الأربعاء، 6 يناير 2021

تاريخ دمياط منذ أقدم العصور - قبيل الفتح العربي

قبيل الفتح العربي

ظلت دمياط حوالي سبعة قرون خاضعة للدولة الرومانية ونظمها وقوانينها ، 
يتبدل عليها الحكام الرومان وجنودهم وتجارهم . كما شهدت تلك الأحداث التي مرت 
على الأقليم المصري خلال تلك الحقبة من الزمن .

ولم يكن الرومان يهمهم من أمر مصر غير استيراد الغلال وفرض الضرائب على 
الناس والسلع صغيرها وكبيرها . كما كانوا يرغمون السكان على أيواء جنودهم وأعالتهم 
ومع ذلك فلقد كان من مصلحة الدولة الرومانية أن تحصن الثغور المصرية ، وتجعل 
منها مواني صالحة لرسو السفن ونقل المتاجر . وكانت تامياتس كأخواتها شطا 
وتنیسوس وتونه ثم بيلوزيوم والأسكندرية كلها ثغور ناجحة تنتقل فيما بينها وبين 
ثغور الأمبراطورية ، السفن التجارية والحربية .

وكان أكثر السكان يدينون بالوثنية إلى أن ولد السيد المسيح في عهد الامبراطور 
أغسطس قيصر ، ودخلت المسيحية رويداً منذ عهد نيرون عام ٥٤ م وكان معتنقو 
هذا الدين الجديد يلقون من أباطرة الرومان ألوان التعذيب والاضطهاد فلما تولى 
الأمبراطور قسطنطين ، اعترف بالمسيحية ( عام ۳۲۳ م ) ومنح أهلها بعض 
الامتيازات . وجاء الامبراطور ثيودوسيوس ، فعل المسيحية دين الدولة الرسمي 
عام ۳۸۱ م . وانقلبت الآية فبعد أن كان الأباطرة الوثنيون يضطهدون المسيحيين 
أصبح الأباطرة المسيحيون يطاردون الوثنيين ، ويجعلون من المعابد الوثنية كنائس 
وأديرة .

ومن السهل أن تتخيل مدينة دمياط وقد تحولت إلى مدينة مسيحية تنتشر فيها 
الكنائس ثم تصبح أسقفية هامة من ابروشيات البلاد . ومن السهل أيضا أن نراها 
تنقسم إلى مذهبین دینیين متنازعين كغيرها من المدن المصرية ، وكانت الخصومة تدور 
حول طبيعة السيد المسيح . فالفريق الذي سمي أتباعه باليعقوبين أو المنوفسيين ، 
وأغلبه من قبط مصر ، كان يقول بامتزاج الطبيعتين الآلهية والبشرية في السيد المسيح ، 
والفريق الأول الذي دعي أصحابه بالملكانيين ، وكانوا من الروم والأغريق - أي
الطبقة الحاكمة — كان يقول بان السيد المسيح وظهر آلهي فقط . ولقد أدى الخلاف 
في الرأي ، وأذكاه الخلاف في الجنس واللغة بين المحكوم والحاكم ، إلى الحزبية 
والاضطهاد . و بلغ من اضطهاد الحكام الملكانيين لليعاقبة المصريين ، أنهم صادروا
حرية عبادتهم فشتتوا شمل القساوسة القبط ، وألجأوا أحد بطارقتهم إلى أحد 
الأديرة بالصحراء عدة سنوات .

وأراد بعض الأباطرة أن يحسموا الخلاف بعقد المجامع للمناقشة في هذا 
الموضوع كما حدث في مجمع خلقدونية عام ٤٥١ م وما سبقه من مجامع ، غير أن 
الخصومة المذهبيه كانت قد امتزجت بالخصومات السياسية والجنسية .

وانتهز الفرس فرصة الانقسامات فغزوا مصر حوالي سنة ٥۰۰ م واجتاحوا 
مصر السفلى وشب بينهم وبين المصرين قتال شديد في عدة أماكن حتى ارتدوا 
عند أسوار الاسكندرية .

وفي أواخر أيام الامبراطور جستنيان الأول ( ٥۲۷ — ٥۹٥ م ) الذي 
اشتهر بحبه للفنون والعلوم ، اجتاح الوباء الأسود بلاد الشرق الأوسط 
وعصف بالمدن المصرية من شرقها إلى غربها . وأعقب الوباء زلزال رهيب دمر 
المدن وأغرق الثغور . ولا تعدوا الحقيقة إذا قلنا إن دمياط قد أصابها ما أصاب 
جاراتها من ويلات ذلك الوباء الأسود وذلك الزلزال المدمر الشديد في أواسط 
القرن السادس .

فلما جاء تیبریوس سنة ٥۷۸ کان تيار الاضمحلال يسري في كيان الأمبراطوريه ، 
فخلف لمن جاء بعده دولة غير متماسكة وشعبا متذمراً ، وخزائن خاويه . . ولم يكن 
في بلاد الدولة الرومانية وقتذاك ما هو أشقى حالا من مصر التي سادها الاختلاف 
المذهبي والسياسي . .

وما لبثت أن وقعت مصر في غمار ثورة تزعمها قواد رومانيون فتم لنيقتاس 
ملك مصر عام ٦۱۰ واشترك فيها الشعب الذي كان يكره حکم بيزنطه ، وسارت 
السفن الحربية في فرعي دمیاط و بیلوز ، وجاءت جيوش الأمبراطورية لأخضاع 
الثوار ، وحدث أن هرقل — أحد القواد البيزنطيين — استطاع أن يتوج نفسه 
أمبراطوراً على القسطنطينيه ويصبح سيد البلاد الرومانية ، فثبت فيقتاس على مصر ، 
وعمل على استمالة شعبها إليه ..

وما كادت البلاد تهدأ فترة قصيرة حتى عاد الفرس فسيروا جيوشهم في خريف 
عام ٦۱٦ م إلى مصر ، واستطاعوا أن يمتلكوها بعد أن تمادوا في القتل والنهب 
والتخريب وحرق الأديرة والاستيلاء على المكتبات الثمينه ، وتحولت جيوشهم 
من الفرما إلى الأسكندريه إلى الصعيد ، يحل الموت والخراب حيث حلوا .. 
ثم هدأت سورتهم وسادوا البلاد عشر سنوات و نيف . وخرجوا ليعود هرقل إلى
حكم مصر ، ليشهد قبل موته الفتح العربي الذي جعل من الأقليم المصري وماجاوره 
من أقاليم الشرق دولة عربيه قويه متجانسة .

ففي ذلك الزمان ... كانت السفن الشراعية الكبيرة ، المحملة بالقمح والكتان 
وورق البردي والزجاج والمنسوجات البديعة ، تخرج كل يوم من دمياط ، ثم 
تدخل إليها مراكب أخرى محملة بأخشاب الشام ، ومرمر اليونان ومعادن رومه 
... وكانت تلك السفن تحمل اليها أيضا الأنباء ... لقد ظهر نبي عربي في شبه 
جزيرة العرب — ولد عام ٥۷۰ م — وهو ذا قد أرسل إلى عظيم القبط — 
الملقب بالمقوقس — رسولا ومعه کتاب ... فأكرم « المقوقس » الرسول 
وبعث معه هدية عظيمة وجاريتين : ماريه القبطيه وشیرین ... وهاهي قد سمعت
بمولد الأمة الأسلامية الفتية واتساع رقعتها ... لقد زحفت حدودها إلى ممتلكات 
بيزنطه ... بينها دولتا الروم والفرس تتقاتلان ... وهوذا الامبراطور هرقل قد 
خرج عام ٦۲۲ م — وهي سنة الهجرة النبوية — للقاء الفرس الذين مزقوا دولته 
... وتتوالى انتصاراته ويدخل القسطنطينية عام ٦۲۸ م ليحتفل بالنصر .. أنباء
عجيبة تصل كل يوم إلى مسامع دمياط الجاثمة على مصب النهر وراء أسوارها
وحصونها ... ولكن لا يعلم الغيب المحجب إلا الله وحده

المصدر: كتاب تاريخ دمياط منذ أقدم العصور تأليف نقولا يوسف (رابط)، الصفحات من 72 حتى 74. 

الثلاثاء، 5 يناير 2021

تاريخ دمياط منذ أقدم العصور - في العصرين الروماني والبيزنظي

في العصرين الروماني والبيزنظي

ظلت دمياط مدينة مصرية فرعونية واقعة عند مصب الفرع الفاتنيتي بشكل 
ضاعت في ضبابة الزمن معالمه . ثم دخلت كغيرها من مدن الاقليم المصري في الحكم 
الاغريقي منذ أن فتح الاسكندر المقدوني مصر عام ۳۳۲ ق.م ، وأعقبه في حكمها 
البطالمة ، و بذلك ظلت في حكم الأغريق نحو ثلاثة قرون ( من ۳۳۲ ق. م إلى ۳۰ 
ق. م ) حين احتلتها الدولة الرومانية ..

وكانت هذه القرون الثلاثة كافية لتوثيق عرى العلاقات التجارية والثقافية بين 
الشعبين المصري واليوناني ، ولانتشار اللغة اليونانية في البلاد ، بعد أن أصبحت اللغة 
الرسمية ، ثم كتبت اللغة المصرية بالحروف اليونانية وخرجت منهما القبطية . وأطلق 
الاغريق أسماء يونانية — محرفة عن المصرية أو مترجمة عنها ، على المدن وسائر 
الأعلام الجغرافية ، مثل تامیاتس ( دمياط ) ، وسینیتوس ( سمنود ) . و تنیسوس 
( تنیس ) ... الخ

ومع ذلك فالمعروف أن المؤثرات اليونانية بدأت قبل البطالمة بأكثر من ألف 
سنة (٢) .

وكان لقرب الثغور المصرية . كدمياط و بیلوز و تنیس وغيرها من بلاد اليونان 
وجزرها ، أن تأثرت تلك الثغور بذلك القرب . وكانت تلك العلاقات — من 
تجارية وثقافية ودينية — قد ازدهرت منذ العصر الذي سبق دخول الفرس إلى 
مصر ، وعقب غزوتهم للبلاد ، فنزح اليها الكثير من التجار اليونانيين و تبعهم 
عدد من العلماء والكتاب والسائحين الإغريق الذين عنوا بدراسة تاريخ مصر 
وجغرافيتها وآثارها وعاداتها ، ودونوا ما شاهدوا وسمعوا في مؤلفاتهم ...

وسكن كثير من التجار الأغريق تلك الثغور المصرية القريبة منهم ، ومنها 
تامیاتس ، واتخذوا منها مرافئ آمنة لسفنهم ومتاجرهم ...

فلما استولى الرومان على مصر عام ۳۰ ق م اتخذوا من هذه البلاد حقلا 
يمد رومه بالغلال والكتان والبردي وسائر الحاصلات ، وزادت الضرائب في 
عهدهم حتى شملت الأشخاص والأشياء ، فكانت تجبى على الرءوس والصناعات 
والأرض والماشية ، ولما زادت الأعباء على الناس ، زاد سخطهم على 
الاستعمار الروماني ، كما رأينا في ثورة أهل البوكولي لشمال الدلتا .

ثم دخلت المسيحية مصر أيام نيرون عام ٥٤ م ولكنها لم تصبح دینا رسميا للدولة 
الرومانية إلا في عهد قسطنطين حوالي سنة ۳۲٥ م ، فانتشرت الكنائس البيزنطية 
بدمياط وغيرها منذ ذلك العهد ، ولم يزل الكثير من أعمدتها الرومانية والأغريقية 
باقيا إلى اليوم في بعض مساجدها القديمة أو مدفونا تحتها . كما لم يزل بها مثل تلك 
الأعمدة في كنيستها البيزنطية الموجودة إلى اليوم بحارة النصاری بدمياط .

وبعض تلك الأعمدة المرمرية الرائعة الحسن ، كان موجوداً بالمدينة منذ القديم ، 
كما أن بعضها جلبه العرب في البحر من بيلوز والاسكندرية ، بعد الفتح العربي لمصر .

وفي أوائل العهد الروماني بمصر — عام .٤ م — وضع الجغرافي بومبونيوس 
میلا مؤلفه اللاتيني وسمي فيه فرع دمياط بالفرع « الباثميتي » وحوالي سنة ۱٥۰ 
ميلادية وضع الجغرافي الاسكندری بطلیموس كتابه الذي يحدد فيه المصب الفاتمیتی 
بخط طول ۳۱ و ۱۰ وخط عرض ۳۱ و ٥٥ وهذا قريب من المقياس الحالي .

وإذ أصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة رومانية ، واحتاج الرومان إلى
المحصولات الزراعية ، فقد نشطت الحركة التجارية والملاحية في الثغور المصرية مثل 
تامياتس وغيرها .

ويذكرون أن الامبراطور الروماني دومتيانوس الذي حكم منذ عام ٨١ م إما 
قد زار دمياط واما أنه كان أحد حماتها « لأنه مازال يوجد أمام بيت القاضي بدمياط 
حجر عليه اسمه ، ولا شك أنه وجد في المدينة القديمة » كما ذكر بیدیکر عام ۱۸۸٥

وفي حكم اغريق الامبراطورية الرومانية الشرقية ، ومنذ أوائل التاريخ اليزنطي 
الذي يبدأ من عام ۳۳۰ م في عرف المؤرخين ، كانت تامیاتس تحتل مكانا بارزا في 
الجغرافيا القديمة . ورأينا اسمها واضحا في الكتب والوثائق وقوائم الأسقفيات
الباكرة ..

فلقد كانت منذ القرون الأولى للميلاد ، أبروشية « أسقفية » كبيرة ، لها أسقف 
يمثلها في المؤتمرات الدينية العالمية « المجامع المسكونية » — التي كانت تعقد أحيانا في 
بعض المدن الشرقية ، لمناقشة الآراء الدينية الغربية واصدار القرارات بشأنها . وكان 
أسقف دمياط يحمل لقب مترانوس ( مطران ) ويتبع بطريركية الاسكندرية .

من ذلك أنه في عام ٤۳۱ للميلاد، كان أسقف دمياط المسمى هيراقليوس 
( هرقل ) واحداً من المندوبين عن الأسقفيات المصرية ، إلى « المجمع المسكوني 
الثالث » المنعقد في ذلك العام بمدينة أفسس بآسيا الصغرى ، بأمر من الامبراطور 
تاوديسيوس الأول ، وحضره مائتا أسقف برئاسة كيرلس الكبير بطريرك 
الاسكندرية ، وذلك لمناقشة آراء نسطوريوس أسقف القسطنطينية يومذاك والحكم 
على هرطقته (٣) .

ثم نری اسم تامياتس واضحا في معجم اسطفانوس البيزنطي ( ٥۳۸ - ٥۷۳ م ) 
وهو الأديب اليوناني المولود في القسطنطينية و المعاصر للامبراطور جستنيان الأول .

فقد ورد في قاموسه اسم مدينة تامیاتس بين المدن المصرية هكذا :
« تامياتس مدينة بمصر وتسمى أيضا تامياثيوس ، ذكرها شيروفوذکوس 
وأضاف إليها علامة التأنيث أي « أيتامیاتس » .

والمعروف أن اسطفانوس جمع معجمه هذا من مصادر قديمة يرجع بعضها 
إلى ألف سنة . ولكنه في هذا النص لا يشير إلا إلى مؤلف واحد سبقه بقليل 
وهو جورج شیرفوذکوس وكان استاذاً بجامعة القسطنطينية حوالي سنة ٥٠٠ للميلاد 
وترك مؤلفات مختلفة .

ومما يؤسف له أن اسطفانوس البيزنطي لم يتحدث عن دمياط إلا بهذه الكلمات 
القلائل ، فان معجمه الجغرافي الكبير الذي وضعه في ستين جزءاً ، لم يصل إلينا منه 
غير خلاصته التي جمعها ورتبها بعده أديب اسمه هرمولاوس ..

ومع هذا فلم يدع العلماء هذه الكلمات القلائل التي وصلت إلينا من ذلك المعجم 
الضخم الضائع تمر دون تعليقات واشارات ... فالمؤرخ دانفيل يعلق عليها بما يلي :

« ... يقول اسطفانوس البيزنطي : « تامیاتس مدينة بمصر ... » ولكنا نجد 
في مذكرة أغريقية اسم تامیاتا بين مدن اقليم أركاديا ( الفيوم ) ولهذا لا يبدو من 
الثابت أن تامیاتس هذه تدل على مدينة دمياط ! الأمر الذي جعلنا ننظر إلى بلدة في 
أقليم الفيوم الصغير حيث كانت مقاطعة أرسينو المسماة « تامییه » ولكن ميزة موقع 
دمياط عند مدخل أحد مصبات النيل ، وكان ذا أهمية في جميع الأزمنة ، جعلت من 
هذه المدينة واحدة من أكثر المدن المصرية ازدهارا مما يحمل على الاقتناع بأن ذلك 
الموقع لم يكن مهملا ولو لم يذكر عنه شئ في مؤلفات الزمن السحيق ... ويحق لها 
بأن تطالب بما ذكره اسطفانوس عن تامیاتس ، أكثر من موضع آخر غامض جاء 
ذكره في مذكرة أغريقية ، وإذا كان فيها ذكره هيروقليس عن مدن اقليم 
اوغستامنيك الأولى ، لا نجد ذكرا لتامياتس . فان ذلك لا يعني أن هذا الاسم قد 
نقل إلى أركاديا . وكم من مرة أخطأوا في الخلط بين دمياط و بیلوز (الفرما) !! ... »

وهذا سافاري يعلق قائلا : « يعرفنا أسطفانوس البيزنطي بأن دمياط كانت 
تسمى تامیاتس في حكم أغريق الامبراطورية الشرقية ، ولكنها كانت حينذاك ذات 
أهمية قليلة ثم زادت أهميتها على مر الزمن لأن بيلوز وقد خربت مراراً نقدت 
عزتها وقدرتها . وما حاق بهذه المدينة ( بيلوز ) من خراب شامل حول إلى دمياط 
تجارة النواحي الشرقية من الدلتا » .

ونحن في عام ٦۰۰ للميلاد فاذا بتامياتس واضحة المعالم في مؤلفات ذلك العصر 
فهي كما يقررون جاثمة عند مصب تامیاتي على الضفة الشرقية للفرع الفاتمیتي وهي 
عاصمة مديرية تامیاتس ، أحد أقسام « دوقية قسم أول » من أقليم أوجستامنيك
بالدلتا ..

ففي حوالي عام ٦٠٦ وضع المؤلف الجغرافي جرجس القبرصى كتاباً باللغة 
اليونانية سماه « وصف العالم الروماني » ولم يزل باقياً من كتابه هذا خمسة أجزاء . 

و يمكن اعتبار هذا الكتاب أوفى وصف لحالة مصر قبيل الفتح العربي ..

وفيه نرى أن الوجة البحري لمصر ، كان مقسماً إلى أقليمين كبيرين هما : أقليم 
أوجستامنيك الذي يشمل المساحات الواقعة شرقي فرع دمياط ، واقليم مصر الذي 
يشمل بقية الدلتا .

وكان كل اقليم من هذين الاقليمين ينقسم بدوره إلى ولايتين ، هما : دوقية قسم 
أول ، ودوقية قسم ثان .

وكانت أهم بلاد دوقية قسم أول — إحدى ولايتي اقليم أوجستامينك » هي : 
تامیاتس ( دمياط ) ، وتنیسوس ( تنیس ) وبیلوز ( تل الفرما ) وتانیس ( صان 
الحجر ) و بانيفوسوس ( أشمون الرمان ) و ثامويس ( تمي الأمديد ) ..

ويذكر جرجس القبرصي أيضا أن للنيل تسعة فروع ذات سبعة مصبات ، ومنها 
الفرع الفاتميني ( فرع دمياط ) ومصبه تامیاتي .

فكانت دمياط كما يتضح من هذا الكتاب قسما — أو مديرية — من أقسام 
دوقية (ولاية ) قسم أول ، التي هي القسم الشمالي من اقليم أوجستامنيك ، وهو 
الاقليم الذي كان يقع معظمه شرقي فرع دمياط ويشمل بحيرة المنزلة وما إلى شرقها .

وكذلك كانت عاصمة مديرية ثامیاتس مدينة تامياتس الواقعة قرب مصب الفرع 
الفاتميتي وعلى ضفته الشرقية عند مصب تامياتي وكان يحد مديرية دمياط ، البحر 
الأبيض المتوسط شمالا ، والفرع المنديسي غربا وهو ما كان يفصلها عن جارتها 
مديرية تنیسوس ( وعاصمتها مدينة تنيسوس ببحيرة المنزلة ) ، كما كان يقع إلى جنوبها 
الشرقي مديرية ذيوسبوليس وعاصمتها مدينة ذيوسبوليس ( تل البلامان الحالي ) . 
والى جنوبها كانت تقع مديرية بانيفوسوس وعاصمتها بانيفوسوس ( آشمون الرمان) .

وكان جزء من غرب بحيرة المنزلة يدخل في حدود مديرية دمياط

وجاء عن الاختلاف في كتابة اسم دمياط بالهجاء اليوناني لدى الكتاب 
الأغريق : أن تامیاثي ( على الفرع الفاتنيتي أو الباثميتي ) کتبها اسطفانوس البيزنطي 
تامیاثیس وتامیاثیوس کما کتبها نیلوس دوکسوباتريوس : ذامياتا — وکتبها 
غيرهما تامیاثیذوس ، وتامیانثيون ، وبالقبطية ثامیاتي و تامات ...

في الوثائق القبطية القديمة :
ومنذ القرون الأولى للتاريخ الميلادي كان يرد اسم تاميات في المخطوطات القبطية 
القديمة وفي قوائم الأسقفيات ثم في الكتابين القبطين : « الأسكالا » و « السنكسار » (٤)

وقد رأينا فيما سلف أن أسقف دمياط كان يمثل أبروشيته في « المجامع المسكونية » 
كما حدث في المجمع الثالث الذي عقد بأفسس عام ٤٣١ م .

وكان يمثلها أيضا في « المجمع المقدس » المكون من أساقفة الأسكندرية 
وتامياتس وليونتوبوليس وكليزما ( القلزم ) ... وعشرات غيرهم .

وورد اسم تامیاتي ( دمياط ) في تاريخ حياة البطريرك اسحق في قصة جاء بها 
أن ذلك الأسقف الكبير رأي حلماً وقال عندما استيقظ : هل يوجد هنا بعض

الأساقفة . فأجابوه : نعم ، هنا الأنبا جرجس ، والأنبا غريغوريوس ، والأنبا 
بیاموت أسقف تامیاتي ... »

كما ورد ذكرها في ختام عظة منسوبة إلى القديس غريغوريوس النازيانزي 

« کتبها راهب من مواليد طامول بمقاطعة تامات » .

وذكرت باسم تامياتي في قصة استشهاد القديس أسحق الدفراوي . 

وما زلنا نقرأ في « السنكسار » قصة الشهيد بشاي أنوب قدیس دمياط كما يلي :

« في ۱۹ بؤنة ، تعيد الكنيسة ذكرى استشهاد القديس بشاي أنوب ، الذي 
تفسيره « ذهب الطلاء » . ومن إمره أنه كان من جهة بنايوس بدمياط ، و تجند في 
عهد ولاية كبريانوس على أتريب . ولما ثار ریح الاضطهاد ، تقدم إلى (٥) الوالي واعترف 
بالسيد المسيح أمامه فعذبه ثم أرسله إلى والي أنصتا : أريانوس فوعده هذا وتوعده 
فلم يرجع عن رأيه . فأمر بقطع رأسه خارج المدينة . فخرج خلق كثير وكان من 
بينهم سائس الوالي ومعه عدد من السباع مغلغلة بالسلاسل . فقطع سبع منها السلسلة 
وأتي نحو القديس يريد افتراسه . ولكن ملاك الرب رفع القديس من فوق رأس 
السبع وأتى به إلى مدينة هليوبوليس وهو معصوب العينين فلم يدر أين هو . وهناك
تمت شهادته ... »

وبينما كانت دمياط منذ سنة ٥۰۹ م هدفا حربيا لمراكب بيزنطه فقد ورد عن 
ساويرس بن المقفع أن جيش الفرس سباها في أيام البطريك اندرونيقوس ( ٦۱٦ - 
٦۲۲ م ) إذ يقول إن ملك الفرس خسرو زحف بجيش جرار وهزم جيش الروم 
واستولى على الشام وسبى أرض فلسطين ودمياط وارض مصر ونهب أموال الناس 
ثم وصل إلى الاسكندرية وقتل بها ثمانين ألف جل !

ولكننا لم نتعلم منه اكثر من ذلك عما حدث بدمياط في تلك المذابح !

أما عن أسقفية دمياط فكانت كما سلف منذ القرون الأولى وظلت طويلا إلى ما 
بعد الفتح العربي لمصر ، إحدى الأبروشيات التي كانت مصر تنقسم إليها . وكان على

دمياط كما سبق أسقف يحمل لقب مترانوس ( مطران ) له سلطة دينية على ما في مقاطعته 
من كنائس وأديار وأوقاف .

وكان عدد الأسقفيات بمصر في القديم نحو مائتين ثم حوالي مائة وستين و نقص 
عددها حتى صار ثلاثة وعشرين ما بين بطريركية و مطرانية وأسقفية .

وكانت تلك الأسقفيات تتبدل أسماؤها بتبدل لغات الحكام فكانت أسقفية 
دمياط تسمى تامیاتس ثم تاميات أو تامیاتي و أخيرا دمياط .

وقد أتى وقت اندمجت فيه أسقفيتا شطا ودمياط وأصبح مركزها شطا . وكان 
يجاورها أسقفیات تنیس وتونه ( بحيرة المنزلة ) ثم أشمون طناح ( وقد صارت قصبة 
البشمور الذي عرف باسم البشرود أو البشروات ( مركز دكرنس وفي البحر الصغير ) 
كما كان بقربها أسقفیات بیلوز ، وبانیفیسوس ، و تونیس ( تمي الأمديد )

وفي العهد الروماني كان بالقسم الأول من أقليم اوجستامنيك خمس عشرة أسقفية 
بينها تامیاتس و تنیسوس وتومیس ...



(۱) احتل الرومان مصر عام ۳۰ ق. م. وظلوا بها إلى الفتح العربي عام ٦٤١ م 
في عهد الدولة الرومانية الشرقية . ويبدأ التاريخ البيزنطي عامة من عام ۳۳۰ م 
حتى عام ١٤٥٣ م ( وهو سنة سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين ) .

(٢) بدأت هذه العلاقات في أوائل الدولة المصرية الحديثة (۱٥۸۰ — 
۱۰۸٥ ق. م ) حين استعان بعض الفراعنة بالجنود الأغريق المرتزقه — وحينما 
أقطع ابسماتيك الأول مؤسس الأسرة السادسة والعشرين الجالية اليونانية بعض 
جهات مصر بسكناهم .

(٣) وكانت هذه المجامع هیئات شورية في الكنيسة المسيحية الأولى . وكانت 
هناك مجامع مسكونية ( عالمية ) عقدت مرات معدودة في القرن الأول ، أولها مجمع 
نيقية عام ٣۲٥ م ثم مجمع القسطنطينية عام ۳۸۱ م . و مجامع أقليمية . وكان بمصر 
في عهد كيرلس الأول بطريق الاسكندرية في القرن الخامس نحو مائة أسقفية ( انظر 
تاريخ الأمة القبطية ص ۱۱٥ و ۲۲۰ )

(٤) الأسكالا كلمة يونانية حرفت إلى الدسقولية ، وهو اسم کتاب قوانین 
الكنيسة القبطية الموضوع في مجامع الرسل والمجامع المسكونية وورد به مراراً 
اسم تاميات ... والسنكسار هو مجموعة تاريخ الشهداء والقديسين . وما زال 
الكتابان يقرآن بالعربية والقبطية إلى اليوم .

(٥) كانت أتريب ( قرب بنها الحالية ) مدينة عظيمة في القرن الرابع .. أما 
انصتا ( أنتينوي ) فكانت حيث طما الآن بالصعيد الأوسط


المصدر: كتاب تاريخ دمياط منذ أقدم العصور تأليف نقولا يوسف (رابط)، الصفحات من 64 حتى 71. 

الاثنين، 4 يناير 2021

تاريخ دمياط منذ أقدم العصور - في العصور الفرعونية

منظر من دمياط
منظر من دمياط


في العصور الفرعونية 

الثابت أن فرع دمياط ومصبه كانا في مكانهما الحالي منذ أكثر من ثلاثين قرنا 
وقد جرت عادة الناس منذ أقدم العصور ، أن يبنوا مدينة عند مصب كل نهر کبیر 
في البحر ، لتكون مرفأ أو محطه للداخلين والخارجين من هذا النهر .

وكانت في دلتا النيل سبعة أفرع تصب في البحر ، وكان عند مصب كل فرع منها 
مرفأ معروف ، ما عدا المرفأ الجاثم عند مصب دمياط ، فقد توارى في ليل الزمن ، 
ولفه الغموض طويلا . . وبغته تطلع علينا في القرن الخامس للميلاد أسقفية يمثلها 
الأسقف هرقل في مؤتمر دیني بمدينة أفسس حتى اذا ما اقترب منها الجيش العربي 
الفاتح في القرن السابع ، وجدها مدينة حصينة ذات ابراج و أسوار لا يسهل اقتحامها

وعلى من شاء التنقيب عن بلدة بمصر عريقة في القدم کدمياط ، أن يرجع إلى 
ثلاثة مصادر .

أولها : ما ورد عن المقاطعات ( المديريات ) المصرية القديمة ، وما كانت تشتمل 
عليه من المدن . وذلك في النقوش الهيروغليفية الباقية في المعابد والمقابر ، أو في 
النصوص المكتوبة على ورق البردي . والمعروف أن دلتا النيل — « الوجه البحری » 
— كانت مقسمة في معظم أزمنة التاريخ القديم إلى عشرين مقاطعة ، لكل منها قاعدة
وكان لكل من تلك المقاطعات أسمها باللغة المصرية . فلما دخل الاغريق مصر ، 
أطلقوا على تلك الأقاليم وقواعدها أسماء يونانية ، إما ترجمة لمعانيها وأما تحریفا 
لألفاظها ، ومن هذه الأسماء اليونانيه اتخذت أسماء عربية أو مصرية .

ونظرة إلى حدود تلك المقاطعات ترينا أن دمياط الحالية ، كانت تدخل في نطاق 
المقاطعة السابعة عشرة التي تحف بالجزء الشمالي من فرع دمياط (١) .

وثانيها : المؤلفات الموضوعة قبل میلاد المسيح أو بعده بقليل مثل کتب 
هيرودوت ، ودیودور الصقلي ، و مانیتون وسترابون ، و بلینوس وبطلیموس ..
وغيرهم ولو أن أولئك المؤلفين الاقدمين لم يذكروا في صراحة أسماء يشير إلى دمياط
كما سيلي :

وثالثها : ما ورد في المؤلفات والقواميس التي وضعها علماء الآثار المصرية 
المحدثون أي منذ اكتشاف الهيروغليفية في القرن التاسع عشر إلى اليوم . لما بها من 
أبحاث ودراسات واستنتاجات ، تلقي قليلا من الضوء على الكثير من الغوامض ، 
كما نرى في كتب بروجش ، ودی روجيه ، وجوتييه ، وداریسی ... الخ .

ومع هذا كله فلا مفر من تنبيه الباحث في تلك المصادر الثلاثة إلى أن مايتعلق بدمياط 
في العصر الفرعوني لم يزل غامضا محجوبا بالظلام ، يلمع خلاله أحيانا 
بصيص من الضوء لا يلبث حتى يختفي !.. ولا يعني هذا القول إنه لم تكن هناك مطلقا 
مدينة في المكان الذي تشغله اليوم دمياط ، بل معنى هذا أن الآثار المصرية التي ضاع 
معظمها ولم يزل الكثير منها مطمورا في جوف الأرض ، لم تعلن بعد عن شئ هام 
بشأن هذه المدينة . ولا تنفرد دمياط القديمة بهذا الغموض ، فهناك عشرات من 
المدن المصرية التي ضاعت معالمها الأولى ، وما برحت تنظر انقشاع الظلام الذي يخيم 
على موقعها أو تاريخها .

وقد تصادف مرة أن عثرت الحملة الفرنسية بدمياط ، أيام نابليون ، على جزء 
من ناووس مصنوع من الجرانيت حمل إلى متحف اللوفر ، كما عثر مرة أخرى على
حجر مصري قديم بجوار « تل العظم » بدمياط . وفي عام ۱۹٤۰ كان بتل القلعة 
المجاور لتل العظم هذا ، قناة من الماء تصب في بالوعة مجهولة قيل إنها سراديب تحت 
الأرض لم يكشف عنها .. فزعم البعض أن هذه أشارات ضعيفة ترسلها دمياط 
الفرعونية إلى أهل القرن الحاضر ! ..

وبينما يرجح عدد من علماء الآثار المحدثين ، ويؤكد غيرهم ، وجود مدينة في 
العصور الفرعونية باسم تامحيت ، أو تم آتي ، أو نوت تامحي ، تشير إلى تاميات 
القبطية ، وتاميات الاغريقية والرومانية والبيزنطية ، ودمياط الحديثة ، فأن هناك 
أيضا من ينكر وجودها في ذلك العصر السحيق ويبدأ بتاريخها من العصر 
الروماني فحسب !

وهذا ، المسيو أتين دريو تون — وكان مديراً لمصلحة الآثار المصرية منذ عهد
قريب ، فلقد كتبت إليه أساله عما يعرف عن دمياط في العصر الفرعوني من وراء 
دراساته وأبحاثة في التاريخ المصري القديم فكتب إلي :

!! نحن لا نعلم شيئا على الاطلاق عن تاريخ دمياط في العصور القديمة 
الفرعونية و يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كانت قد وجدت وقتذاك ، و لم يذكر
أسمها في النصوص الهيروغليفية ، أما الأحجار القليلة القديمة التي وجدت هناك ،
فقد جلبت من أمكنة أخرى . ولم تقم هناك حفريات بالمرة تؤدي إلى شئ من 
الاكتشاف . وكل هذا يدعو إلى الاعتقاد أنه لم تكن هناك مدينة بهذه الجهة 
في عصر الفراعنة ، وأني آسف لأن أقدم إليك معلومات نافية كهذه ... »

وهذه الرسالة تذكرنا برسالة أخرى أرسلها المسيو سافاري من دمياط إلى 
صديق له عام ۱۷۷۷ وبها يقول : (۱)

« إن تاريخ دمياط یا سیدي غامض جداً . فجميع الكتاب تقريبا خلطوا بين 
المدينة القديمة والمدينة الحديثة . وأخطاؤهم المتكررة أضفت الغموض والابهام 
على هذه النقطة المهمة من جغرافية مصر . ولكي تمحو هذه الأخطاء علينا أن نتتبع 
ترتيب الازمنة ، ونبحث أولا عن دمياط الشهيرة التي هاجها الأمراء الأوربيون 
مراراً . فأن معرفة الأزمنة والأمكنة، ترتب الموضوعات في ذهنك ، وتعطيك عن 
الاحداث الممثلة في الوقت الذي يناسبها ، فكرة واضحة ... ... »

وأما العالمان الأثريان : أحمد كمال ، وسليم حسن ، فلم يذكرا شيئا واضحا 
عن دمياط في مؤلفاتهما .

ويبدو أن هنری بروجش صاحب القاموس الجغرافي المشهور في القرن التاسع 
عشر ، كان أول من أشاع أسم تامحيت ، أو تامیمي ، أو نوت محي ، أو تامیمو ، 
كمرادف قديم لاسم دمياط الحديث . ویری هنری جوتييه أن الباعث لبروکش على 
هذا ، هو الاسم القبطي تامیات ، ثم يقول إن رأيه هذا لم يؤيده علماء 
الآثار المصرية .

ففي قاموس بروجش هذا ، تری بلدة باسم تامیحي ، وتامحت ، بمعنى أرض 
الشمال أو البلد البحرية أو ارض مياه الشمال كما تجد بلدة بأسم تامیحو أي بلد الكتان .
وأيضا مدينة باسم نوت تامحي ، ونوت محيت أي مدينة الارض الشمالية .

واطلع العالم جاك دي روجيه على آراء بروجش و غيره في هذا الموضوع . 
ثم قال في مقدمة كتابه : الجغرافية القديمة لمصر السفلى » .

« إن تحديد المقاطعات المصرية المبينة في القوائم الهيروغليفية ، ومعها 
المقاطعات التي بينها جغرافيو عصر الأمبراطورية الرومانية ، أو المذكورة في علم 
المسكوكات القديمة التي تعود إلى القرن الثاني للميلاد ، لم تزل إلى حد ما رغبة ينشد 
علم الآثار المصرية تحقيقها واستكمالها . ففي عام ۱۸٦۷ ظهرت مقالة مهمة للمسيو 
روبيو عن الجغرافية المقارنة لدلتا النيل . ومنذ ذلك الحين ظهرت وثائق جديده ، 
وحفائر هامه ، وعلى الأخص القاموس الجغرافي الذي وضعه بروجش ، مما زاد في 
معرفتنا بهذه الناحية ، وما يمكن أن يضاعف أملنا . (٢) غير أن من التهور القول 
بأن الطبوغرافية القديمة للوجه البحري قد وضحت تماما . وأن بروجش نفسه ، 
مؤسس جغرافية مصر القديمة يتردد أحيانا عند عدد من المسائل . ونراه يغير في 
ملحق قاموسه الفخم ما كان يعرضه أولا كحقائق . ولكن الفضل للمواد التي 
جمعها بمثل هذه المعرفة ، وناقشها بمثل تلك المثابرة ، مما سيعين الانسان يوما على 
الوصول إلى معرفة اكثر عمقا بالاقسام القديمة للدلتا .

ولقد قام العلماء بحفائر بالوجه البحري في جميع الأزمنة ، بحماسة أقل قوة 
واستمراراً مما قاموا به في سائر أنحاء وادي النيل ، وتحتاج الأبحاث في الدلتا إلى 
نفقات طائلة لأن الآثار بها مدفونة على عمق اكثر مما في غيرها ، فالمدن والمعابد التي 
خربتها الغزوات المتتابعة ، والتي تحملت الدلتا دائما أهوالها الأولى ، شهدت توالي 
الآزمنة من تعاقب الرقي والتدهور . ثم جاء غرين النهر بدوره ليغطي الأحجار 
الأكثر قدما فطمس حتى ذكرى المدينة نفسها . غير أن الخرائب موجوده بالدلتا 
تحت الطبقة الكثيفة ، تنتظر المنقب الذي سيأتي وينتزع كنوزها 
التاريخية ... ... »

ثم يذكر دي روجيه قائمة بأسماء مقاطعات الوجه البحري العشرين ، ويضع 
أمام كل أسم منها مرادفة اليوناني ، وكان الأسم المصري للمقاطعة السابعة عشرة هو 
سامحيت أو سما بحدت ( أي المنظم للعرش ) . وكانت خاصة بعبادة الإله آمون ولذلك 
سماها اليونان ذیوس پوليس أي مدينة الرب.

ولما كانت هذه المقاطعة تقع شمالي المقاطعة الثانية عشرة المسماة « ثب نتر » 
وعاصمتها ثب نترت أو خمنوتي بالقبطية وسبينوتس اليونانية ( سمنود ) ، 
فقد أطلق على تلك المقاطعة ( السابعة عشرة ) أيضا : سبينوتس السفلى ...

وورد في مخطوطة بيانخي ثلاث مدن متجاورة تتوالى تحسب ترتيها الجغرافي 
من الجنوب إلى الشمال وهي : سبنيت ( سمنود) ، وبهبيت ( المجاورة لطلخا ) 
ثم سامحیت .

ويقول بطليموس الجغرافي أن مقاطعة سبنيتوس السفلى هذه ، تشمل الأرض 
الواقعة بين الفرع التاتميتي ( فرع دمياط ) والفرع السبنيتي ( فرع سمنود ) .

وكانت هذه المقاطعة تمتد إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط . وكانت عاصمتها 
بي آمون واليونانية ذيوس پوليس ، وكانوا يقرنون هذه المدينة مع طيبة الجنوبية .
فكانت لذلك تذكر بأسم « طيبة الشمال » أو « مدينة الشمال » .

ولنذكر أن لفظة تامحيت تعني مدينة الشمال . 

ويستطرد دي روجيه :
« وإذا استطعنا أن نحدد بطريقة مضبوطة نوعا ما . حدود المقاطعة السابعة 
عشرة ، ونجد تشبيه عاصمتها بطيبة الجنوبية ( مدينة الجنوب ) ، فأنها في رأيي لم تكن
في الموقع الذي يتفق مع مكان ذيوس ہولیس . ولنذكر أن سترابون يضع مدينة 
ذیوس بوليس بجوار مدينة منديس .

« ولكن العالم بروجس في استناده إلى مقارنة الأسماء يضع ذيوسبوليس 
مكان دمياط ويتفق معه تافيل في هذا الرأي (٣)

« غير أني لست مقتنعا بأن دمياط يمكن أن يشتق اسمها من نو — ت — 
محيت ، أي مدينة المقاطعة الشمالية ، وسأظل لذلك في حيرة حتى يظهر أثر جدید 
يثبت موقع عاصمة هذه المقاطعة السابعة عشر . ولعل قائمة اكسفورد تزودنا 
بأشارة ، ولكن الواقع أن هناك خلطاً حول هذا الاسم . فأن هذه القائمة تترجم 
كلمة ذيوس بوليس بالعربية إلى فكمون أو تل البلون ( بر آمون ) وهي التي تأتي في 
ترتيبها الجغرافي بعد سبنیتوس ( سمنود ) (٤)

أضف إلى ذلك أن قائمة اكسفورد لا تخلط بين مدینتي ذیوسبوليس ودمياط 
لأنها تضع دمياط قبل بیلوز في مسافة أبعد .

وأخيراً فان مدينة عظيمة مثل ( يوسبوليس ، لا يمكن أن تختفي من الوجود دون 
أن تترك بعض الآثار . وقد تكشف الحفائر بالوجه البحري عن خرائبها التي تمدنا 
بآثار هامة في التاريخ والدين .

وهاك أسماء المدن الرئيسية بالمقاطعة السابعة عشر التي ورد ذكرها في النقوش 
الهيروغليفية — ( وهذه المقاطعة كما سلف تضم دمیاط في نطاق حدودها :

نو— تا — محيت : أي مدينة المقاطعة الشمالية 
نو — تا — توميحي : أي مدينة أرض الكتان 
أو — أس — محت : أوى طيبة الشمالية — ولفظة ( أو ) تعني مقاطعة 
با — خن — آمن : وهي باخنا مو تيس أو بيناميس أو ذيوسبوليس
                           وقائمة اكسفورد تعرها بالفلمون أو تل البلمون 
                           بمركز شربين 
تار — سمحيت : ومعنى سمحيت أو سما بحدت المنضم للعرش

ثم جاء العالم هنري جوتييه ، وكان يشغل وظيفة السكرتير العام لمصلحة الآثار 
المصرية ، و للمجمع العلمي بمصر ، وبحث عن اسم دمياط القديم ، وذكر رأيه في 
مؤلفه : « قاموس الأسماء الجغرافية الموجودة في النصوص الهيروغليفية »

ومجمل رأيه أن محاولة كل من بروجسن ونافيل في وضع مدينة ذيوسبوليس 
مكان دمياط ، لم تحظ بموافقة كثير من العلماء . لأن ذیوسبوليس — عاصمة المقاطعة 
السابعة عشرة — مكانها اليوم تل البلمون بمركز شربين .

وأما تامحيت أو تامیحو التي وردت في كثير من الشواهد والأحجار ، وفي عدد 
من المقابر وورق البردي و معناها : أرض الشمال ، فانها تطلق أيضا على الوجه 
البحري كله ويقابلها تاشمو أو تا شمع أي الوجه القبلي .

وهو يرى أيضا أن ترجمة بروجسن لها بأرض الكتان لا تبدو مقنعة أضف 
إلى ذلك أن لفظة تامیحو وردت أيضا في بعض المتون وعلى بعض تماثيل رمسيس 
الثاني بمعنى البلاد الواقعة شمالي الدولة المصرية :

وقد ورد أيضا اسم : دمات — ن — بتاح — تنن أي مدينة الاله بتاح تنن ، 
ویری داریسي أنه الاسم الهيروغليفي لدمياط المجاورة للفرع الفاتنیتي ( فرع دمياط ) 
وأن اسم الفرع مشتق منها .

وكذلك عثروا من أيام الأسرة الحادية عشرة على بلدة باسم ( دماتي أو ) 
والمعروف أن ديمي أو دميت تعنى مدينة بالهيروغليفية . ويظن العالم زيتيه أنها 
قد تكون مدينة مصرية واقعة على الساحل الفلسطيني وسميت باسم تاميات الواقعة 
على مصب النيل ، أو تكون دمياط القديمة نفسها .

وقد سلف الذكر أن الأستاذ سليم حسن عالم الآثار المصرية أورد في كتابه 
« أقسام مصر الجغرافية في العهد الفرعوني » مقاطعات الوجه البحري العشرين 
ومقاطعة الوجه القبلي الاثنين والعشرين . فذكر أن المقاطعة التي كانت تشمل برآمون 
( تل البلمون ) وثار ( تیره بمركز طلخا ) وغيرها ، كانت تسمى ( سما بحدت ) وفي 
قائمة سنوسرت تسمى بحدت فقط . وكانت مركزا لعبادة الآله آمون ، ولذلك سماها 
اليونان ذیوسبوليس السفلى أي مدينة الرب .

« ولعاصمة هذه المقاطعة عدة أسماء أهمها ( يا — أو — آمون ) أعني بحيرة 
آمون ، وهو الاسم الذي بقي لنا من الآن في تل البلمون . وكذلك يطلق على عاصمة 
هذه المقاطعة ( وست محيت ) طية الشمالية . وقد برهن الأستاذ جاردنر على أن 
هذا الاسم هو مكان تل البلمون نفسة ... »

وكان يجاور هذه المقاطعة الثامنة عشرة السالفة الذكر ، مقاطعات أخرى لم تزل 
آثار البعض من بلادها باقية . ومنها المقاطعة الثانية التي كانت تشمل جزءا من بحيرة 
المنزلة الحالية ومن مدنها تنیس وكانت تسمى ثني ... وكذلك المقاطعة السادسة عشرة 
وكان اسمها « خنت آبت » وقيل إن معناها الأقليم الذي يأتي قبل الشرق أي في نهاية 
شرق مصر . وكان يطلق على المقاطعة السابعة عشرة في القوائم المتأخرة « تانيت » 
وكانت عاصمتها في باديء الأمر تارو ( بالقرب من القنطرة الحالية ) ثم نقلت إلى 
صان ( أي تانيس ) . وكانت المقاطعة الثالثة عشرة ( ومكانها مركز المنصورة الحالي ) 
بها مدينة البقلية ( بر آفر ) أي بيت الحكمة نسبة إلى الآله تحوت رب الحكمة . 

وكذلك كان يجاورها المقاطعة الرابعة عشرة المسماة حات محيت أي نهاية السمكة 
وترجمها بعض العلماء بأنها مقاطعه الشلبة . أما العالم زيته فيقول إنها سمكة الدرفيل 
وكانت عاصمتها خات وهي مندس عند اليونان ويشغل مكانها الآن تل الربع القريب 
من تمي الأمديد .

واذا كنا قد رأينا قيما سبق أن هذا الأقليم الشمالي الذي يكتشف دمياط 
الحالية ، كان حافلا بالمدن العامرة التي لم يزل بعضها يحمل الاسم الفرعوني محرفاً ، 
مثل تل البلمون بمركز شربين ( بر آمون ) ، و تيره بمركز طلخا ( ثار ) ، و تنیس 
ببحيرة المنزلة ( تني ) ، والبقلة بمركز المنصورة ( بر آفر ) ، فلماذا نستبعد وجود 
مدينة فرعونية مكان دمياط الحالية . ؟ !

كفتور ؟ ! 

وذكر بعض المؤرخين أن دمياط وردت في التوراة بأسم « كفتور » ولكن 
ليس هناك أي دليل على أن هذا الاسم ينطبق على دمياط . فأن لفظة « الكفتوريوم »
كانت تشير في الغالب إلى الفلسطينيين القدماء ، ثم تضاربت الأقوال ، فذهب البعض 
إلى أن كفتور هذه كانت تقع في جزيرة كريت ، وآخرون في قبرص ، وقال البعض 
الآخر أن « الكفتوريوم » تشير إلى سكان مصر السفلى . ويرجح أصحاب الرأي 
الأخير أنها في دلتا مصر وفي شمالها بالتحديد .

ولا يعدو الأمر هنا مجرد التخمين .

ہوکوليا والفرع البوكولي :

وحوالي سنة ٤٥٠ قبل الميلاد زار مصر المؤرخ اليوناني هيرودوت ، وطاف 
بأنحائها من الشمال إلى الجنوب ثم تحدث عنها في تاريخه المشهور فوصف دلتا النيل 
بأنها مسطحة وملآی بالمستنقعات ، وأنها تمتد من هليوبوليس إلى البحر مسافة ٢۸۷ 
کیلو مترا ( بمقیاسنا الحديث ، وأنها مقسمة إلى سبع عشر نومة ( مديرية ) ، وأن 
شمالها کثير المستنقعات .

و بين هذه المديريات التي ذكرها ، اثنتان مجهولتان لنا الآن ، مثل مديرية ناثو 
التي بها مناقع البردي ، وكانت في مكان ما شمالب الدلتا .

أما عن المدن المصرية فاكتفى هيرودوت بذكر أربع وأربعين مدينة كبيرة فقط 
بينها ست وثلاثون مدينة بالدلتا . ولكنه يقول إنه في أيام أمازيس ( في القرن 
السادس قبل الميلاد ) كان بمصر ما لا يقل عن عشرين ألف مدينة مأهولة !

ولا نجد بين المدن التي ذكرها هيرودوت أسما يقرب في لفظه من دمياط . ولو 
أنه أورد أسماء بلاد نجهل اليوم موقعها مثل مدينة باسم أفنيس وكانت في ناحية لم 
يحددها من شمال الدلتا و أهم مدن مديرية باسمها (٥)

وتراه يطلق على شمال الدلتا « اقليم المستنقعات » ولاشك أن البحيرات الموجودة 
الآن في تلك الجهة كانت تترامی بشكل آخر في زمن هيرودوت كما كانت تشتهر بنبات
البردي الذي صنع منه الورق (٦) ولعل المؤرخ لسبب ما لم يصل إلى تلك النواحي
المتطرفة ...

ثم يقول هيرودوت إن النيل يتفرع عند رأس الدلتا إلى ثلاثة فروع رئيسية 
يسمى الشرقي منها الفرع البيلوزي ( نسبة إلى بيلوز أو الفرما ) ، والغربي : الفرع 
الكانوبي ( نسبة إلى كانوب أو أبو قير ) والاوسط السبنيتي (نسبة إلى سبنیتوس 
أو سمنود ) وكان يخرج من هذا الفرع الأوسط فرعان آخران يصبان في البحر يسمى 
أحدهما : الفرع الصايتي ( نسبة إلى صان أو تانیس والآخر المنديسي ( نسبة إلى 
منديس أوتل الريح ) .

أما فرع دمياط فيسميه هيرودوت » بالفرع البوكولي » وفرع رشيد بالفرع 
البولبتيني ( نسبة إلى بولبتين أو رشید ) . ثم يقول إن فرعي دمیاط ورشيد فرعان 
صناعيان من عمل الانسان .

وبذلك يكون للنيل سبعة فروع وسبعة مصبات .

ومقارنة الفرع البوکوکي ( فرع دمياط القديم ) بفرع دمياط الحاضر ، نری 
أن الفرع الحالي يطابق الفرع السبنيتي القديم فيما بين شبرا اليمن والبحر .

وكذلك يلاحظ في أسماء الفروع السبعة التي ذكرها هيرودوت أنها جميعا 
منسوبة إلى مدن معروفة تقع عليها ، ما عدا فرع دمياط الذي سماه بالفرع البوکوکي 
ومعناه باليونانية فرع المراعي . فان كلمة « بوکولوس » تعنى رعاة الاغنام والماشية
أو سكان المراعي .

ويلاحظ أيضا أن المؤلفين الذين جاءوا بعد هيرودوت يسمون فرع دمياط 
بالفرع الفاتنيتي أو الفاتيمتي ، ولم يطلق عليه أحد غيره ، اسم البوكولي هذا .

وقد جاء في بعض المؤلفات القديمة ذکر منطقة في شمال الدلتا كانت معروفة 
باسم « بوکولیا » كانت تشتهر بالمراعي والمنافع والارجح أنها كانت تشمل منطقة 
دمياط وبحيرة المنزلة وبحيرة البرلس ، وورد ذكرها في بعض المراجع العربية القديمة 
باسم « أقليم البشمور » وعرفها بعضهم بأنها المنطقة الواقعة على ساحل الدلتا بین 
فرعي دمیاط ورشيد ، وقالوا إن أهلها كانوا يتحصنون وراء المستنقعات التي حولهم 
والاراضي الرملية والاعشاب ، التي كانت أشبه بالاسوار ، إذا هاجمتهم جيوش الحكام 
حين كانوا يثورون على المظالم والقسوة في جباية الأموال (٧)

ويصف المؤرخ الفرنسي هانوتو أولئك الأقوام الشماليين ، وصفا خلط فيه 
بين صیادي بحيرة المنزلة ، ورعاة البرلس ، واقتبس بعض أقوال هلیودور 
— وهو الذي وضع اقليم البوكولي حول المصب الكانوبي ( أبو قير ) — ثم رجع 
هانوتو بأصلهم إلى الهكسوس الذين غزوا مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد 
ويقول إن هؤلاء الرعاة كانوا طوالي القامة ، ضخام الأجسام ، ذوي وجوه سمراء ، 
وشعور مسترسلة ، يعبرون البحيرات في قوارب خفيفة مصنوعة من جذوع أشجار 
مجوفة كانوا يحملونها على اكتافهم ، ويركبون الخيول بلا سروج ، ولا يسمحون
لحكام مصر أن يعبروا إليهم .

وذكر أن هؤلاء « البشمور » أو « البياميت » الذين ورد ذكرهم في الهيروغليفية 
باسم « بي آمو » قد أتوا من آسيا باسم « بي شمر » ( ولعلهم الشعب الخبيري الأسيوي 
الذي انقض على سوريا في عهد اخناتون )

ثم يقول هانوتو : « وأنك إذا زرت شرق الدلتا وشواطىء المنزلة ، صادفت 
هناك سكانا أشداء من صيادي الأسماك والحيوان ، أقوياء ذوي عزم ، وقد لوحت 
الشمس بشرتهم ولهم لحى سوداء خشنة . وقد هال جنود نابليون منظرهم فقالوا فهم : 
« إذا أتيناهم محاربين فان صيحاتهم كانت تخيفنا ، فنلقي بأنفسنا في الماء ... » وهكذا 
تتضارب الأقوال في أمر أولئك البشموريين الرعاة أو البوکولي . فيضعهم البعض 
حول بحيرات ادكو و مربوط و البعض في بحيرتي المنزلة والبرلس ...

ولا شك أن دمياط القديمة كانت في معزل عن هذا الطراز من القوم .

وفي عام ۳٦۰ ق. م وضع ملاح يوناني اسمه سكيلا کيس کتابا لم يصل اليا منه غير 
مخطوط شوهه الزمن ، ذكر فيه أن للنيل سبعة فروع كما ذكرها هيرودوت ، ولكنه 
سمي فرع دمياط بالفرع الفاتنيتي وظل هذا الفرع يحمل هذا الاسم : الفاتنيتي تارة 
والفاتميتي تارة أخرى . ويفسره البعض بالفرع الأوسط ، وأن الاسم مشتق من 
اللفظة القبطية فاتميس أو فاشميس (٨)

وكذلك يذكر سترابون الذي زار مصر عام ۲٤ ق. م — في أوائل عصر 
الرومان — سبعة فروع للنيل كما يصفها هيرودوت ، ولكنه أيضا يسمى فرع 
دمياط « الفاتنيتي » ويقول إنه يلي في الكبر الفرعين الرئيسيين البيلوزی والكانوبي ، 
وأنه يخرج من رأس الدلتا . ويسمى مصبه : الفانتي

وبمقارنة ما ذكره سترابون بما ذكره هيرودوت عن فروع النيل هذه ، نرى أن 
الفرع الفاتنيتي الذي وصفه سترابون هو الجزء الأعلى من الفرع السبنيتي مع الفرع 
البوكولي الذي وصفه هيرودوت .

ثم يصف سترابون أرض الدلتا بأنها مجزأة على شكل جزر حولها فروع النهر 
والترع ؛ وتتصل هذه الأجزاء بالقوارب . وأن هناك بحيرات في شمالي الدلتا منها 
بحيرات ومستنقعات شاسعة جدا تتناثر فيها القرى والبلدان وذلك فيما بين الفرعين 
التانيتي والبيلوزي ( بحيرة المنزلة ) ومنها بحيرة واسعة تسمى سيربونیس تمتد في شمال
سيناء ( البردويل الآن )

اما عن مديريات الدلتا ومدنها ، فيقول سترابون إن بمصر ۳٦ نومة ( مديرية ) 
منها عشر بالدلتا وستة عشرة بمصر الوسطى وعشر بأعلى الصعيد . ولكنه لا يذكر 
غير أسماء ۲۳ منها جميعا . كما أنه لا يذكر غير ۹۹ مدينة بمصر كلها . ولا نجد بينها 
ما يشير إلى دمياط .

ونعود إلى القول إن هذا لا يعني عدم وجود المدينة مطلقا . بل لعل هناك 
أسبابا حالت دون ذكر أسم هذه المدينة بالذات ، فقد كان أولئك السياح الأجانب 
يكتفون بسرد أسماء المدن الكبيرة ، أو التي يزورونها في طريقهم ، ثم لا ننسى 
أن أكثر ما كتبوا ضاع أو احتزل ..

ولما زار مصر دیودور الصقلي — معاصر يوليوس قيصر — عام ٥۹ ق. م. 
قال إن مصر تفوق سائر الأقاليم الأخرى في العالم في كثافة السكان ، وفي عدد 
المدن والقرى ، التي تربو على ثلاثين ألف بلدة ! وأما عن الدلتا التي تشمل أحسن 
أراضي مصر ، لخصب تربتها وحسن ريها ووفرة محصولها ، وتنوعه فبها سبعة 
فروع للنيل ذات سبعة مصبات ومنها « الفرع الفاتنيتي » ... ولكن هناك 
مصبات أخرى لفروع صناعية كما أن بها ترعا كثيرة .

ثم يقول دیودور عن مصبات النيل : « إن عند كل مصب تقع مدينة ذات 
أسوار يقسمها النهر إلى قسمين . وبها جسور عائمة ومخافر » .

فاتميس ؟ !

واذا كان بعض العلماء يرى أن الفرع الفاتنيتي أو الفاتميتى ( فرع دمياط ) 
مشتق من الكلمة القبطية « فاتميس » أي الوسط فان هناك رأيا آخر تفرد به 
المؤرخ الروماني بليني الذي كتب عام ۷۰ للميلاد فهو يرى أن فروع النيل السبعة


الرئيسية نسبت أسماؤها كلها إلى مدن شهيرة تقع عليها . فالكانوبی مثلا نسبة 
إلى كانوب ( أبو قير ) ، والبولبتيني إلى بولبتين ( رشید ) ، والفاتميتي ( فرع 
دمياط ) إلى مدينة فاتمیس !

فهل كان هذا مجرد استنتاج أم حقيقة ؟ لا يستطيع أحد أن يقرر وان كنا 
نرجح أنه استنتاج !

وأخيرا يقتبس بليني من الجغرافي اليوناني القديم ارتیمیدوروس أن بدلتا 
النيل وحدها ۲٥۰ مدينة كبيرة .

بتاح تانن ؟ !

وهناك بحث للعالم داریسي عن الأصل في اسم الفرع الفاتنيتي ، يقول فيه 
إن المسيو نافيل وجد بالزقازيق ناووسا نقش عليه بالهيروغليفية : « معبد 
بتاح تانن شیده رمسيس على ضفة النهر » — ( وبتاح أو فتاح هو اسم الإله 
المصري المعروف ) — ونطق الأغریق لفظتي « بتاح تانن » : بتانن أو فتانن 
ثم صارتا بالادغام « فانتي » التي خرج منها اسم الفرع الفاتنيتي أو الفاتمیتي 
وذكرها بطليموس : فاتموتي .

وكذلك ترى في قوائم جرنه وأبيدوس نیلا يسمى بما معناه « ماء بتاح » . 
واختصر اسم «بتاح تانن » واقتصر على الشطر الأول ،

ثم يقول داریسي : ونحن نجهل ما إذا كان المعبد المنسوب إلى رمسيس 
كان بمدينة مشيدة بجوار مصب الفرع الفاتنيتي ( فرع دمياط ) وفي هذه الحالة 
يمكن للمرء أن يفترض أن الاسم القديم لدمياط كان يمكن أن يكون بالهيروغليفية 
تامو بتاح — ويسمى بطليموس النهر ومصبه « فاتموتي » كما سلف ...


(١) جاك دی روجيه ، وبروجش وغيرهما نقلا عن القوائم الهيروغليفية 
والقبطية ويرى سليم حسن أنها كانت المقاطعة الثامنة عشرة كما سیلي .

(٢) من تلك الوثائق المكتشفة قائمة يونانية قبطية عربية لمراكز الأسقفيات 
بمصر نقلها رينيليو عن مخطوطة باکسفورد وهي تقسم مصر السفلى إلى سبعة أقسام 
— ومن مدن القسم الثالث : أبو صير ، وبنا ، ودميره ، و تمي ، و تامیات ،
والفرما ...

(٣) ادوارد نافيل : كتاب اكمة اليهود ومدينة أدنیاس ، ص ۲٥ وفيه يذكر 
تب نوتر ( سمنود ) و باحیيی ( بهبيت ) وسامهوت أو سامهود أو سامحيت ( مقاطعة 
دمياط ) فهو يفترض أن سامهيت هي دمیاط ولكن المعروف أنها ذيوسبوليس 
اليونانية وكانت عاصمتها بي خوم — ان — آمون وباليونانية تاخنامونیس .

(٤) تل البلمون بمركز شربين على بعد خمسة كيلو متر من الجنوب الغربي لمحطة 
رأس الخليج قرب دمياط وأصلها بر آمون أي معبد الإله آمون .

(٥) لم نعثر على مدينة بمصر بهذا الاسم ، ولكن كانت هناك بلدة تسمى أفثيس 
في مقدونيا اليونانية اشتهرت بمعبدها المكرس للاله زیوس آمون — والاسم يجمع 
بين الألهين اليوناني والمصري معا — ويلاحظ مما سبق أن المقاطعة السابعة عشرة 
التي كانت تضم دمياط الحالية ، كانت مركزا لعبادة الإله آمون وكان من بلادها 
بر آمون وسماها اليونان ذیوس بوليس .

(٦) تقول البارونة مانيتولي عندما زارت دمياط عام ۱۸۲۰ : « وصادفنا 
مرة في إحدى جولاتنا الصباحية نبات البردي الذي استعمله القدماء في صنع الورق 
وهو نوع من البوص المثلث الأركان ولا يوجد اليوم في أي مكان آخر بمصر غير 
نواحي دمیاط وشواطي بحيرة المنزلة . ولا نستغرب ندرة هذا النبات إذا ذكرنا 
قول سترابون عن البردي أن الحكومة کی تحتقره ، أمرت بنزعه من جزء كبير من 
مصر وقصرت زرعه فقط على بعض أقاليم معينة يمكن بها الاشراف على زرعه ... »

(٧) من ذلك ما جاء أن ثورة خطيرة تعرف بحرب الزراع أو الحرب البوكولية 
في عهد الامبراطور الروماني مرقس أوريليوس ( ۱٦۱ — ۱۸۰ م ) فأرسل إليهم 
الامبراطور قائده کاسيوس فأخمد الثورة .. ومقاومتهم فيما بعد لجيش عمرو بن العاص 
وثورتهم في وجه عمال عبد الملك بن مروان ، وثورتهم في حكم المأمون لكثرة 
الخراج الذي وقع عليهم والقسوة التي استخدمت في جمعه ، فسار إليهم المأمون بجنده 
وأحرق مساكنهم وأعمل فيهم السيف ( أنظر ساويرس : سير الآباء البطاركة
ص ٤۹۳ ) .

(٨) بحث العالم كترمير في هذه اللفظة ورأى أنها مشتقة من فاتميس القبطية 
ولكن لم يزل هذا الرأي موضع الشك لأن الفرع لم يكن وسطا بين الفروع السبعة . 
ويلاحظ أن كلا من سکیلا کس ودیودور الصقلي ، وسترابون يسمون فرع دمياط 
الفرع الفاتنيتي . ويسميه بليني : فاتميتي ، وبطلیموس : فا تموتي ...


المصدر: كتاب تاريخ دمياط منذ أقدم العصور تأليف نقولا يوسف (رابط)، الصفحات من 50 حتى 63. 

طوابي رأس البر



(٦) طوابي رأس البر
مصر . محمد كامل الغمراوي . الى عهد 
مَن من الولاة في مصر يرجع تاريخ بناء
الطوابي القديمة على ساحل بحر الروم التي منها
الطابيتان المتهتدمتان عند رأس البر
ج . جاءَ في الخطط التوفيقية ان قلعة
البوغاز الكبرى في رأس البر انشأها
الفرنسويون حينما احتلوا القطر المصري في
القرية القديمة المسماة بقرية البرج ولم يبقَ
من آثارها الاَّ الجامع . ثم ان عباس باشا
الاول انشأ القشلاق الكبير الذي هناك على
شاطئ النيل وجملة مخازن للبارود والمهمات
العسكرية وصهريجًا لشرب العساكر المرابطين
بتلك القلعة مع اهل عزب البرج . واما
القلعتان اللتان في جهتي البوغاز شرقًا وغربًا
فانشئتا في زمن الفرنسوية . وقلعة الديبة
بنيت في زمنهم ايضًا وكذلك قلعة بوغاز
البرلس
ثم ان عباس باشا انشأ اربعة ابراج
غربي بوغاز دمياط وبرجًا فوق اشتوم الجميل
شرقي قلعة الديبة ورممت مباني الفرنسويين
في عهد محمد علي باشا وقوّيت ورمم اسماعيل
باشا قلعة العزبة الكبيرة وعليهِ فتلك الطوابي
والابراج بني بعضها في عهد الفرنسويين
وبعضها في عهد محمد علي باشا وعهد 
عباس باشا ورممت في عهد محمد علي باشا
واسماعيل باشا

المصدر: مجلة المقتطف الجزء الثالث من المجلد التاسع والاربعين، 1 سبتمبر (ايلول) سنة 1916 — الموافق 3 ذي القعدة سنة 1334. سؤال عن طوابي رأس البر (رابط)

حكاية المصري الغريب

حكاية المصري الغريب - من كتاب علم الدين لعلي مبارك
حكاية المصري الغريب - من كتاب علم الدين لعلي مبارك


المسامرة التاسعة والثلاثون 
حكاية المصري الغريب

قال الناقل وبينما هم كذلك اذا بانسان هرم دخل عليهم فسلم 
بلسان عربي فصيح فرد عليه الشيخ وولده وحياه الانكليزي على 
حسب العادة واذنوا له بالجلوس فجلس ثم تأملوا في هيأته ولغته 
فعرفوا انهُ ليس من اهل البلدة فقال الشيخ لعلكم من اهل مرسيليا 
قال لا وانما انا ساكن بها منذ مدة طويلة وانا من جهة مصر
ومسقط راسي القاهرة ولي بها اقارب ولا اعلم الان ما فعل الله بهم 
وكانت اقامتي معهم بمصر في خط الازبكية ولي حكاية غريبة في 
سبب مفارقتي لهم فقال الانكليزي اظنك ممن كان حضر مع نابليون 
بونابرت حين خرج من مصر فقال نعم فقال له كيف تبعته وتركت 
عائلتك واهل بيتك قال الرجل في مدة اقامة الفرنساوية بمصر
كان قد اختلط بهم بعض اهلها حتى دخلوا تحت طاعة الفرنسيس 
وانضموا اليهم فمنهم من كان في خدمتهم ومنهم من دخل في عسكرهم 
وقليل منهم شاركهم في التجارة فكنت ممن دخل في العسكرية 
فاقمت فيها مدة الى ان حصل الصلح بينهم وبين المصريين وكان 
في من كتب اسمهم في العسكرية كثير من القبط المصريين ونصاری 
الشام ومن بقي من المماليك الذين كانوا بها قبل دخول 
الفرنسيس اليها ولما وقع الصلح وتأهب جيش الفرنسيس للرحيل 
خرج من العسكرية من خرج وبقي من بقي فكنت ممن بقي وكان 
عمري از ذاك قريبًا من ثلاثين سنة وكان السبب في بقاء من 
بقي مع الفرنساوية ان اهل مصر كانوا يتوعدون كل من دخل 
في زمرة الفرنساوية بالقتل وبغيره فلذلك اخترت البقاء معهم 
والمهاجرة الى بلادهم وعلى اي حال فالقسمة غلبت وخرج معهم 
من خرج الى ان وصلنا مرسيليا فمنا من اقام بها ومنا من بقي في 
العسكرية وسار مع نابليون فكنت ممن اقام بمرسيليا فرتب لنا من 
جانب الحكومة مرتبات لكنها لم تكن كافية فاخذنا في الاسباب
كل على حسب اقتداره وتزوجنا من نسائهم وتخلقنا باخلاقهم 
وتهيأنا بهياتهم واكتسب كل منا على حسب سعيه وكده واعاننا 
على الكسب في هذه المدينة انها مينا واشغالها كثيرة وامور السعي 
والعمل والكسب فيها متيسرة وبهذه الكيفية تيسرت معیشتنا 
ورضينا بقضاء الله وقدره وان كان حب الوطن لا يبرح من 
بالنا وافكارنا لا تفتر عن ذكر اهلنا وبقينا على هذه الحال إلى ان 
تعصبت الدول على دولة فرنسا واتفقوا على خلع الامبراطور 
واشخاصه إلى جزيرة الب للاقامة بها ورد الحكومة الى الملك لويز 
الثامن عشر من ملوكهم فعند ذلك حصل لنا ولكل من كان قد 
انتمى اليه من الذل والاهانة ما كان سببًا في مفارقتنا لمرسيليا ولو
كنا نعلم الغيب لكنا جميعا هاجرنا من هذه البلاد قبل ان ينزل 
بها ما نزل من المقدور وما هو في علم الله مستور ومسطور فكنا 
نحو اربعمائة نفس بعيالنا وكانوا يسوموننا كل يوم من العذاب ما 
لا اقدر على وصفه الى ان حصلت الحادثة التي رجع فيها بونابرت 
الى السلطنة مدته الأخيرة المعروفة عند اهل هذه البلاد بحكومة 
مائة يوم لانه لم يقم بها الاَّ هذه المدة فلما انقضت حصل لنا ولجميع 
من انتسب اليه غريبًا كان او غير غريب ما يعجز عن استيفائه 
اللسان ويكل في حصره البيان وحاصل الامر ان جميع المماليك 
والمهاجرين الذين كانوا معنا وعيالهم واولادهم قتلوا في وسط 
حارات مرسيليا وشوارعها بكيفيات يشمئز منها الطبع ويمجها السمع
ولولا اني كنت غائبًا في ذلك الوقت لقتلت فيمن قتل ولما عدت 
وجدت عيالي جميعًا قتلوا مع والدتهم وشرح ما حصل في تلك 
الايام طويل ولو مكثت طول عمري اذكر لك من اخبارها لكان 
ما اذكره بالنسبة لما اتركه اقل من القليل

فقال الشيخ اود ان اعلم كيف كان قتل المساكين الاغراب 
وكيف سلمت الحكومة في ذلك فان مثل هذا لم يسمع به في بلاد 
البربر ولا بين سكان البادية فكيف يكون في الملل المتمدنة ام 
كيف يحصل من ملة يقال فيها انها بلغت من التمدن غايته

فقال ذلك الرجل ان طباع هذه البلاد غريبة جدًا لانهم 
دائمًا في فتن ومحن ويودون دائمًا تغير صورة حكومتهم وديانتهم
كما يغيرون ملابسهم فان شئت وتفضلت عليّ انت ومن تحب 
بالزيارة في منزلي فهناك نتروح بذكر البلاد واتلو عليك شيئًا مما 
وقع في هذه الحادثة من الصلاح والفساد فسكت الشيخ فنظر ذلك 
الرجل الى الانكليزي فقال اما انا فقد دعيت عند بعض الاحباب 
ووعدته في هذا اليوم بالذهاب واود ان اخذ معي برهان الدين 
وان اراد حضرة الشيخ أن يتوجه معك ويصطحب يعقوب معه 
فالراي له فاتفقوا على ذلك وقاموا جميعًا فذهب الشيخ ويعقوب 
مع الرجل الى منزله فقابلتهم زوجته احسن المقابلة وحيتهم تحية 
الاكرام والمجاملة واجلستهم في المكان المعد للضيفان وامرت باحضار 
القهوة والدخان فشربوا ثم شرعوا في التبسط بانواع الكلام الى ان
وصلوا الى ذكر حوادث الايام فقال الشيخ للرجل ارجوك ان تفي 
بما وعدت به انفًا من حكاية ما حصل في قتل اولئك المساكين 
الاغراب وما حصل بهم من انواع العذاب والعقاب فتنفس الرجل 
الصعداء وقال ان اهل مرسيليا وما جاورها من البلاد بل اهل 
فرنسا على الاطلاق منقسمون فرقًا فمنهم في السلطنة الملوكية ومنهم 
من يميل الى الامبراطورية ومنهم من يحب الجمهورية ولكل قوم
كلام في ترجيح رايهم ليس هذا محله وكل فرقة من هذه الفرق مع 
الاخرى في فرنسا كسعد وحرام في مصر والقيسية واليمانية في بلاد 
الشام فمتى كانت الحكومة امبراطورية كانت الغلبة لمن يتبعها والعكس 
بالعكس من ذلك لا ينقطع من بينهم عرق الشقاق ولا تزال الدماء 
بينهم تراق في الحارات والاسواق ومن ذلك مسألة الاغراب التي 
سمعتها فانها انما نشات من تلك التعصبات وذلك ان اهل مرسيليا
كانوا اول من نصب لواء العصيان في القومة الأولى على بونابرت 
فلحقها مدة حكومته ما لحقها من الذل وضياع المزايا التي كانت 
بميناها زمن الحكومة الملوكية لانها كانت وقت ذاك معافاة من 
الكمارك والعوائد وكان ذلك من اقوى اسباب ثروتهم وسعة 
تجارتهم فلذلك كانوا يتمنون عود الحكومة الملوكية حتى انهم من 
شدة كراهتهم له ولمن اتبعه لما شاع الخبر بانحطاطه في سنة الف 
وثمانمائة وأربعة عشر للميلاد وفي سنة ۱۲۳۰ للهجرة قاموا جميعًا 
وقام معهم اهل البلاد والمديريات التابعة لها ففعلوا باتباعه أفعالاً
شنيعة وقتلوا كل من كان له ميل اليه بالقوة وشاع ذلك حتى
كان امرًا مشهورًا وتاريخًا على طول الزمن مذكورًا وهجموا على 
محلات رجال الحكومة فقتلوهم وقتلوا أتباعهم ولم ينجُ مدير المديرية 
من ايديهم الاَّ بالفرار الى ميدان الفسحة وهجموا على هيكل 
الامبرور الذي كان منصوبًا في ميدان المدينة فكسروه ورموه 
واقتلعوا جميع ما كان في ذلك الميدان من الأشجار والنبات 
والازهار وحرقوا ما كان به من انواع الزينة والزخرفة وبالجملة 
فلم يحترموا تربة كانت هناك وان كانت لاحد مشاهير رجالهم بل 
حفروها ودمروها حتى لم يبق لها اثر هذا والسبب في تغالي اهل 
هذه المدينة في الميل إلى الملك ان عائلته كانت دائمًا تعدهم برد 
المزايا التي فقدوها وتشوقهم برجوع مزايا اخرى كانت لهم من قبل 
وسلبتها منهم حكومة بونابرت فلما خلع من الملك اول مرة جمعوا 
من رجالهم حزبًا عظيمًا عينوه لترغيب من يريد الدخول في 
العسكرية فانضم اليهم اهل الشقاوة والمفسدون واخلاط من 
العَمَلة والفعَلَة واستمروا على ذلك نحو احد عشر شهرًا من خلعه 
ولهذا لما بلغ هولاء الاشرار خروجه من جزيرة الب ودخوله ثانيًا 
ارض فرنسا خافوا على انفسهم من عاقبة فسادهم وايقنوا بحلول 
العقاب بهم دفعة واحدة ورفعوا لواء العصيان ورغبوا اهالي 
المدينة ومن حولها وخصوصًا العمال في المعامل وفي المخازن 
العسكرية وكذلك كل من وجدوه من الفقراء والمساكين فتجمع
من هذه الجموع المختلفة الاف مؤلفة وانتشروا في المدينة وشبوا 
في طرقاتها نار الفتن التي احلت بهم القضاء وهجموا على فريق 
العسكر واكرهوه على ان يقوم معهم لمنع الامبرور من دخول ارض 
فرنسا فخرج معهم بعسكره وساروا لتعطيل الامبرور عن الخروج 
من البحر لكن الله قدر خروجه من البحر قبل وصولهم اليه فلم يبلغوا 
مقصدهم ورجعوا إلى المدينة خائبين فصاروا يقوّون جموعهم 
فعظمت قوتهم وازداد كرب الأهالي المنقطعين لاشغالهم من تعديهم 
وظلمهم لهم وكانوا يزعمون ان الملك اذا قام بجيوشه يقاوم حزب 
الامبرور نابليون ولم يخطر ببالهم ان الامبرور متی وضع قدمه 
بارض فرنسا اجتمع حوله خلائق كثيرة من عساكره القديمة والجديدة 
وغيرهم استمالهم اليه ما كان له من الشهرة وكثرة الفتوح والنصرة 
فكان الامر على خلاف ما زعموا ولم يقاومهُ حزب الملك بل فرّ 
بعائلته ودخل نابليون ارض فرنسا واخذ بعنان الحكومة كما كان 
فتضعضع راي هولاء الاشرار وتفرق شملهم وترتب على نزول الملك 
عن سرير الملك وخروجه من باريس تغير جميع حكام الجهات 
والمديرين ومن جملتهم حكام المديرية التي مركزها مرسيليا فتغير 
حاكمها وحضر لقيادة العساكر بها رئيس غير الاول وكان يجب 
الصلح والاصلاح فاجتهد في منع اسباب الفساد وقمع اربابه بطريق 
الانصاف والمساواة وتسكين الفتن حتى انحسمت الامور ومع هذا 
كان المفسدون كلما وجدوا للفتنة فرجة اوسعوها او فرصة للشر
ابتدروها فكانوا يوقدون نيران الفتن خفية ويلقنون كل من 
وجدوه كراهة الحكومة الامبراطورية واتباعها حتى انهم اكثروا من 
الطعن في حق راس العساكر المحافظين بمرسيليا حيث كان هو 
المانع لما يقصدونه من الفساد وكثيرًا ما اخبر باقوالهم ومقاصدهم 
وانهم يتمنون حيلة لسفك دمه وهو مع ذلك لا يخرج عن الطريق 
الذي الزم نفسه بسلوكه من الرفق في المعاملة وحسن الخلق والمجاملة 
بل استمر على استعمال ما يوجب الصلح والاصلاح لاطفاء الفتن 
وحصول الامن بين الرعية وكثيرًا ما راى بعينه تعدي بعض 
هولاء الاحزاب وفتح ابواب الشر بالنزاع والمخاصمة مع عساکره 
من غير مقتضٍ لذلك فكان لا يستفزه الغضب ولا يغير طبعه 
معهم ما يقع منهم ظنًا منه انهُ على طول الايام اذا تمهدت قواعد 
الحكومة على اصول من العدل متينة تنجلي قلوب الاحزاب ويزول 
ما في نفوسها من الضغينة فانهم جميعًا امة واحدة وابناء وطن واحد 
فلا بد ان يصفو البال وتحسن الاحوال قال ولم يعلم بما خفي 
في خبايا الغيب فاخطأ ظنه وخاب امله وضاع عليه تدبيره وعمله 
وذلك انه لما وقعت الواقعة المشهورة بجهة ( واترلوا ) انهزم فيها 
جیش نابليون فانتشرت الاخبار في جميع نواحي المملكة ومن الجملة 
جهة مرسيليا فشاع فيها الخبر يوم الاحد لعشر بقيت من شهر جونيو 
سنة ١٨١٥ للميلاد وهي سنة ۱٢۳۱ للهجرة وذلك بعد ستة أيام من 
تاريخ الواقعة فخاض في حديثها الناس واشتغلوا بها فكنت لا تجد
احدًا منهم الاَّ رايته مهتمًا بهذا الأمر مشغولاً به فلا يجتمع منهم 
اثنان فاكثر الاّ على الخوض في حديث هذه الحادثة سواء كان 
ذلك في محلات النزهة والفسحة ومواضع القهوة او الكنائس والدور 
والازقة والميادين بحيث لم يبق فيما اظنه احد من الفرنساوية الاّ 
تكلم في هذه المادة وما يترتب عليها من النتائج المؤلمة والعواقب 
الوخيمة فغلب الوهم على قلوبهم لاعتقادهم جميعًا انه لا بد من 
دخول العدو باريس وتصرفه في اهلها بالغلبة والقهر وهذا 
الخوف كان عامًا لجميعهم ما عدا حزب الملك ومن اتبعه فانهم 
وجدوا فرصة لاظهار ما في نفوسهم وبابًا للوصول الى اغراضهم فهبوا 
من نومهم وقاموا من مهد خمولهم واجتمع عليهم كل من اراد الانتماء 
والانضمام اليهم او رغب في السلب والنهب معهم فاجتمع بهم اهل 
الشر والفساد جميعًا فلم يبقَ قاتل ولا لص ولا قاطع طريق الاّ 
انضوى اليهم واختلط بهم وانتشروا في ارجاء المدينة فكان اول 
ما فعلوه انهم هجموا على العساكر ورموهم بالرصاص وقابلهم العسكر 
بمثل ذلك بحكم الضرورة فقتل من الفريقين خلق كثير واخر 
الامر انهزمت شرذمة العسكر فخلا الجو لاولئك الثائرين ولم يبق 
لهم ممانع وهجموا على البيوت وعلى الدائرة البلدية فجرى منهم من 
الرذائل والمفاسد ما لا يدخل تحت حصر واخذوا بيرق الجمهورية 
وحرقوه في ميدان كان منصوبًا به هيكل نابليون الاول ثم سطوا 
على ذلك الهيكل فكسروه وداسوه تحت ارجلهم ثم داروا في الازقة
متجاهرين بالاقوال الفظيعة والتحريض على قتل كل من ينتمي الى 
نابليون او عائلته او يميل للجمهورية وهجموا على مواضع كثيرة من 
جملتها محل كان به نحو ثلثمائة من الضباط الضعفاء المعروفين 
بالسقط اصحاب المعاش فاخذوهم عن اخرهم وذبحوهم ذبح البقر 
وكذلك فعلوا بنحو اربعمائة من طائفة المماليك فقتلوهم عن اخرهم 
ولم يرقوا لاطفالهم ونسائهم بل الحقوهم برجالهم وابائهم ولم يكن لذلك 
من سبب سوى ان هولاء المساكين كانوا اظهروا الفرح عند عودة 
نابليون فبقي ذلك في نفوس القوم وحقدوه عليهم حتى بطشوا بهم 
في هذه الواقعة وفعلوا معهم امورًا شنيعة واحوالاً فظيعة تقشعر 
منها الجلود ويكاد يرق عندها الجلمود فمن ذلك انهم كانوا عند 
قتلهم للواحد منهم يقطعونه اربًا يلقونها في الطريق وكانوا ياخذون 
الواحد فيوثقونه بالحبال ويضربونه بالعصي والخناجر فلا يموت 
حتى يذوق انواع العذاب واشد العقاب

ثم قال ذلك الرجل وكان في جملة من مات الاولاد 
( يعني اولاده ) وامهم قال وكان من يمر في اي طريق من طرق 
المدينة وما حولها حينئذ انما يمر بين رمم القتلى ويخوض في دماء 
الجرحى حتى اختلطت رمم الرجال برمم النساء وكان أولئك 
المفسدون في خلال ذلك يتكلمون بكل ما تشمئز منه النفوس 
وفعلوا ما لم يفعله المجوس فكانوا يطوفون حول القتلى راقصين 
مسرورين فرحين مستبشرين رافعين اصواتهم بالاغاني والاشعار
المتضمنة للمباهاة والافتخار بما فعلوه من القبائح وارتكبوه من الفضائح 
ومع ذلك لم تكن هذه الاهوال خاصة بمرسيليا واهلها بل كانت 
في جميع جهات المملكة باسرها فكم من بلدة حرقت وضيعة خربت 
وقرية نهبت قال فما كان احد يسمع في تلك الأوقات عن جهة 
من الجهات الاَّ ما يسؤ الفوأد ويحرق الاكباد

فلما وصل الرجل من حكاية حديثهم الى هذا المحل قال 
يعقوب ( وكان مع الشيخ ) سبحان الله العظيم قد قدر الله على طائفة 
المماليك بهذا العقاب فاصابهم في كل جهة من الارض فان ما 
حصل لهولاء بمرسيليا حصل مثله لاخوانهم بمصر وامثالهم الينكجرية 
بالقسطنطينية سواء بسواء وكان ذلك في اوقات متقاربة فان ما 
وقع مصر كان في سنة ۱٢٢٦ من الهجرة وما حصل بمرسيليا كان 
في سنة ۱٢۳۱ منها كما مر والذي حصل في القسطنطينية كان 
سنة ۱٢٤۱

فعند ذلك قال الشيخ هذا ما وعد الله ورسوله وصدق 
الله ورسوله قال الله تعالى ( ذلك بان الله لم يك مغيرًا نعمة 
انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم ) وقال ( وسيعلم الذين 
ظلموا اي منقلب ينقلبون ) قال بعض الحكماء من سلب نعمة غيره 
سلب غيره نعمته والحجر في البنيان من غير حله عربون على خرابه 
والله لو ان الجنة وهي دار البقاء اسست على حجر من الظلم لاوشك 
ان تخرب حكي ان بعض الوزراء جلس يومًا للمظالم فلما انقضى
المجلس رای رجلاً جالسًا فقال له ألك حاجة قال نعم ادنني 
اليك فاني مظلوم وقد اعوزني العدل والانصاف قال ومن
ظلمك قال انت ولست اصل اليك فاذكر حاجتي قال وما 
يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولاً قال يحجبني عنك هيبتك 
وفصاحتك قال ففيمَ ظلمتك قال في ضيعتي الفلانية اخذها مني 
وكيلك غصبًا بغير ثمن فاذا وجب عليها خراج اديته باسمي لئلا 
يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك ياخذ غلتها وانا 
اؤْدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم فقال هذا كلام تحتاج 
معه الى بينة وشهود واشياء فقال ذلك الرجل أيؤْمني الوزير 
من غضبه حتى اجيب قال نعم قد امنتك قال البينة هم الشهود 
واذا شهدوا فليس يحتاج معهم الى شي اخر فيها معنى قولك بينة 
وشهود واشياء واي شي هذه الاشياء ان هي الاَّ الجور وعدولك 
عن الحق فضحك الوزير وقال صدقت والبلاء موكل بالمنطق 
واني لا ارى فيك مصطنعًا ثم وقع له برد ضيعته وان يطلق له 
مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من اصحابه وكان 
من امر ذلك الرجل قبل أن يتوصل الى الانصاف واعادة ضيعته 
له اذا قيل له يا فلان كيف الناس يقول بشر بين مظلوم لا ينصر 
وظالم لا ينتصر فلما صار من اصحاب الوزير وردت عليه ضيعته 
وانصفه قال له الوزير ليلة كيف الناس الان قال بخير قد 
اعتمدت معهم الانصاف ورفعت عنهم الاجحاف ورددت عليهم
المغصوب وكشفت عنهم الكروب وانا ارجو لهم ببقائك نيل كل 
مرغوب والفوز بكل مطلوب

المصدر: علم الدين لحضرة العالم الفاضل صاحب السعادة علي باشا مبارك ناظر الأشغال العمومية المصرية سابقا، الجزء الثاني طبع في مطبعة جريدة المحروسة بالأسكندرية سنة 1299 هـ، 1883م (رابط).

السبت، 2 يناير 2021

قصة قصيرة

 اليوم الأربعاء - ليلة أحد الليالي - زمن ما من ضمن تلك الأزمنة التي تتوالى فلا نبالي أتت أم مضت أم لا زلنا ننتظر فلا تأتي أبداً
يطول الانتظار ولا ينقطع بك الأمل

اليوم هو الأربعاء؛ على شط النهر كنت واقفاً في صمت، دوماً صمت؛ قطرات النهر الكثيرة الجارية في نشاط مريب لا تتوقف عن المجئ، ونور الشمس لا يزال ينسال على وجهي وكتفاي؛ وظلي لا يزال متجها نحو تلك الجهة التي لا أدريها.

كنت قد غادرت المعسكر منذ ما يقرب من زمن مضى يستطيع أحدهم قياسه؛ ولا أستطيع (لا أرغب). 
أحدهم يبحث عني الآن، ولعلهم منهمكون في تتبع الأثر، وفي الأغلب كل الكلاب قد استطاعت التقاط رائحتي بكل سهولة؛ بكل سهولة غادرت المعسكر، فقط انتصبت قامتي، وشفطت نفس هواء عميق، استرخيت وسرت نحو الباب؛ لم أدهش لأن الحراس اندهشوا أو لم يندهشوا، فقط بكل عدم الاندهاش والجدية والاسترخاء اشرت اليهم أن افتحوا الباب.
تراخت المدافع
غيروا وضع الوقوف
ولدهشتي التي لم تظهر وقتها، وقتها فتحوا الباب لي أنا غير المندهش وغير المبالي وغير المكترث!
بتلك السهولة المتناهية بدلت خطواتي صعوداً وهبوطاً على الأرض حتى وصلت الى تلك الأرض، ذاك الشريط الرفيع الفاصل بين أرض المعسكر وأرض لا تنتمي إلى ذاك المعسكر بل تنتمي إلى المعسكر الآخر؛ المعسكر الآخر استقبلني فور أن انتهيت من تبديل خطواتي فوق الشريط الرفيع الفاصل بين المعسكرين.

لم أحضر حقيقة عملية هروب بمثل تلك السهولة، بدا فجأة وكأني وضعت في نفق زمني خاص بي، يبدأ من داخل المعسكر الأول وينهي في المعسكر الآخر؛ في طرفه الأول لا يزال المساجين واقفون في الطابور، يستمعون لخطبة قائد المعسكر، وفيه فجأة ينسل من بينهم شخص (تحديداً أنا هو ذاك الشخص) وبكل هدوء يضع يديه الاثنتين في جيب بنطاله (هل كانت هناك جيوب فعلا في ذاك البنطال؟) وكالطيف وبكل هدوء يسير نحو البوابة، ويأمر الحراس بفتح الباب ولدهشتهم وعدم دهشته يفتحون؛ ما يضايقني الآن هو أنني لم التفت لأرى شكل وجوههم، ردة فعلهم.

هل يبحثون عني الآن؟! ولماذا ينبغي عليهم؟! كيف وأنى لهم أن يكتشفوا غيابي! وهل اكتشفوا وجودي؟! هل أحصوا الأعداد؟ هل اهتموا أساساَ، لم أعد أتذكر لطول المدة.


ولكن تمضي الأيام بطيئة وثقيلة؛ لم أستدل على طريقي بعد، وما ظننته المعسكر الآخر لم يكن إلا طريق لا يوصل إلى شيء؛ أم كان يوصل إلى شيء وأني لم أهتم فيه بالسير على خطى السابقين؟! لا أدري! الأيام تمضي ثقيلة ورداء الزمن يضيء ويظلم وبهز فروع الشجر وأغصان الزهور وحشاش الأرض ويلمس بطرف ردائه صفحة النهر الطويل اللا نهائي؛ حتما سأقلل من السير في لحظة ما، ولكن أتمنى أن تكون تلك اللحظة حين الوصول للمعسكر الآخر المجهول؛ لا يزال مجهولاً.


الأيام؛ ما معنى الأيام؟ هل للشجر المحيط بي زمنه الخاص به؟ وإن كان هل يموت الشجر؟ وإن كان لا يموت فما معنى الزمن؟ وما معنى انتظاره؟ هل الشجر بانتظار شيء ما؟! هل من سبيل لسؤال الشجر والحديث معه؟!  يا الله يكاد عقلي ينفجر، صخب الأشجار والطبيعة والنهر والحيوانات يصم أذني ولا أحد يحادثني؛ الأشياء تحادث الأشياء من حولي، الأشجار تتهامس والنهر ينقل الأخبار والحيوانات تتراسل وتتخاطب والطير لا يكف عن الثرثرة؛ وأنا الوحيد في كل هذا الصامت، أكلم نفسي؛ الجميع حي ويتظاهر بالسكون والجمود وأنا الحي المجبر على الصمت. هل أصرخ فيهم طلباً للحديث والأنس؟! وهل لا تزال بي قوة للصراخ؟!


الشمس تطل علي في قلب السماء، تتحسس أخباري ثم تنصرف لتنقلها للجانب الآخر من العالم؛ لا ليست الشمس لعلها الريح؛ لا ليست الريح لعله السحاب؛ لا لا لا أحد؛ لا أحد يهتم بأخبارك يا معتوه، ألم تلاحظ أن أحداً ما لم يتعقبك؟ألا ترى؟! هل من أحد خلفك؟!

كتبتها أول مرة بتاريخ 14 ديسمبر 2008