتهم الى اكثر ما كانت عليهِ من
الرونق والاهمية . اما عدد سكانها فهو من ٢٥ الى
ثلثين الف نفس واكثرهم اسلام وثانيهم في الكثرة
الاقباط ثم الروم ثم الكاثوليك واكثرهم على جانب عظيم
من الرقة واللطف ، وفيها وكلاءِ قناصل لاكثر
الدول الاجنبية منهم حضرة الخواجا ميخائيل سرور
وهو وكيل للانكليز ولالمانيا ولايطاليا ولاسبانيا .
وحضرة الخواجا باسيلوس فخر الذي اطال الاقامة 
في بلاد الانكليز وهو فيس قونسلوس فرنسا. وحضرة
الخواجا سليم سلامه فيس قونسلوس البرازيل وحضرة
والده الخواجا ميخائيل فيس قونسلوس البلجيك. وحضرة
الخواجا انطون كحيل وكيل للنمسا ولهولاندا وللدانمرك
وحضرة الخواجا اسكار لاتو لروسيا وحضرة الخواجا
حنا سرور لامركا وغيرهم من الذين لم اتمكن من
مقابلتهم وقد حملت من لطفهم حملاً ثقيلاً. ومن 
الامور المحتاجة اليها هذه البلدة فتح مدرسة لتعليم اللغة
العربية مع فروعها واللغة الانكليزية والفرنساوية .

وبما انني قد رايت رغبتهم الشديدة في ذلك لفائدة
اولادهم وغيرهم قد انشات مدرسة وعينت لها معلمين
فيهم الكفاءة. والمامول انهُ في مدة قصيرة اتم الترتيب 
اللازم بواسطة مساعداتهم وهكذا تكون هذه المدرسة 
الاولى التي فتحت في تلك البلدة على النظام المذكور
وما ذلك الا بالعناية السنية الخديوية فان كل مرغوبها
ترقية اسباب تقدم المعارف والواسطة لذلك المدارس
فبناءً على ما لحضرته المعظمة من المقاصد الخيرية 
قد انشات تلك المدرسة الخيرية ولا ريب في انها بواسطة 
همم حضرته العلية وما لها من الايادي البيضاء تفوز 
المدينة مع تلك المدرسة بما هما في احتياج اليهِ . هذا 
واغتنم هذه الفرصة لاشكر اهالي تلك المدينة اذ رايت 
منهم من اللطف والموانسة ما لا مزيد عليهِ 

يوسف شكور رئيس مدارس الانكليز في مصر

مجلة الجنان - الجزء الثالث عشر - 1 تموز سنة 1874 - ص 444، و 445 (رابط)

الثلاثاء، 6 أبريل 2021

صور الحروف العربيَّة لالیاس صالح

صور الحروف العربيَّة لالیاس صالح
صور الحروف العربيَّة لالیاس صالح



صور الحروف العربيَّة

حضرت منشئَي المقتطف الفاضلين

عاد الكتَّاب في هذه الاثناء الى الكلام على اللغة الفصيحة واللغة العاميَّة وهو البحث الواسع 
الاطراف الذي فتحهُ المقتطف الاغر منذ عشرة اعوام واستجلى فيهِ آراء الكتَّاب في مصر والشام 
فرأى الجمهور راغبًا في الاحتفاظ باللغة الفصيحة وابدال اللغة العاميَّة بها . ويظهر لي مما 
كتبهُ الكتَّاب الآن في هذا المعنى ان رأي الجمهور لم يزل مجمعًا على ذلك وان الرأي الذي 
نشرهُ احد الاجانب في احدى الصحف العربيَّة لم يقع موقعًا حسنًا في النفوس

وقد طالعتُ في بعض مجلدات المقتطف الماضية اقتراحًا على الكتَّاب مفادهُ ابدال 
صور الحروف العربيَّة المستعمله الآن بصور الحروف الاوربيَّة اي ان نكتب لغتنا العربيَّة 
بحروف افرنجيَّة كما يفعل كلٌ منا في كتابة اسمهِ على بطاقة الزيارة . والاعتراضات الّتي 
اعتُرض بها على ابدال اللغة المعربة باللغة العاميَّة لا يُعترض بها على ابدال حروف الخط 
العربية بحروف افرنجية لان الخط امر اصطلاحي متغير وقد كان العرب يكتبون اولًا بالقلم 
المسند ثم بالقلم الكوفي ثم بالقلم البغدادي الشائع الآن وهو ليس على صورة واحدة بل لهُ
صور مختلفة في مصر وطرابلس وتونس ومراكش والفرق بين الخط الكوفي والخط البغدادي 
المستعمل الآن كالفرق بين صور الحروف العربية والحروف الافرنجية . فما ضرَّنا لو اعتمدنا 
كلنا على استعمال صور الحروف الاوربية كما اشار جماعة من نخبة فضلاء الأستانة العلية

ولابدَّ لكل تغيير من فوائد ومضار فاذا زادت الفوائد على المضار فالتغيير من الحكمة 
والَّا فهو من الحماقة . أما الفوائد التي تنجم عن هذا التغيير فهي

اولًا تسهيل بعض الكتب وترخيص ثمنها فان للحروف العربيَّة المعلقة ( المشبوكة ) 
وغير المعلقة اكثر من الف صورة فاذا أُبدلت بجروف افرنجيَّة منفصلة لم يكن للحرف منها 
سوی صورة واحدة او صورتين على الاكثر فيقتصد مرتبو الحروف في الوقت ويقتصد 
اصحاب المطابع في ثمن الحروف ويسقط كل ذلك من ثمن الكتب فيربح المؤلفون والقراء

ثانيًا كتابة اسماء الاعلام الاوربيَّة بغير تحريف فاننا نكتبها حينئذٍ كما تكتب عند 
اهلها تمامًا وكذا الاعلام العربية فاننا نكتبها بالحروف الَّتي تقابل حروفها العربية فينقلها 
الاوربيون عنا كما هي بلا تحريف ولا تخفى فائدة ذلك في عالم التاريخ والجغرافية

ثالثًا كتابة المصطلحات العلميَّة الحديثة وكل الكلمات المعرَّبة الَّتي نبقيها على لفظها 
الاوربي بحروفها الاوربية بلا تغيير ولا تحريف فيسهل النقل من اللغات الاوربية الى اللغة 
العربية كما يسهل النقل من الفرنسويَّة الى الانكليزيَّة مثلًا

رابعا تسهیل قراءة اللغة العربية على الأوربيين واللغات الأوربية على ابناء اللغة 
العربية وهذا التسهيل ليس كبير القيمة لان تعلُّم قراءة اللغة لا يقتضي الَّا درس ايام قليلة 
ولكنه ليس مما يغضُّ الطرف عنهُ

خامسًا ان هذا الابدال يكون خطوة كبيرة في سبيل الغاية العظيمة الَّتي يسعى اليها 
كثير من الفضلاء وهي توحيد اللغة

واما المضار فمنها

اولًا صعوبة نشر الخط الجديدْ وتعوُّد الناس لهُ . فان اهل هذا الزمان يستصعبون 
ذلك وسنبقى عشرين سنةً او حواليها مضطربين في تفضيل النوع الواحد من الخط على 
النوع الآخر وفي ذلك من المشقة والمضرّة ما فيهِ

ثانيًا خسارة الكتب العربية التي الِّفت حَتَّى الآن سواء كانت خطًّا او طبعًا فان 
هذه الكتب تصير سرا مغلقًا على أبنائنا فلا يستطيعون قراءتها ما لم يتعلموا ذلك تعلمًا

ثالثًا ضياع ما في المطابع العربيَّة من الحروف والحركات فانها تصير كلها بثمن 
رصاصها وفي ذلك خسارة كبيرة على اصحاب المطابع

ولا اجزم ان الفوائد نزيد على المضار او توَّازيها اذ المضرَّة الاولى وهي ارتباك 
الناس مدة عشرين سنة والمضرة الثانية وهي اغلاق الكتب العربيَّة على أبنائنا كلٌ منهما
تعادل الفوائد كلها او ترجح عليها كثيرًا لكن ما دام للمسألة وجهان فهي حريَّة بالنظر 
والبحث فعسی ان لا تعدَم می اقلام الكتَّاب الادباء ما يجلو صدأَ الاوهام 
القاهرة الیاس صالح

المصدر: المصدر: المقتطف الجزء الثامن السنة السابعة عشرة، 1 مايو ( آيار ) سنة 1893 الموافق 14 شوال سنة 1310،  ص 556 (رابط).

صور الحروف العربيَّة لنسيم برباري

صور الحروف العربيَّة  لنسيم برباري
صور الحروف العربيَّة  لنسيم برباري


صور الحروف العربيَّة 

حضرة منشئي المقتطف الفاضلين

اطلعت في الجزء الثامن من المقتطف الاغر على مقالة لحضرة الناظم الناثر الياس افندي 
صالح يوجه فيها أنظار الادباء الى البحث في استبدال الحروف العربية بحروف افرنجية
وذكر ما ينجم عن ذلك من الفوائد والمضار

واني اوافق حضرتهُ في المبدإِ ولكنني ارى مضار هذا التغيير تفوق فوائدهُ اذ لو 
عمل بهِ لمسخت اللغة العربية مسخًا وصارت لغة مستقلة لا عربية يعترف بها الاعراب 
ولا افرنجية يقبلها الافرنج. نعم لا انكر ان كتابة اللغة العربية على حالها الحاضرة صعبٌ 
جدًّا وان تغييرها ضروريٌ اذا اردنا أن نجاري الامم الغربية في تسهيل الاعمال التي 
يقتضي لها استعمال آلة الكتابة وما اشبه ولكني لا ارى لزومًا لاستبدال الحروف العربية 
بحروف افرنجية نمسخ بها اسماءَنا بايدينا ولامسخ الافرنج اياها عند ما يخبطون فيها 
خبط عشواءَ واقل ما في ذلك هو ان يكتب اسم علي ” أَلي“ و ” حبيب “ ” هبيب “ و ” قلب “ 
” كلب “ وهذا ما لا يرضى بهِ عربيٌ . والمسخ الظاهر في الاسماء المذكورة لا بدَّ منهُ 
لو استعملت حروف الافرنج لعدم وجود ما يرادف العين والحاءَ والقاف في لغاتهم • 
والطريقة المثلى فيما ارى هي ان تكتب الكلمات العربية باحرف عربية منفصلة بعضها عن 
بعض کالاحرف الافرنجية فبذلك يتم التسهيل الذي ذكرهُ حضرتهُ في الفائدة الأولى 
وتبقى اللغة العربية على حالها فلا يجد المتكلمون بها الآن صعوبة في تعلمها بل قد يرونها 
اسهل كثيرًا من الاولى ويمكنهم بتعب قليل ان يقرأُوا الكتب العربية القديمة ويحلوا 
رموزها. وهكذا نتخلص من المضرتين الاولى والثانية اللتين اشار اليهما

اما الفوائد التي ذكرها في مقالتهِ ففي بعضها نظر كما لا يخفى . واظن ان منع وقوع 
التحريف في تعريب الاسماء الافرنجية او اعجام الاسماء العربية محال ولا يستثنى من ذلك 
نقل الاسماء بين اللغات الافرنجية نفسها فلو سمع الانكليزي افرنسيًّا يقول ” باري “ لما
فهم انها ” بَرِس “ التي تعودها ولو سمع افرنسيٌّ انكليزيًّا يقول ”سكتلند “ لما فهم انها 
” اکوس “ وقس على ذلك كثيرًا من الاعلام التي يختلف لفظها بين اللغتين . وقد 
يعترض علىَّ بان تغيير صور الحروف لا ينتج عنهُ بالضرورة تغيير لفظها بل يمكننا ان 
نصطلح على لفظ الحروف الافرنجية بما يرادفها في العربية كأَن نلفظ حرف H مثلًا كالحاء 
وحرف S كالصاد و K كالقاف وفساد هذا الاعتراض باطل كما يظهر لاول وهلة لانهُ 
ما من افرنجي يمكنهُ أن يلفظ H حاءً او K قافًا او خاءً من تلقاءِ نفسهِ واذا كان لا بدَّ
من تعليمه ان H تلفظ حاءً وهاءً فالاولى تعليمهُ الحروف العربية التي خصصت لكل من 
هذه الاصوات حرفًا مخصوصًا

ولا خلاف ان حاجيات هذا العصر تضطر ابناءَهُ إلى اتخاذ ما يلزم لتسهيل اشغالهم 
وانجازها على وجه السرعة . ومعلوم أن اللغة العربية هي بالنسبة إلى اللغات كتابة موجزة 
او ” ستينوغراف “ وذلك لقلة احرف العلة بها والاعتماد على الحركات التي لا تكتب 
غالبًا وسهولة رسم احرفها وهذا ما يحدو بنا إلى الاهتمام بادخال بعض التغييرات الطفيفة 
فيها طبقًا لمقتضى الاحوال . وليس بخافٍ على شبان العصر ان الاوربيين والاميركيين 
قد استغنوا تمام الاستغناء عن الكتابة باليد واستعاضوا عنها بآلة الكتابة المسماة بالانكليزيَّة 
Type Writer أي كاتبة الطبع وهي تكب نحو ۱۰۰ كلمة في الدقيقة والكاتب الماهر 
قد يكتب بها ۱۲۰ كلمة . فما ضرنا لو اتبعنا طريقة الافرنج وابقينا الكتابة المعلقة في 
المكاتبات المنسوخة بخط اليد معتمدين في المطبوعات على الكتابة المنفصلة .وفوائد هذه 
الطريقة عديدة منها ما يأتي

اولًا تسهيل طبع الكتب و ترخیص ثمنها إلى آخر ما ذكرهُ حضرتهُ في مقالتهِ

ثانيًا تسهيل تعليم اللغة العربية ليس على الأوربيين بل على ابنائها اذ عوضًا عن 
ان يتعلم المبتدئُ ان لحرف الياء مثلًا اربع صور و في الياي المنفصلة والياءُ الواقعة في 
اول الكلمة او منتصفها او آخرها يرى لها صورة واحدة

ثالثًا اننا لا نفقد بذلك اللغة العربية الاصلية وكتبها بل نكون قد استنبطنا 
طريقة جديدة لسهولة تعلمها وزيادة انتشارها

رابعًا نتمكن اذ ذاك من عمل آلة كتابة للغة العربية واستعال الآلة المخترعة حديثًا 
لجمع احرف المطبعة وفي كلتا الآلتين من الاقتصاد في الوقت والنفقات ما لا يخفي

خامسًا يمكننا بادخال تغيير طفيف على الكتابة المستعملة اليوم ان نجعلها كتابة 
موجزة لتدوين اقوال الخطباء والمحامين ونحوهِ

ولست اری مضرةً في هذه الطريقة فالكتابة العربية لم تكن دائمًا كما هي الآن بل قد 
تغيرت على صور شتى. ولذلك فتغييرها الآن لا يعدّ بدعةً في اللغة كما قد يتبادر الى وهم 
البعض بل يعد من المزايا التي اقتضتها طبيعة التقدم والارتقاء
مصر نسيم برباري

المصدر: المصدر: المقتطف الجزء التاسع من السنة السابعة عشرة، 1 يونيو ( حزيران ) سنة 1893 الموافق 16 ذي القعدة سنة 1310،  ص 622 (رابط).