بعد دخول العثمانيين مصر أمر السلطان سليمان القانوني بعمل مساحة جديدة للأراضي المصرية
في سنة 930 هـ وتمت في ولاية سليمان باشا الخادم على مصر وبمباشرة الأمير كيوان في سنة ۹۳۳ هـ كما
ورد في كتاب الإسحاقي أخبار الأول ص ۱٥۰ ، وقد عمل فيها حصر جديد للأراضي الز راعية وما تجبيه
من الخراج ، وفيه قسمت الأراضي الواسعة إلى قرى صغيرة لكل ناحية زمام خاص بها أي وحدة
مالية جديدة ، فزاد عدد القرى زيادة ظاهرة وعلى الأخص في الصعيد عن قرى الروك الناصري ، قال
الإسحاقي : « ضبط الأمير کيوان أرض مصر كل إقليم على حدته من الأطيان والرزق والأوقاف
والإقطاعات وكتب بذلك دفاتر محررة وضعت بديوان مصر تسمی دفاتر ترابيع سنة ۹۳۳ على أساس
الفدان ٤٠٠ قصبة مربعة » ولم نعثر على هذه الدفاتر ولكن بمقارنة ما ورد في كتاب الحملة الفرنسية
على كتاب التحفة السنية ، وبناء على ما ورد في كتاب تاج العروس للزبيدي المتوفى سنة ۱۲۰٥ هـ ،
وكان رحالة جاب بلاد القطر من أقصاه إلى أقصاه وأثبت قرى في كتابه لم يسبق نشرها في كتاب
من الكتب السابقة على العهد العثماني ، وبناء على ما ورد في دفتر مخطوط وجده المؤلف في دار
المحفوظات بالقلعة عنوانه ( دفتر أسماء نواحي الولايات في سنة ۱۲۲٤ بخط ابراهيم الحصاري ) أي
في أوائل حكومة محمد علي وهو سجل لأسماء بلاد القطر المعتبرة وحدة مالية في تلك السنة ، وهذا
الدفتر يشمل أسماء البلاد المصرية الواردة في كتاب التحفة السنية مضافا إليها أسماء البلاد المصرية
التي استجدت في ترابيع سنة ۹۳۳ ثم ما بعدها لغاية سنة ۱۲۲٤ كما أشار إلى ذلك كاتب الدليل
المذكور — بناء على ذلك أمكن معرفة أسماء القرى التي استجدت في التربيع العثماني وأكثرها لم يزل موجوداً إلى اليوم ، وقد بلغ عدد النواحي في التربيع المذكور ۲۹۱۷ ناحية وبذلك زاد 634 قرية
عن بلاد الروك الناصري منها 451 ناحية استجدت في الصعيد و ۱۸۳ في الوجه البحري . والترابيع
قوائم من الورق مربعة الشكل تكتب فيها عملية المساحة في كل قرية ، وبضم ترابيع كل قرية بعضها
إلى بعض كانت دفاتر الترابيع التي أشار إليها الإسحاقي في كتابه والتي كان عليها المعول في تقدير
الأموال الأميرية وحصر أسماء القرى في العهد العثماني . والترابيع هذه غير المربعات التي كانت في حكومة المماليك ، فقد ورد في صبح الأعشى ( ج ۳ ص ۱٥۳ ) أن المربعة وثيقة مربعة الشكل تعطی
لكل صاحب إقطاع يثبت فيها اسمه ومقدار إقطاعه الخ .
المماليك وغيرهم من الملتزمين ونظار الأوقاف رأى إلغاء الالتزام جملة ووضع ضرائب ثابتة على
الأطيان ، فأصدر أمره في سنة ۱۲۲۷ بفك زمام جميع أراضي القطر المصري ومسح كل قرية على
حدتها وفصل نواح جديدة من النواحي القديمة و إحصاء جميع النواحي المستجدة والقديمة بأسماء
واضعي اليد عليها وقت المساحة في دفاتر خاصة عرفت باسم دفاتر التاريع ، ولم تعمل خرائط ولا رسوم مساحية بل كان القياس بالقصبة ثم يحول إلى الفدان . قال الجبرتي في حوادث سنة ۱۲۲۷ هـ
في الجزء الرابع من عجائب الآثار (ص ۱٤۱، ۱٥۳) أخذ ، أي ضم للدولة ، ابراهيم باشا عند عمل
مساحة الصعيد 600 ألف فدان من الأراضي المحبسة على المساجد في القاهرة ، وقال في ص ۱۸۳
من الجزء نفسه انتهت حوادث سنة ۱۲۲۸ وفيها صادر محمد علي كل الخيرات التي في الصعيد ،
وذكر في حوادث سنة ۱۲۲۹ أن المعلم غالي وزير مالية محمد علي سافر إلى الوجه البحري لعمل
المساحة الخ . ومما ذكر يتضح أن مساحة الوجه القبلي تمت سنة ۱۲۲۸ والوجه البحري سنة ۱۲۲۹.
ولكن بمراجعة دفاتر التواريع في دار المحفوظات في القلعة اتضح أن مساحة محمد علي تمت في ثلاث
سنوات ، في سنة ۱۲۲۸ في الوجه البحري والجيزة ، وفي سنة ۱۲۳۰ تمت عملية المساحة في الفيوم
وبني سويف والمنيا وأسيوط ، وفي سنة ۱۲۳۱ تمت عملية المساحة في جرجا وقنا وأسوان ، وقد
أطلق اسم تاريع وتواريع على دفاتر المساحة للأراضي الزراعية منذ عهد محمد علي . وذكر السيد
مرتضى الزبيدي في كتابه تاج العروس : أن التريع كأمير ما يكتب فيه ريع البلاد، والظاهر أن موظفي
ديوان الروزنامه والمساحين في عهد محمد علي أطلقوا كلمة التاريع على دفاتر المساحة لأنها هي
الأساس في حصر الأراضي الزراعية التي ينتج منها ريع البلاد أى إيراداتها ، واصطلح الكتاب
بعد ذلك على استعمال كلمة تاريع بمعنى مساحة فيقال تاريع كذا أي مساحة كذا ودفتر تاريع سنة
كذا أي دفتر مساحة سنة كذا . ولقد اطلع المؤلف على جميع دفاتر التاريع المحفوظة في ديوان دار المحفوظات بالقلعة وفحصها لأغراض علمية واستفاد منها ، ووجد في كل دفتر أمرا باضافة الأموال
الخراجية على المزارعين واضعي اليد على الأراضي الزراعية بكل قرية وتكليفهم بتوريد الأموال
لجانب الديوان ، وأغلب هذه الأوامر بختم محمد علي وخليل الوهيبي ، وبعضها بختم محمد خسرو
الدفتردار والقليل بختم محمد کنج حاكم ولاية الأشمونين .
توزيع الأراضي على الأهلين والملتزمين سيئة للغاية ، ولم يكن لتحصيل الأموال الأميرية أي ضابط
قبل تاريع سنة ۱۲۲۸ لحصر الأراضي الصالحة للزراعة ، وفي هذا التاريع قسمت البلاد ذات
المساحة الواسعة إلى نواح أخرى بزمام خاص ، وبناء على طلب أصحاب الأراضي الزراعية زاد عدد
النواحي في أيام محمد علي ۳۳۱ ناحية منها في الصعيد 163 وفي الوجه البحري ۱٦۸ عن التربيع
العثماني ، ولم يصرح محمد علي بزيادة النواحي المالية بعد ذلك وإنما صرح بزيادة التوابع من
الكفور والأبعاديات والعزب في البلاد ذات الزمام الواسع ليكون المزارعون بالقرب من مزارعهم مع
إبقاء هذه التوابع تابعة في الإدارة والزمام للبلاد الأصلية الكائنة في زمامها . ولما تولى سعيد باشا
الضرائب على ما يكون ساقط الحصر منها ، فانتهز أصحاب العزب والكفور إطلاق أسمائهم على
كفورهم فأجاب طلبهم على شرط ألا تقل أرض الكفر الواحد عن مائة فدان ، وقد فصل من هذه
الكفور عدد عظيم من القرى الجديدة بأسماء أصحابها تارة و بأسماء البلاد الأصلية تارة أخرى .
وكان المباشر لهذه المساحة الجديدة المهندس بهجت باشا ، وقد تم على يده مساحة المنوفية والغربية
الفيضان عنها . وقد استمرت كلمة تاريع تطلق على دفاتر المساحة إلى آخر عهد سعيد باشا ،
وفي سنة 1864 م صدر قرار بأن لا يفك زمام إلا بأمر عال وإذا وجدت مساحة جديدة تكون من
حق الحكومة . ولم تكن هناك مصلحة للأعمال المساحية منذ الفتح العربي الأول إلى سنة ۱۸۷۹
وهي السنة التي أسست فيها مصلحة التاريع ، وكان عمال المساحة من المساحين والقياسين في عهد حكومة سعيد والحكومات التي قبلها مقيمين في بلادهم تحت طلب الحكومة ، وقد زاد عدد
النواحي ذات الوحدة المالية في تاريع سعيد باشا عن تاريع محمد على ٤۷۲ ناحية بعد حذف ۱٦٦
ناحية ألغيت وحدتها المالية من تاريع محمد علي ، وكانت جملة النواحي في تاريع سعيد ۳٥٥٤
ناحية منها في الصعيد ۱۳۹۸ ناحية ، وفي الوجه البحري ۲۱٥٦ ناحية . وكانت جملة النواحي
في تاريع محمد علي ۳۰۸۲ ناحية منها ۱۲۱۷ ناحية في الصعيد و۱۸٦٥ في الوجه البحري . ومنذ
سنة ۱۲۷٥ هـ وجدت النواحي الإدارية وكانت النواحی قبلا كلها مالية فقط ، وكان عدد النواحي
في أيام الوالي سعيد ۳٥٥٤ ناحية أضيف إليها ۸۰ ناحية إدارية ، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ
تكوين البلاد المصرية التي أنشئت فيها نواح إدارية لم يفرزها زمام خاص أي لم تكن ذات وحدة
مالية بين القرى غير المدن التي هي قواعد الأقاليم ؛ وفي سنة ۱۸۸۲ عملت إحصائية لسكان
القطر المصري على أساس تاریع سعيد باشا فكانت جملة النواحي ۳٦۳۹ ناحية مالية وإدارية ،
المحاكم الشرعية . وكانت جملة النواحي فيه ۳۸۳۳ ناحية ما بين قرية ومحافظة ، وفي أواخر
درجات الأطيان لاستئصال الغبن الواقع على واضعي اليد ، وفي سنة ۱۸۷۹ عين المستر کلفن
مديراً لها وفي السنة نفسها قررت إنشاء تاريع عموي لكل جهات القطر . وفي سنة ۱۸۸۰ استعمل
الجنزير في مساحة الأراضي الزراعية ولم يستحسنه الأهالي لأول وهلة لعدم ثقتهم بنتائجه ، ثم تولى
إدارة التاريع الجنرال الأمریکي ستون باشا ثم المسيو لوغود فالسير هيوز ، وفي سنة ۱۸۹۲ بدأ
العمل بفك زمام مديريتي الشرقية والبحيرة وحتى سنة ۱۸۹٦ لم يتم فك الزمام المطلوب .
من عمل المساحة العامة فاستدعت المهندس الانجليزي الشهير الذائع الصيت المستر فولر الذي مسح
البلاد الهندية للهيمنة على عمل المساحة المصرية ، وبعد أن طاف بلاد القطر رسم جهازاً مساحياً
دقيقاً يؤدي إلى إجراء المساحة التفصيلية بطريقة علمية صحيحة ، ثم عاد لبلاد الهند سنة ۱۸۹۷ بعد
أن أدخل على طريقة المساحة المصرية عملية الترافرس بالتودیلیت وعملية تحشية الأراضي بالغيط
المساحة المصرية ، فقام بما أشار به المستر فولر على الأساس العلمي الصحيح والقواعد الفنية الدقيقة
وأمر بابطال القصبة نهائياً واستعمل الجنزير الذي طوله خمس قصبات ، وفي سنة ۱۸۹۸ صدر
منشور بإبطال قصبة الغاب من الأعمال المساحية بالمديريات واستبدالها بالجنزير المستعمل
في مصلحة المساحة من أول يناير سنة ۱۸۹۹ إلى الآن ، وبذلك اختفت القصبة نهائياً من دواوین
الحكومة وفروعها بعد استعمالها قروناً وأجيالا في مساحة الأراضي الزراعية ، ويعد اختفاؤها من أكبر
الحسنات في تاريخ مصر الزراعي .
وحدة مالية رأت مصلحة المساحة أن زمامها متداخل في زمام البلاد المجاورة لها فاعتبرتها ناحية
مالية واحدة باسم مشترك في الخريطة المساحية وفي دفتر المساحة ودفتر المكلفة ، كما أنشأت ۸۲ وحدة مالية جديدة فصلتها بزمام خاص وهي من ضمن النواحي الإدارية التي بلغ عددها ۳٥۹ ناحية
لغاية نهاية سنة 1906 ، وكانت النتيجة النهائية للمساحة العمومية من سنة ۱۸۹۹ إلى سنة 1906
مایلي : نواح مسحت أراضيها وعمل لها خرائط مساحية ودفتر مساحة ودفتر مكلفات وهی ۳٤۳۰
ناحية منها في الصعيد ۱۳۸۷ ناحية وفي الوجه البحرى ۲۰٤۳ ناحية ، وفي سنة 1909 نشرت وزارة
المالية جدولا به إحصاءات عمومية تفصيلية عن أسماء هذه النواحي وأسماء أحواضها ومقدار الضريبة
المالية المفروضة عليها . ونشرت المالية أيضاً جدولا آخر بأسماء البلاد المصرية سنة ۱۹۱۰ فكان
مجموع البلاد فيه ۳۷۷۹ ناحية منها ۳٤۳۲ ناحية مالية و ۳٤۷ ناحية إدارية وفي سنة ۱۹۲۸
أصدرت وزارة الداخلية جدولا بأسماء البلاد المصرية فكان مجموعها ۳۹۸۳ ناحية منها ۲۳٤٦
في الوجه البحرى و ۱٦۳۷ ناحية في الصعيد وفي سنة ۱۹۳۳ كانت جملة النواحی ٤۱۱۱ ناحية منها
۳٦۷٥ ناحية مالية و 436 ناحية إدارية كما بلغت جملة النواحي القديمة والحديثة لغاية نهاية
سنة ۱۹٤۳ م ٤۲۹۳ ناحية منها في الوجه البحري ۲٤٥۰ ناحية وفي الوجه القبلي ۱۷٥٥ ناحية
وفي مصلحة الحدود ۸۸ ناحية وبلغت جملة النواحي الإدارية ۳۷۲ ناحية منها ۱۸۲ ناحية في الوجه
البحري و ۱۹۰ في الصعيد .
في الوجه القبلي و ۱۰۰۳ ناحية في الوجه البحري و٦۰ ناحية في مصلحة الحدود .
التقسيم الجغرافي للبلاد المصرية
تنقسم البلاد المصرية من الوجهة الطبيعية إلى قسمين رئيسيين هما الوجه البحري أو أسفل الأرض
أو مصر السفلى أو الريف ، وهو ما كان في شمال مدينة مصر ، والوجه القبلي أو أعلى الأرض أو الصعيد
وهو ما كان من جهة الجنوب من مدينة مصر ، وكل قسم منهما ينقسم إلى أقسام صغيرة الغرض منها سهولة حكم الإقليم وجبي ضرائبه والإشراف على شؤونه .
ولما كانت مساحة الدلتا وتوزيع فروع النيل تتغير تبعاً لتطور النهر في الزمن القديم فقد كان
هذا التقسيم عرضة للتغيير والتبديل في العصور التاريخية التي تعاقبت على هذا الإقليم . أما في الوجه
القبلي فقد كانت التغييرات مقصورة على الحدود الفاصلة بين حياض الري في الصعيد ، وكان اتساع
العمران في الأراضي الزراعية بسبب تنظيم طرق الرى دافعاً إلى زيادة عدد السكان في بعض المناطق
وكان خراب القرى لإكمال تطهير الترع وعدم وصول المياه إلى أراضيها سبباً في قلة السكان
في البعض الآخر ، هذا إلى أن الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كان لها تأثير كبير
في تغيير حدود الأقسام الجغرافية .
ولقد كانت الوحدة الإدارية السياسية قائمة في عصر البطالسة فالرومان على النوم Nome وهي
كلمة يونانية أطلقت للدلالة على الكلمة المصرية هسبو Hespo ومعناها القسم ، وليس لهذه الوحدة من مشابه في عصرنا الحاضر لأنها تدل على وحدة إدارية أصغر من مساحة المديرية وأكبر من مساحة
المركز ، وينقسم النوم إلى عدة قرى يطلقون على الوحدة منها كلمة كوما Coma ، وكان يشرف على إدارة
النوم حاكم يعرف بالنومارك يجمع الضرائب ويشرف على الإدارة العامة ويعاونه في ذلك قضاة
وموظفون وكتبة ، وكان لكل من هذه الوحدات الإدارية القديمة آلهة وقسس يقيمون الشعائر
الدينية في الحفلات الرسمية ، فكان الأهلون في منديس يقدسون التيس ، على حين كان أهل الفيوم
يقدسون التمساح ، بينما كان أهل طيبة يقدسون الكبش ، وكثيراً ما كانت تنشب الحروب بين أهل كل
نوم وآخر بسبب هذه المعبودات المختلفة .
ولما جاء العرب أطلقوا كلمة كورة على النوم ، وكانت الكورة تكبر وتصغر بحسب ظروف
الزمان والمكان وتفاوت الحضارة والعمران ورغبة الحكومة القائمة بالأمر أو حكام الأقاليم في إنشاء
أو إلغاء كل أو بعض الأقسام الإدارية السياسية الأغراض خاصة أو عامة ، وكانت مصر مقسمة إلى
ثمانين كورة قبل حكم الدولة الفاطمية وفي صدرها ، ولاعتبارات رآها رجال الخليفة الفاطمي
المستنصر قسم القطر إلى ۲۳ كورة كبيرة تشمل الثمانين كورة الصغيرة ، وهي التي أسمتها
حكومة المماليك عملا فيما بعد ، ويرادف كلمة الكورة في عصرنا الحاضر كلمة مركز ،
وهي كلمة قديمة مستعملة من القرن التاسع الهجري بمعنی دار الشرطة أو نقطة البوليس كما هو
الحال الآن ( انظر الخطط للمقريزي ج ۲ ص ۱٦۱ ) ويرادف كلمة العمل المديرية في عصرنا
الحالي ، وكانت المديرية على عهد العرب الأول تسمى إقليما ، وأقدم تقسیم عرف بالأقاليم
على عهد العرب هو ماذكره المقدسي المتوفي سنة ۳۷٥ هـ فقد قسم مصر إلى سبعة أقاليم ،
أولها الجفار وقاعدته الفرما وآخرها الواحات ، وفي المقريزي ( ج ۱ ص ۸۲ ) قائمة محررة
سنة 585 هـ أي في أوائل عهد الأيوبين فيها 16 عملا في الوجه البحري و11 في الصعيد
ولقد ذكر ابن خرداذبه المتوفى سنة ۲٦۰ هـ أعمال مصر في كتابة المسالك والممالك وذكرها اليعقوبي
المتوفى سنة ۲۸۰ في كتابه البلدان ، وذكرها الهمذاني المتوفي سنة ۲۸٥ هـ وقدامة المتوفى سنة ۳۱۰ هـ
في كتابهما البلدان أيضاً ، وذكرها المسبحي المتوفى سنة ٤٢٠ هـ في كتابه أخبار مصر وذكرها
القضاعي المتوفى سنة ٤٥۲ هـ في كتابه المختار ، كما عدها ابن مماتي المتوفى سنة 606 هـ في كتابه
قوانين الدواوين ، وصاحب تحفة الإرشاد الذي كتبها سنة 698 هـ وابن دقماق المتوفى سنة ۸۰۹ هـ في كتابيه الانتصار وقوانين الدواوين ، وصاحب صبح الأعشى المتوفى سنة ۸۲۱ هـ في ص ۳٦۹ ج ۳ كما
عدها صاحب التحفة السنية المتوفى سنة ۸۸٥ هـ والظاهري خليل وغيرهم . وكان أقصى ما بلغت
إليه الأعمال أي المديريات في عهد العرب والترك والجراكسة ۲٦ عملا ثم تناقصت إلى أن بلغت ۱٥
عملا ، وكان أقصى ما وصلت إليه الكور ۸۰ كورة . وجاء عد الكور في كتابي ابن خرداذبه واليعقوبي
وفي صبح الأعشی ( ج۳ ص ۳۷۹ ) نقلا عن القضاعي ، وفي خطط المقریزي ( ج ۱ ص ۷۲ ) وما بعدها ،
كما عد الكور الدمشقي المتوفى سنة ۷۲۷ هـ نقلا عن المسبحي ، وابن دقماق نقلا عن ابن حوقل المتوفى
سنة ۳٦۷ ، وكان عدد الكور والأعمال يزيد وينقص تبعاً للتغييرات الإدارية التي يستدعيها نمو السكان
وحالة الأعمال . ومن الواضح أن كل كاتب جغرافي من الذين نقلنا عنهم هذه الإحصاءات عن
الكور والأعمال والقرى كان ينقل عن الكتب التي اطلع عليها لا حسب عددها الحقيقى — على
الطبيعة — في عصره ، ما عدا الموظفين الرسميين من هولاء المؤرخين .
وكان لكل عمل مدينة تعتبر قاعدة له ، وكانت كل كورة تشمل عدداً من القرى ، وكل قرية
معتبرة وحدة مالية وإدارية معاً .
وكان المصريون من الفراعنة يتراوحون من ٦ إلى ۱۲ مليوناً من الأنفس ، وكانت مصر مقسمة
إلى قسمين كبيرين هما الوجه البحري والصعيد ، وكان في الوجه البحري ۲۰ قسما وفي الوجه القبلي ۲۲
قسما ، وعدد القرى في الوجهين ۲٥۰۰ قرية منها حوالى الألف قرية كبيرة وحوالى الستين مدينة بما
فيها الثغور ، أما أيام البطالسة والرومان فكان السكان يتراوحون من ٧ ملايين إلى عشرة ملايين
وكانت مصر مقسمة في عهدهم إلى ثلاثة أقسام كبيرة هي الوجه البحري وكان مقسما إلى ۳۳ قسما
إدارياً ومصر الوسطى وكانت مقسمة إلى 7 أقسام ومصر العليا وكانت مقسمة إلى ١٤ قسما .
وكان مجموع الأقسام في عهد البطالسة ٥٤ قسما . وأبقى الرومان على تقسيم اليونان مصر إلى
الأقاليم الثلاثة الكبار ، ولكنهم قسموا الوجه البحري إلى ۲۲ قسما بدلا من ۳۳ وجعلوا مصر الوسطى
٦ أقسام ومصر العليا ۸ أقسام فكان مجموع الأقسام في صدر العهد الرومان ۳٦ قسما . وبعد
انقسام دولتهم إلى قسمين كبيرين ، الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية ، والدولة
الرومانية الغربية وعاصمتها روما ، تبعت مصر للأولى فأعادت تقسيمها إلى ستة أقسام كبيرة :
٢ في الوجه البحري وأربعة في الصعيد . أما إقليما الوجه البحري فهما إقليم أوجستامنيك و إقليم مصر
والأول يتكون من أبروشيتين هما أبروشية قسم أول وتتكون من سبعة أقسام وقاعدتها مدينة بيلوز
أي الفرما ، وأبروشية قسم ثان وتتكون من ستة أقسام وقاعدتها مدينة ليونتو ومكانها تل المقدام بمركز
ميت غمر . وأما إقليم مصر فكان مكوناً من أبروشيتين هما أبروشية قسم أول وتتكون من عشرة أقسام وقاعدتها مدينة الإسكندرية ، وأبروشية قسم ثان وتتكون من عشرة أقسام وقاعدتها مدينة كباسا وهي شباس الشهدا بمركز دسوق ، فكان مجموع أقسام الوجه البحري ۳۳ قسما بخلاف إقلیمي برقة وبني
غازي اللذين كانا تابعين لمصر في ذلك العهد . وأما الأقاليم الأربعة في الوجه القبلي فهي أبروشية
أركاديا وتتكون من ثمانية أقسام وقاعدتها مدينة اكسرنخوس وهي البهنسا بمركز بني مزار ، وأبروشية
طيبة السفلى وتتكون من تسعة أقسام وقاعدتها مدينة انطينو وهي أنصنا التي كانت بأرض الشيخ عباده بمركز ملوي ، وأبروشية طيبة الوسطى وتتكون من ۱۲ قسما وقاعدتها مدينة بطولیمایس وهي المنشاة بمركز جرجا ، وأبروشية طيبة العليا وتتكون من أربعة أقسام وقاعدتها مدينة أسوان ، وكان مجموع أقسام الوجه القبلي ۳۳ قسما .
وكان عدد السكان في زمن الفتح العربي لايتجاوزة ٦ ملايين نفساً ، ولما استولى العرب على
مصر أطلقوا اسم أسفل الأرض على الوجه البحري واسم الصعيد على الوجه القبلي ، ثم أبدلوا اسم أوجستامنيك باسم الحوف ، وأطلقوا على إقليم مصر اسم الريف ، وجعلوا الحوف ۱٤ كورة بدلا من ۱۳ قسما كانت في عهد الرومان كما جعلوا الريف ۳۱ كورة بدلا من العشرين قسما فكان المجموع ٤٥ كورة
في الوجه البحري ، أما الصعيد فجعلوه ۳۰ كورة أي أن مجموع الكور في الوجهين كان ۷٥ كورة ،
وفي القرن الثالث الهجري قسم الوجه البحري إلى ٣ أقاليم كبرى وهي الحوف الشرقي وقاعدته مدينة
بلبيس ويتكون من ١١ كورة ، وبطن الريف ويتكون من ۲۰ كورة ، والحوف الغربي ويتكون من ١٥ كورة وقاعدته مدينة الإسكندرية ، فكان مجموع الكور في الوجه البحرى ٤٦ كورة بخلاف
كورة لوبيه غربي الإسكندرية و۳ كور أخرى هی كورة القلزم ( السويس ) وكورة الطور ، وكورة إيام
ومدين من بلاد الحجاز حيث كانت تابعة لمصر في ذلك الوقت ، وكان في الصعيد ۳۰ کورة فكان
مجموع الكور في مصر وتوابعها إلى آخر الدولة العباسية وصدر الدولة الفاطمية ۸۰ كورة .
وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري رأي رجال الخليفة الفاطمي المستنصر إبدال تقسيم
القطر كله من كور صغيرة إلى كور كبيرة بلغت ۲۲ كورة ۱۲ في الوجه البحري وعشرة في الصعيد ،
وهذا التقسيم هو الأساس الذي ظلت تدور في فلكه التقسيمات السياسية الإدارية إلى الآن أي قرابة
ألف من السنين ، وبلغ فيه عدد القرى في الوجهين ۲۱٤۸ قرية منها ۱٦۰۱ في الوجه البحري
و ٥٤۷ في الصعيد بخلاف الثغور كما رواه لنا أبو صالح الأرمني المتوفى سنة ٥٥٠ هـ في كتابه الأديرة
والكنائس . ثم احتفظ الأيوبيون بهذا التقسيم وأضافوا إليه كورتين أخريين هما كورة الدنجاوية
في إقليم الغربية وكورة الكفور الشاسعة باقليم حوف رمسيس ، وبذلك أصبح عدد الكور ۲٤ كورة .
وكان عدد السكان في حكم دولتي المماليك الأتراك والجراکسة يتراوح بين ٦ مليون و ١٦ مليوناً
من الأنفس ، وفي سنة ۷۱٥ هـ أصدر الملك الناصر محمد بن قلاوون مرسوماً قرر فيه أن يفك زمام
القطر المصري — ويسمى هذا المرسوم بالروك الناصري — وأن تسمى الكورة عملا مع تعديل التقسيم الإداري السياسي وجعل الأعمال ۲۱ عملا بدلا من ۲٤ كورة ، فكان الوجه البحرى ۱۲ عملا منها
۳ أنشئت في تلك السنة وهي القليوبية وضواحي القاهرة وقد فصلتا من كورة الشرقية . ثم ضواحي الإسكندرية وقد فصلت من كورة رشید ، وكورة البحيرة . وأمر الملك الناصر كذلك بضم كورة المرتاحية
إلى كورة الدقهلية وجعلها عملا واحداً باسم أعمال الدقهلية والمرتاحية . وأطلق على كورة الأبوانية اسم
ضواحي ثغر دمياط . وأمر بضم كورة السمنودية والدنجاوية وجزيرة قوسنيا إلى أعمال الغربية ، وضم
نواحي حوف رمسيس والكفور الشاسعة إلى أعمال البحيرة . وأمر بجعل الوجه القبلي تسعة أعمال بعد
ضم كورة البوصيرية إلى كورة البهنساوية . وأنشأ الأعمال المنفلوطية . ويمكن مراجعة الكور والأعمال بالتفصيل من تعليقات المؤلف عليها في الصفحات ۳۸ و ۳۹ و ٤٠ و٤٢ من الجزء التاسع من
النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ، وكان هذا التقسيم الجغرافي هو الذي استقر عليه الحال
طول حكم دولتي المماليك ، وقد أحصى ابن الجيعان قرى القطر في كتابه التحفة السنية في سنة ۸۸۳ هـ وعددها ۲۲۸۳ قرية غير المشتركة مع غيرها في الزمام، وفي سنة ۹۳۳ أي في أوائل الحكم العثماني
فك زمام القطر المصري وهو الذي عرفت دفاتره باسم الترابيع وغيرت فيه كلمة أعمال وكور باسم
ولاية ، وقسم القطر كله إلى ۱۳ ولاية منها ٧ في الوجه البحري و٦ في الوجه القبلي أي ضمت فيه
أعمال الأسيوطية والأخميمية والقوصية بعضها إلى بعض وجعلت ولاية واحدة باسم ولاية جرجا ،
وكان الوجه البحري يشمل القليوبية والشرقية والدقهلية والغربية والمنوفية والبحيرة والجيزة ، والوجه القبلي يشمل الأطفيحية والفيومية والبهنساوية والأشمونين والمنفلوطية وجرجا هذا بخلاف ٦ محافظات هي الإسكندرية و رشید ودمياط والعريش والسويس والقصير ، وكان يرأس كل ولاية حاكم أو كاشف
ويرأس كل محافظة محافظ ، أما القاهرة فكان يرأسها شيخ البلد وهي مقر الوالي التركي ، وسجل فانسلیب الرحالة في القرن السابع عشر الميلادي في الصعيد الأعلى ۲٤ کشوفية وفي مصر الوسطى ٦ كشوفيات
وفي الوجه البحري ٦ کشوفيات والمجموع ۳٦ کشوفية ، ودونت الحملة الفرنسية في كتابها وصف
مصر ١٦ إقليما في مصر نصفها في الوجه القبلي ونصفها في الوجه البحري بالحدود الآتية :
(۱) طيبة من الكلابشة قبلي الشلال إلى فاو بحري دشنا .
(۲) جرجا من الرئيسية بمركز دشنا إلى شندويل بمركز سوهاج .
(٣) أسيوط من باصونه بحري صليبة السمارنه إلى نزالي جانوب بمنفلوط .
(٤) المنيا من القوصية بمنفلوط إلى إطسا بمركز سمالوط .
(٥) بني سويف من البيهو بمركز سمالوط إلى آخر حدود مركز الواسطى من بحري .
(٦) الفيوم بحدودها الحالية في الصحراء الغربية .
(۷) إطفيح في البر الشرقي للنيل من المطاهرة البحرية بمركز المنيا إلى دير الطين قبلي مصر القديمة.
(۸) الجيزة من مركز العياط بأكمله في البر الغربي للنيل إلى أبوالخاوي بمركز كوم حماده .
وفي الوجه البحرى :
(۱) قليوب من أثر النبي إلى بحر مويس بمركز بنها .
(٢) الشرقية بحدودها لغاية سنة ١٩١٢ أي قبل إنشاء مركز بنها .
(٣) المنصورة من أسنيت بمركز بنها إلى المحالبة بمركز المنزلة .
(٤) دمياط مرکز فارسكور والمنزلة من الدقهلية ماعدا الكردي إلى الجمالية ومركز شربين
والنصف البحري من مركز طلخا بالغربية .
(٥) الغربية بحدودها القديمة قبل تعديل سنة ۱۸۹۸ ماعدا مركز شربين وبحري طلخا .
(٦) منوف حسب حدودها القديمة قبل سنة ۱۸۹۷ .
(۷) رشید مرکز فوه والنصف البحري من دسوق من الغربية والمحمودية من مديرية البحيرة .
(۸) البحيرة بحدودها ما عدا مرکز رشید .
ولما تولى محمد على حكم مصر سنة ۱۸۰٥ كانت مصر لا تتجاوز الثلاثة ملايين من الأنفس ،
وكان رجال الحملة الفرنسية قد قدروا سكان مصر باثنين من الملايين فقط ، فأمر محمد علي بتقسيم
مصر إلى أخطاط يشمل كل خط منها عددا من القرى ، وعلى رأس الخط موظف يسمى حاكم
الخط ، ونظراً لاتساع دائرة الولايات وضرورة وجود موظفين للإشراف على أعمال حكام الأخطاط
ومشايخ البلاد أمر محمد علي سنة ۱۲۳٦ هـ بتقسيم ولاية البهنسا والأشمونين کلا إلى أربعة أقسام
وعين لكل قسم موظفا باسم ناظر قسم ، وكانت هذه أول مرة أنشئت فيها الأقسام أي المراكز
في العصر الحديث ، وفي سنة ۱۲۳۸ قسمت ولاية الشرقية والدقهلية والغربية والبحيرة إلى أقسام
كذلك وعين لكل قسم ناظر قسم ، وفي سنة ۱۲٤۱ هـ - ۱۸۲٦ م أمر محمد علي بابطال اسم ولاية
وأن تستبدل بها كلمة مأمورية ، وكانت ۲٤ مأمورية في الوجه البحري و١٠ في الوجه القبلي ،
وكل مأمورية قسمت إلى قسمين فأكثر حسب اتساع دائرتها ، ويرأس كل مأمورية موظف باسم
مأمور كما يرأس القسم ناظر القسم ، ولما رأی محمد علي أن اسم المأمورية بدل في معناه على أنه
أصغر من الولاية أصدر أمراً في أول سنة ۱۲٤۹هـ - ۱۸۳۳ م بتغيير كلمة مأمورية إلى مديرية وهو
الاسم المعتمد إلى اليوم في تسمية الأقاليم المصرية ، وجعل المديريات ١٤ مديرية يرأس كلا منها
مدير ، و بذلك رجع محمد علي إلى تقسيم البلاد الجغرافي على عهد الفاطميين فالأيوبيين فالمماليك
وقد زاد محمد علي في الأقسام الإدارية لتركيز السلطة وتوحيد أعمالها في المديريات ، وبلغ
عدد الأقسام الإدارية لغاية آخر حكم سعید ٤۷ قسما تشتمل على ۳٦۳۹ قرية ، وقد سار اسماعيل
على نهج جده في التعمير والإصلاح حتى بلغ عدد السكان في إحصاء سنة ۱۸۸۲ حوالي سبعة
ملايين من الأنفس ، وأنشئ في عهده ۱۷ قسما وبلغت الأقسام في آخر حكمه ٦٤ قسما ، وفي سنة
۱۸۷۱ أصدر اسماعيل أمراً باطلاق كلمة مركز بدلا من قسيم في الوجه البحرى واسم مأمور بدلا
من ناظر قسم على رئيس المركز ومعاون إدارة بدلا من حاكم خط ، أما في الوجه القبلى فقد أصدرت
وزارة الداخلية منشوراً باستعمال كلمة مركز بدلا من قسم اعتباراً من سنة ١٨٩٠ أسوة بالوجه
البحري ، وفي سنة ۱۸۸۰ أصبح عدد المراكز ۷۳ مرکزاً ، وفي سنة ۱۹۳۷ صار عدد السكان
قريباً من ١٦ مليون نسمة وأصبح عدد المراكز في الوجه القبلي والبحري ۷٥ مرکزاً تشتمل على ٤۱۸۸
قرية مالية وإدارية بخلاف محافظات القاهرة والإسكندرية والحدود والقنال والسويس ودمياط .
ونظرا لاتساع دائرة المدن التي فيها عواصم مديريات رأت وزارة الداخلية سنة ١٨٩٠ ضرورة
فصل هذه المدن عن المراكز التابعة لها على أن ينشأ في كل مدينة مأمورية قائمة بذاتها ذات حدود
معينة تفصلها عن قرى المراكز ويرأسها مأمور بندر للتمييز بينه و بين مأمور المركز ، وقد أنشأت
الحكومة منذ تلك السنة ۱۲ مأمورية في مختلف نواحي القطر ٦ في الوجه البحري و٦ في الصعيد .
واضع القاموس الجغرافي
ولد المرحوم محمد رمزي في مدينة المنصورة في يوم 17 أكتوبر سنة ۱۸۷۱ الموافق ليوم ۳
شعبان سنة ۱۲۸۲ هـ وكان أبوه عثمان بك رمزي من رجال الخديوي اسماعيل الذين استفادوا من
قرار سنة 1867 القاضي باعطاء الأراضي البور لمن يستصلحها وربط العشور عليها بعد 15 سنة
من تاريخ الإعطاء ، وقد أعطى ۳۰۰ فدان في أرض المقاطعة وكفر سعد من أعمال مركز السنبلاوين
وأنشأ فيها عزبتين وقفهما فيما بعد ، وجده مصطفی أغا کِسْکه من رجال المدفعية الذين انتقاهم
الكولونيل سيف ( سليمان باشا الفرنساوي ) من الضباط الأتراك لتعليم المصريين فنون الحرب عندما
قرر محمد علي إنشاء الجيش المصرى على النظام الحديث .
وفي سنة ۱۲۹5 هـ – ۱۸۷۸ م أحضر له والده فقيها علمه القراءة والكتابة ، ومكث في المكتب
ثلاث سنوات في عزبة والده بالمقاطعة ، ثم ألحقه والده بمدرسة القبة بضواحي القاهرة ، وكان أكثر
تلاميذ هذه المدرسة من أبناء الضباط الذين اشتركوا في الثورة العرابية فتعطلت المدرسة وألغيت نهائياً
بعد صيف سنة ۱۸۸۲ ، ثم ألحقه والده بمدرسة المنصورة الابتدائية ، ثم التحق بالمدرسة التجهيزية
بدرب الجماميز سنة ۱۸۸6 — وهي المدرسة الخديوية فيما بعد — وفي سنة 1890 التحق بمدرسة
الحقوق الخديوية وكانت في شارع عبد العزيز مكان مدرسة المعلمين الأولية و بقي بها إلى السنة
الثانية ، وفي صيف سنة ۱۸۹۲ حصل شقاق بينه و بين والده فانقطع عن الذهاب إلى مدرسة
الحقوق وسكن مع زميله محمد بك توفيق المهندس بمصلحة التليفونات ، وفي أواخر سنة ۱۸۹۲ التحق
بوزارة المالية بوظيفة كتابية بادارة الخزينة بأربعة جنيهات ، ثم التحق بوزارة الداخلية بوظيفة معاون
إدارة سنة ۱۸۹۳ بمديرية الدقهلية بستة جنيهات ، وبعد سنة كتب خليل باشا عفت مدير الدقهلية
كتاباً لوزارة الداخلية يفيدها أن المؤلف لم يقض مدة التمرين على ما يرام ، ولكن الشيخ محمد عبده
توسط له فنقل إلى أسوان وفي سنة ۱۸۹۸ نقل إلى أسيوط ، وفي سنة ۱۹۰۰ نقل إلى ميت غمر ،
وفي سنة ۱۹۰۲ نقل إلى مركز منيا القمح .
ولمناسبة الشروع في ربط الضرائب على الأطيان المبيعة من الحكومة للأهلين طلبه المستر
مكلّوب مفتش المالية للقيام بمعاينة الأطيان وتقدير الضرائب عليها بمركز فاقوس ، ومن هنا عاد لوزارة المالية مرة أخرى ، ثم ندب رئيساً لإحدى لجان تعديل الضرائب في الدقهلية ثم نقل لقنا
سنة ۱۹۰5 ورقي إلى وكيل مفتش مالية بمراقبة الأموال المقررة ، ثم أشرف على توزيع أطيان الدائرة
السنية بعد تصفيتها في أرمنت والمطاعنة . وفي سنة 1906 ندب للتفتيش على أعمال الضرائب
في مديريات جرجا وأسيوط والمنيا وبني سويف ، وبلغت ماهیته ۲۲ جنيهاً سنة ۱۹۰۷ ،
وفي سنة ۱۹۲۱ أنعم عليه برتبة البيكوية وكانت ماهیته ستين جنيها، وفي سنة ۱۹۳۰ بلغت ماهيته
۸۰ جنيها ، وفي 8 مايو سنة ۱۹۳۱ أحيل إلى المعاش وكان معاشه 60 جنيهاً وقد كتب كل ذلك
بخطه في ٢٤ يوليه سنة ۱۹۳۱.
كان رحمه الله يسمى وظيفته ( الوظيفة الصامتة ) وكان يحمل في حقيبته خطط المقریزي
وخطط علي باشا مبارك ليسترشد بهما في تنقلاته في الريف والصعيد لتحقيق تاريخ تكوين البلاد
المصرية وأسماء مواقعها ، وقد أوغل في مؤلفات امیلینو وماسبيرو وجوتييه وفييت ، وتغلغل في القرى والنواحي منقباً محققاً لما قرأ في تلك الكتب حتى عرف أصولها جميعها أو كاد وصار الحجة الكبرى
بين الإخصائيين في هذا الشأن ، وعكف بعد بلوغه الستين — أي بعد أن نضج نضوجاً تاماً —
على إظهار هذه التحقيقات في شكل كتب واستدراكات . وكان يحقق الأسماء الجغرافية على
الخرط ويزيد على جزازاته القديمة كل جديد .
عرفته دار الكتب وعرفته مصلحة المساحة ولجنة حفظ الآثار العربية ومصلحة التنظيم ولجنة
تسمية الشوارع والمجلس الحسبي العالي ولجنة التقسيم الإداري بوزارة الداخلية ، فأرسلت إليه كلها
تستمد معلوماته في تاريخ البلاد المصرية فلم يضن عليها جميعاً طواعية واحتسابا ، ولا يكاد
يخلو سطر من كتبه من إشارة إلى زيارة ومشاهدة لهذه المدن والقرى والعزب والكفور والأمكنة والشوارع والجوامع والدور القديمة الأثرية والمدارس بمصر والقاهرة وسائر البلاد المصرية على الإطلاق مما اقتضاه مكثه الطويل في خدمة الحكومة المصرية وعنايته بتدوين أوصافه ورحلاته وفوائده التاريخية والأثرية والجغرافية منذ صباه .
كان المرحوم الأستاذ محمد رمزي یاقوت مصر غير مدافع ، عالج حياة كتاب الخراج وهو مفتش
مالية أكثر من ثلاثين سنة من سنة ۱۹۰۲ إلى سنة ۱۹۳۲ ، وقد أعانه تجواله في القرى المصرية
طوال هاتيك السنين على زيارة جميع القرى وتوابعها بلا استثناء ، وكان يمارس عمله الرسمي من
قياس الأرض وربط الخراج عليها إلى البحث أثناء مروره في القرى عن تاريخ تكوين البلاد
وضبط حروف أسمائها وشكلها وسماعه لأسمائها من سكانها واستعمالها أثناء وجوده في الأقاليم
في وظائف تابعة لوزارتي الداخلية والمالية .
وأول ما بدأ حياته الحرة في يناير سنة ۱۹۳۳ ( أي بعد إحالته إلى المعاش بزمن يسير ) نقل
کتاب تحفة الإرشاد من مكتبة الأزهر بعد أن تبين له أن هذا الكتاب يشمل أسماء الأعمال المصرية
أي المديريات وأسماء البلاد المصرية في كل عمل ، وهي الأسماء التي وردت في الروك الحسامي الذي
عمل سنة 697هـ ، وهذا الكتاب يتكون أصله من قسمين الأول يشمل النواحي المتفقة أسماؤها أي المتشابهة مرتبة على الحروف الهجائية ، والثاني يشمل أسماء النواحی مرتبة على الحروف الهجائية في كل عمل على حدته .
وفي صيف سنة ۱۹۳۳ زار المعهد العلمي الديني بدمياط فوجد نسخة مخطوطة من هذا
الكتاب وهي صورة مطابقة في وصفها وترتيبها لما ورد في نواحي القسم الثاني من نسخة مكتبة
الأزهر ، ولم يجد القسم الأول المشتمل على البلاد المتفقة أسماؤها ، وقد أشار في القاموس الجغرافي
إلى نسخة معهد دمياط بالحروف (ن م د) أي الحروف الأولى من عبارة نسخة معهد دمياط
وفي أكتوبر سنة ۱۹۳۳ فكر في إعادة طبع كتاب التحفة السنية لابن الجيعان لأغراض ثلاثة
الأول تصحيح الخطأ الوارد في النسخة المطبوعة في مصر سنة ۱۸۹۸ لحساب دار الكتب المصرية
والثاني التعليق على كل اسم من أسماء البلدان وما طرأ عليه من التحريف أو التغيير وموضع كل بلد
بحسب التقسيم الجغرافي الإداري الحالي أي بيان اسم المركز والمديرية التابع لهما كل قرية في الوقت
الحاضر ، والثالث بيان ما درس من القرى الواردة في كتاب التحفة وما آل إليه حال كل قرية مندرسة
ومهد لذلك بنبذة تاريخية عن كتاب التحفة المخطوط والمطبوع وتاريخ صاحبه ، ونسب الفضل
في تصويب ما ورد إلى المراجع التي جعلها دستوراً لوضع القاموس الجغرافي .
قال المؤلف ( وقد اتخذت كتاب التحفة السنية لابن الجيعان أساساً لأبحاثي ووثيقة رسمية
بين ما ظهر قبله من الكتب التي من نوعه في السنين السابقة على سنة ۸۸۳ هـ التي توافق سنة ۱4۷۷م
وبين ما ظهر منها بعد ذلك التاريخ إلى اليوم ، أي اتخذته دليلا للمقارنة بين الماضي
والحاضر ، و بذلك أمكنني أن أعرف البلاد التي درست من الروك الحسامي والبلاد التي
استجدت في الروك الناصري ثم ما عرفته فيما بعد من دار المحفوظات بالقلعة وحجج الأوقاف
بوزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية مما استجد وما اندثر من القرى المصرية من عهد کتاب التحفة
إلى اليوم ) .
ومن سنة ۱۹۳۳ إلى يوم وفاته وهو يكتب التعليقات الأثرية والجغرافية لكتاب النجوم الزاهرة
في تاريخ مصر والقاهرة لابن تغري بردي ، وهو الكتاب الذي تنشره دار الكتب المصرية ، أي ابتداء
من الجزء الرابع إلى الجزء التاسع أي من سنة ۱۹٣٣ إلى سنة ۱۹٤٥ ، وفي نهاية كل جزء تنبيه
لذلك . وقد ظلت دار الكتب تنشر تعليقاته التي تركها على هذا الكتاب إلى آخر الجزء الحادي
عشر أي إلى سنة ۱۹٥۱ .
وفي سنة ۱۹۳۰ نشر المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية استدراكه على كتاب جغرافية مصر
في عهد القبط للمسيو أميلينو في الجزء الثالث من کتاب کشکول ماسبيرو Melanges Maspero
وذلك من ص ۲۷٤ إلى ص ۳۲۱ . وفي سنة ۱۹۳۹ نشر نبذة تاريخية عن التعليم العام في مصر
في عصر محمد على نشرت في الكتاب الذهبي للمدرسة الخديوية .
وفي سنة ۱۹٤۱ وضع « الدليل الجغرافي » لأسماء المدن والنواحي المصرية المعتبرة وحدة
عقارية لحصر الأراضي وتحصيل الأموال المقررة . وقدمه لمصلحة المساحة فطبعته على نفقتها ،
ويستفاد مما ورد في الصفحة حرف (و) من مقدمة الكتاب ما يفيد أن هذا الدليل من وضعه .
وفي هذه السنة نفسها أي سنة ۱۹٤۱ تعرف مؤلف القاموس الجغرافي بالدكتور عزیز سوریال
وأطلعه الأخير على ما لديه من النسخ المخطوطة التي صورها بالفتوغرافية من مكتبات أوروبا من
كتاب قوانين الدواوين لابن مماتي ناظر الدواوين في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي فوجد
الباب الثالث من الكتاب المذكور يشمل أسماء جميع النواحي المصرية التي كانت وحدة مالية
في ذلك الوقت ، ولما كان كتاب قوانين الدواوین کتب سنة ٥۸۸ هـ وهو أقدم من كتاب تحفة الإرشاد
الذي كتب سنة ٦۹۷ هـ بنحو ۱۰۹ سنة فقد راجع کتاب تحفة الإرشاد على ما ورد في القسم الثالث
من كتاب قوانين الدواوين لابن مماتي وتبين له من مراجعة أسماء البلاد المصرية الواردة في قوانين
ابن مماتي أن جميعها وارد في كتاب تحفة الإرشاد إلا القليل الذي سقط سهواً من كتاب تحفة الإرشاد
وعددها 56 ناحية ، وأن أسماء البلاد الواردة في قوانين ابن مماتي وردت كذلك في تحفة الإرشاد
بالترتيب والتوالي حسب وضعها في أعمالها بدون أن يحدث تقديم أو تأخير في أي اسم منها على ما
يقابله في كلا الكتابين إلا ما زاد من النواحي المستجدة فقد وضعت كلها في أعمالها وهي عبارة عن
۳۰ ناحية لم ترد في ابن مماتي استجدت واعتبرت وحدة مالية في المدة الواقعة بين سنة ٥٨٨ هـ وسنة
٦۹۷ هـ . وقد أشار إلى نسخة قوانين ابن مماتي في القاموس الجغرافي بالحروف ( ق ام ) وهي
الحروف الأولى من عبارة قوانين ابن مماتي .
وقد لاحظ أيضا أن أسماء الثغور وبعض المدن لم ترد في تحفة الإرشاد ولا في قوانين الدواوين
مثل القاهرة والإسكندرية ورشيد ودمياط والمحلة الكبرى والجيزة والبهنسا والأشمونين الخ . فاستدرك
ذلك في القاموس الجغرافي من بعد سنة ۱۹٤۲ إلى حين وفاته .
وفي سنة ۱۹٤۲ وضع مقدمة كتاب المدن المصرية وتطوراتها للمهندس فؤاد فرج كما وضع
في السنة التي قبلها مقدمة كتاب مصر في عهد الإسلام للأستاذ محمود عكوش ، ووضع أيضاً في سنة
۱۹٤۱ نبذة تاريخية عن الوصف الطبوغرافي للمنطقة التي تتوسطها مدرسة فؤاد الأول الثانوية
بالعباسية، وفي سنة ۱۹٤۱ نشر نبذة تاريخية عن الوصف الطبوغرافي لمنطقة خط القصر العالي
الكائن بين مبانيها المدرسة الإبراهيمية الثانوية ، وأمثال ذلك نبذة تاريخية عن مكان المدرسة
الخديوية ، ونبذة تاريخية عن مكان مدرسة بنبا قادن الثانوية ، ونبذة تاريخية عن تاريخ شبرا
وروض الفرج والفيوم وحلوان الحمامات ومجرى النيل وتحولاته الثمانية من طرح البحر بجوار القاهرة
ومكان فم الخليج المصري عند فتح العرب لمصر الخ .
وقد سبق له أن نشر سنة ۱۹۲٥ مذكرة ببيان الأغلاط التي وقعت من مصلحة التنظيم
في تسمية الشوارع والطرق بمدينة القاهرة وضواحيها قدمها لوزير الأشغال في يوم ٥ مايو سنة ۱۹۲٥
وطبعها في دار الكتب المصرية ، ومنذ ذلك الحين فضلا عن مؤلفاته السابقة كان يمد جريدتي الأهرام
والمقطم بتحقيقاته الجغرافية والتاريخية هذا عدا ما نشره في مجلة العلوم والثقافة ومجلات المدارس
الثانوية .
وله أبحاث كثيرة لم تنشر كتاريخ التقسيم الإداري من عهد الفراعنة إلى اليوم، وتاريخ مساجد
القاهرة ، وشرح كتاب الخطط المقريزية والتعليق على جميع ما ورد به من الأماكن والمساجد
والمدارس وغيرها من الآثار القائمة والمندرسة ، وتاريخ الترع والخلجان بالقاهرة وأبواب القاهرة .
وتاريخ الوزارة المصرية ، وتاريخ المساحة المصرية ، والتعليق على كتاب جغرافية وأطلس مصر
للأمير عمر طوسون ، والاستدراكات على جوتييه والدكتور بول وأميلينو وفييت ، وأغلبها نشر في هذا
القسم الأول من القاموس الجغرافي .
وكان رحمه الله عضواً في المجلس الأعلى لحفظ الآثار العربية ، وعضواً في اللجنة التنفيذية
لإدارة حفظ الآثار ، وعضواً بمجلس حسبي مصر الاستئنافي ، وعضواً في لجنة تسمية شوارع
القاهرة ، وعضواً في لجنة التقسيم الإداري .
وقد وضع كتابه القاموس الجغرافي في جزازات وقسمه إلى قسمين كبيرين ، القسم الأول القرى
المندرسة وما آلت إليه حال كل قرية ومكانها على الطبيعة الآن ، والقسم الثاني القرى الحالية من قديمة وحديثة مرتبة على الحروف الهجائية في أقاليمها ، وموضع كل بلد في هذه الأقاليم حسب التقسيم
الجغرافي الحالى أي بيان المركز والمديرية التابع لها كل قرية في الوقت الحاضر ، وقد بني هذا الجزء
الأخير على قسمين تاريخيين القرى القديمة التي كانت موجودة إلى سنة ۸۸۳ هـ التي توافق سنة
۱٤۷۷م والقرى الحديثة التي استجدت منذ هذا التاريخ إلى يوم وفاته .
وظل رحمه الله دائب التغيير والتبديل والزيادة في هذه الجزازات حتى استقرت على حال قرر
معها أن يطبع هذا القاموس ، ولكن شمسه آذنت بالغروب في فبراير سنة ۱۹٤٥ وترك هذه الثروة
الكبيرة في شكل هذه الجزازات التي بلغت نحو العشرة آلاف جزازة في القرى المندرسة والقديمة
والحديثة جميعاً .
وقيض الله لحفظ هذه الثروة العلمية الطائلة صهره المهندس حسن فؤاد مدير المساحة المصرية
الأسبق فهو الذي قدمها مع مذكراته إلى دار الكتب لطبعها خدمة للعلم وإحياء لفضل هذا
العالم المصري الكبير ، فله منا أجزل الشكر .
أحمد رامي أحمد لطفي السيد
وكيل دار الكتب المصرية بدار الكتب المصرية
رجب سنة ۱۳۷۳
مارس سنة ۱۹٥٤