الأحد، 12 أبريل 2020

ذكر دمياط وشطا في كتاب سياحتنامه لأوليا جلبي

شارع البحر بدمياط
شارع البحر بدمياط



النصوص التالية منسوخة من موقع مكتبة الفكر، وهي من الجزء الثاني من كتاب: الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه - ج ٢، ترجمة الدكتور حسين مجيب المصري وآخرون ومراجعة الدكتورة ماجدة مخلوف وإشراف وتقديم الدكتور محمد حرب وهي من طبع دار الآفاق العربية بالقاهرة عام 2006، الترقيم الدولي 1-126-344-944.


الفصل السابع والستون

بيان ما شاهدنا من قرى ومدن وقصبات
فى طريقنا من مصر إلى قلاع دمياط والبرلس وتينه

خرجنا أول الأمر من بولاق ووصلنا بعد ثلاثة أيام فى طريقنا إلى رشيد ، فوجدنا قبالة محلة الأمير ترعة عظيمة وهى ترعة البرلس ، فوصلنا : محلة عزبه وفيها سبعون أو ثمانون بيت كما أن فيها قبرا عاليا دفن فيه الشيخ على الكومى ، فتجاوزناها وعلى ضفة الترعة : عزبة الحج وتتألف من مائة وخمسين قرية ، وبالقرب من جامعها مدفن الشيخ قشاشى ، فتجاوزناها وفى الترعة سحب السفينة ملاحون من الضفتين فصادفتنا قرى تجاوزناها ، وتقدمنا فى طريقنا وكان بحر البرلس على يمنتنا وسدّت الترعة عند هذه المحلة إلا أنها تجرى فى بقعة أخرى فيها منبت للأرز ، فخرجنا من السفينة وركبنا سفنا فى بحيرة البرلس ، وعدنا إلى السفينة ، وهذه الترعة تجرى عشرون ميلا إلى جانب بحيرة البرلس ، ودخلنا إلى البحيرة وهى عظيمة طولها خمسون ميلا وعرضها ثمانون ميلا إلا أنها بحر ضحل وفيها قارب للصيد ، وفى نهاية بحيرة البرلس قلعتها ومن البوغاز يدخل إلى بحر واسع ، وفى جنوبها فى إقليم الغربية البحر ليس شديد العمق ، إنهم قدروا عمقه بقامة إنسان ، وفيه علامات حتى لا تسير فيه السفن لأن فى البحر نخيل فتمر السفن بين هذا النخيل ، وفيه السمك أنواع مختلفة ، وبين بحيرة البرلس والبحر الأبيض رأس صغيرة ، ومضيت فى البحيرة تدفعنا ريح تهب من الشمال الغربى إلى الشرق.

أوصاف قلعة البرلس القديمة

وهى بحيرة تقع فى إقليم دمياط، وتتبع إداريا لبك دمياط، تؤدى سبعين كيسا وللقلعة حاكم وذلك طبقا لقانون السلطان سليم ، وحاكم آخر وهو قاض ، ويتحصل له فى العام خمسة أكياس وفى ناحية منها سبعون قرية ، وفى ناحية أخرى بلدة بلطيم ، وقد بنى اسكندر اليونان قلعة البرلس ، وفى العام الحادى والعشرين للهجرة ، وفى خلافة عمر بن الخطاب كان عمرو بن العاص قائد جيش يتألف من ثمانين ألف رجل ، وقد وجد فى الفتح صعوبة وشدة ، وبينما وقف عاجزا اقتضت حكمة الله أن يشرف بالإسلام هاموك أوغلى حاكم البرلس. وبفضل منه تم الفتح للقلعة ، وعلى مر الأيام تخربت القلعة من تأثير تلاطم الأمواج بها وفى عام 923 ه‍ جدد بناءها السلطان سليم ، وهذه القلعة تحرس البحر إنها قلعة صغيرة مربعة ومحيطها خمسمائة خطوة ، وفى كل ركن من أركانها الأربعة قلعة خربة ، وبها باب حديدى يشرف على البحر وفى القلعة ثمانون جنديا ، وجامع بناه السلطان سليم ومنارته على باب القلعة وهى منارة صغيرة وتصل رمال البحر إلى القلعة الآن ، وهى تغرق من يوم إلى يوم ، وقد رأيت مواضع الهدم فى سورها وفيها أربعون مدفعا وعتادها قليل ورئيس طوبجية القلعة من اللاظ ، وفى جهاتها القبلية ثلاثمائة بيت وزاوية ، ومقهى ودكان خباز ، وليس فيها حمام ولا سوق ، إنها أرض رملية تغيب القدم فيها ولكن جوها لطيف إلى أبعد غاية ، والناس حولها ينعمون بتنسم النسيم العليل وبطيخ البرلس مشهور فى البلاد بجودته ، وفيه نوع يسمى البطيخ الماوى وهو ممتلئ فى جوفه بماء الورد ، وثمة نوع آخر من هذا البطيخ إذا شرب المريض ملئ فنجان منه تم الشفاء له من مرضه ، ومن يدمنون شرب الخمر يكرهونها وينصرفون عن شربها ، ويشربون من مائه ، ويخلطون ماء هذا البطيخ بملعقة من العسل ويشربونه شرابا لذة للشاربين ، ومن شرب قدحا من هذا الماء صاح قائلا آه يا برلس ، إنها خمر عجيبة وقد كتب داود الحكيم عن فوائد هذا البطيخ فى تذكرته ، كما أن سمك البرلس وتمره المخلل مشهور بالجودة إنه على شاطئ الجزيرة ، وفى الجانب الشرقى للقلعة وعلى بعد ثلاثمائة  قدم فى أرض ذات رمل ست آبار ماؤها عذب فرات ، وأهل البرلس قاطبة يحضرون ماء هذه الآبار ، وبالقرب من هذه الآبار ضريح الشيخ عيسى بن نجم بن إبراهيم الدسوقى ، إلا أن هذا الضريح غاص وسط الرمال وهو يزار ويرفع الزوار الرمال عن هذا الضريح ، ولكن لما آلت الولاية فى مصر إلى بولاد زاده أمر بنقل جثمانه جميع أهل رشيد ودمياط وسائر القرى والقصبات. وكانوا عدة آلاف كما جاء القاضى والأعيان والأشراف وتجمعوا وحملوا جثمانه وشاهد أولاده نقل جثمانه وسط ارتفاع الأصوات ب «لا إله إلا الله» ، وأطلق المريدون البخور مكبرين مهللين مما يذكر أن كفنه أبيض طاهر بعد مرور ستمائة وستة وثلاثون عاما عليه فى القبر فأخذ العجب مأخذه من الناس أجمعين ، وحمل تابوته إلى مرج مرتفع بالقرب من شاطئ البحيرة حيث دفنوه ، والآن بنى له ضريح عظيم وجامع وتكية ، وفضلا عن ذلك فإن للناس فيه عقيدة راسخة فلا يخلو صريحه ليل نهار من زوار ، كما يقام له مولد فى شهر شعبان من كل عام ويحتشد فيه مائة ألف إنسان ، ولله أحمد أن تيسرت لى زيارته ، وقرأت سورة يس على روحه رحمة الله عليه ، وقد نظمنا فيه شعرا ، بيد أن هذه الأشعار ضاعت بين أوراقى المتناثرة ، ومن أجل زيادة القلعة تسلمنا من صاحبها مائتا قرش وجوادا ومعنا أربعون من الرجال يحملون البنادق ، وحملنا مأكولاتنا ومشروباتنا ، ومضينا إلى ساحل الجانب الشرقى من بحيرة البرلس ، واجتزنا بأرض ذات نخيل وقرى معمورة.

أوصاف قصبة بلطيم

محلة تتألف من بيت معمور فى أرض رملية ، وهى التزام تتبع إقليم البرلس ، ويسمون صاحب البلدة الحاج بلبل ، وإنه رجل رفيع الشأن عامر القلب بالإيمان ، وفى ناحية البرلس ثلاثة جوامع ، وعلى ضفة البحيرة جامع كبير بناه السلطان منصور ، ويقال إنه مدفون فى ركن من حرم هذا الجامع ، ومساحة هذا الجامع مائة وخمسون خطوة وله منارة تحتانية ، وهو مبنى على خمسين عمودا ، وبها عشرة دكاكين ومقهى ، وليس فيها حمام ولا مدارس.

ضرائح قصبة بلطيم

فى جامع الشيخ أبى الفتح قبر دفن فيه هذا الشيخ ، وفى ركن من أركان حرم هذا الجامع قبر الشيخ فتح بن عبد العزيز ابن الشيخ عيسى بن نجم ، وقد سبق ذكر ذلك والشيخ عيسى وهو قطب عظيم له ما له من المناقب ، إنه صاحب كشف وكرامات وطريقته وهى الطريقة البرهانية ، وفى الجانب الشرقى لبلطيم وفى قبر صغير على ضفة البحيرة دفن الشيخ حسن الرفاعى ، وقد ظهرت له الكرامات ، وفى داخل المدينة على ربوة قبر الشيخ محمد العجمى وفى جانب البحيرة قبر الشيخ محمد البهلول ، وبالقرب منه قبر الشيخ علام الله ، وفى وسط المدينة قبر الشيخ أبو رواح الطويل قطب عظيم إلا أنه كان قصير القامة جدا ، وهو مدفون فى قبر صغير بالقرب من الشيخ محمد الخشوعى وقبره يزوره الخواص والعوام وجميع أهل البلد يتناقلون ذكر مناقبه إنه كان قطبا عظيما له منزلة السرى السقطى وإذا ما شرب المريض بذات الجنب ماء الورد بجانب قبره شفى هذا الشخص بإذن الله رحمة الله عليهم أجمعين ، وتجولنا نشاهد ما فى هذه المدينة ، وانعطفنا شرقا وبلغنا شاطئ البحيرة فى ثلاث ساعات ورأينا غابة من نخيل بين البحيرة وبين البحر الأبيض المتوسط ، واقتضت حكمة الله أن يكون لمصر تمر البرلس ، والنخلة من هذه النخلات سامقة تحمل عشرين عثكولا وتؤتى عشرين أقّة من التمر فهى محلة التمر بتمام المعنى. واجتزنا حتى بلغنا شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، واتجهنا فى إقليم الغربية فواجهنا صحراء مترامية الأطراف أشبه شىء بمتاهة ، وتسكنها فى الصيف قبيلة الحدية ، أما فى الشتاء فتسكن هذه القبيلة فى تلك الأرض ذات النخيل إنهم قوم لانت عريكتهم وحسنت طباعهم ولو لم يكونوا على هذه الصفة لما استطاع أحد أن يمر فى أرضهم ، ورأينا فى البحر سفينتين ، تتبادلان قذف المدافع وإطلاق البنادق فأغارت سفينة الكفار على الشاطئ ونزلوا منها ودخلوا على القرية ، ووصلت إليهم بخمسين فارس لمعونتهم وشددنا عليهم فتقهقروا وقد أمطرونا وابلا من الرصاص ، ولله الحمد أننا لم نصب بأذى فتنفس الصعداء كل من كانوا على شاطئ البحر ، وأقاموا المتاريس ، ولكن الكفار قذفوا وأطلقوا علينا مدفعا فرّقنا ، وحاول الكفار أن يحرقوا السفينة إلا أنهم أخفقوا ، ثم قدم من الصحراء سبعمائة أو ثمانمائة لنهب السفينة ، فحملوا ما فى السفينة وانتشروا بما حملوا فى الجبال ودامت تلك الحال إلى وقت الغروب ، وبعد المغرب أنار الكفار القناديل فى سفنهم ، وأطلقوا المدافع حتى منتصف الليل ، كما أطلقوا بنادقهم ، وفى نصف الليل أحرق الكفار السفينة ، فحزن كل من فى المحلة لذلك حزنا شديدا ، وبعد ذلك تقهقرت صفوف المغيرين ، أما الجرحى من المغيرين فقطعت رءوسهم ووضعت ناحية ، وقد هلل المسلمون لذلك وكبروا ، ولكن الكفار أطلقوا النار على المسلمين فما أصيب منهم أحد وبعد مطلع الفجر اشتدت الرياح ، فبسط الكفار قلوع سفينتهم ونفخوا الأبواق ، وعادوا أدراجهم بعد ما خسروا خسائر فادحة وخشينا وأحجمنا عن السير مخافة أن نتعرض لنهب العربان فبحثنا عمن جاء لنا من دمياط بمدد ولو ثلاثمائة رجل وخمسة وسبعين قاربا صغيرا ، ولم تصب هذه القوارب بأى ثقب ولله الحمد وقد سر الناس جميعا بمقدم هذه القوارب ، وعبروا عن ذلك بإطلاق المدافع ، ومضوا إلى ميناء دمياط، ومضينا إلى دمياط فى حمى من الجند ، وعبرنا نهر يمنى وهذا النهر يجرى إلى المحلة الكبرى ، إن نهر يمنى هذا نهر كبير مثل نهر النيل وهو يروى مئات المدن ، وفى هذه المحلة مصب النيل فى البحر الأبيض وتسير السفن فيه إلى حيث يخترق النيل بالقرب من سمنوط ونصف النيل يخلط ببحيرة البرلس بين البرلس ودمياط، ثم يجرى فى الصحراء من هناك وبعد خمس ساعات وباتجاه دمياط بلدة تسمى : السنانية وهى تقع على شاطئ النيل ، وبها ثلاثمائة بيت معمور وثلاثة جوامع ومقهى ، وكان فيها قلعة على عهد الكفار ، وآثار ميادينها ظاهرة ، وهى من أوقاف سنان باشا ، وفيها أقام دلاور بك قصرا ، وجميع أهل دمياط يصطافون فيها. وركبنا سفينة ، كما ركب الجند السفن وأطلقنا على أبراج الكفار بنادقنا وسررنا سرورا لا مزيد عليه ، وبلغنا الجمرك ، ودخلنا دمياط ، وكان اليوم عيد الأضحى ، وحررنا المحاضر وكتبت رسالة إلى والى مصر إبراهيم باشا.

أوصاف ميناء دمياط القديمة


أكثر المؤرخين الذين وصفوا هذه المدينة ، فى أصح الأقوال لهم ، أنه بعد طوفان نوح بنى هذه المدينة أحد أبناء أشمون بن مصرايم وكان اسمه دمياط ، ولذلك سميت هذه المدينة دمياط ، ومعنى دمياط بالسريانية قوة وقدرة ، أما فى التوراة فاسم دمياط أرلش ، وأما فى الزبور فاسمها الدردميه والبيطه وفراغه ، وفى الإنجيل اسمها الخضرة ، وفى العربية كذلك الدردميه ، وفى القبطية دمياط ، وبعد الهجرة بثلاثين عاما ، وبينما كان عمرو بن العاص واليا على مصر ، كان الأسود بن مقداد قائد ثلاثين ألف جندى ، فضرب الحصار على الملك هاموكى فى قلعة دمياط ، ودامت الحرب سبعة أشهر بتمامها ، إلا أن العرب يئسوا من فتح القلعة ، وكان للملك هاموكى ابن يسمى شيطا رأى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المنام ، فهب من نومه فى التو ، فنزل من القلعة فى جوف الليل ، ومضى إلى الأسود بن مقداد وأعلن إسلامه ، ودله على المواضع التى يمكن الدخول منها إلى القلعة ، فمضى إليها معسكر الإسلام ففتحت لهم القلعة بأمر الله ـ تعالى ـ ، ووضع الملك هاموكى فى الأسر ، واعتنق الإسلام أيضا ابن آخر يسمى كوريجل ، وغنم المسلمون كل ما فى القلعة من نفائس ، وأصبحت على الدوام مدينة جميلة طاهرة ، وأرسلوا من غنائمها إلى عمر بن الخطاب ثلاثمائة صندوق من المال ، وبينما كان نور الدين الشهيد خليفة قدم الكفار الأسبان إلى دمياط بألف سفينة واستولوا عليها وسيطروا عليها سبعة أشهر ثم أرسل نور الدين الشهيد وزيره يوسف صلاح الدين على مائة ألف من الجند إلى دمياط وفتح القلعة وأعدم أسرى الكفار جميعا ، ثم عاد إلى دمشق مظفرا يحمل ما يحمل من غنائم ، وفى عام 921 استولى الفرنجة على دمياط ، وكان الظاهر بيبرس خليفة على مصر ففتح القلعة ، وأعمل القتل فى الفرنجة ، ومن بعده فتحها السلطان سليم الأول.

 إنها مدينة عظيمة من أقاليم مصر تقع فى الجانب الشرقى من النيل ، وهى الآن دار إسلام بيد إياس باشا ويعجز اللسان عن وصفها وهى سنجق لطيف فى إيالة مصر بمثابة الإقطاعية ، ويقدم حاكمها إلى ديوان مصر عشرة أكياس فى العام ، واثنى عشر كيسا من الغرامات ورسوم نقل البضائع والأسواق ، وفى مينائها سفينتان حربيتان يسافر بهما رئيس القبطان باشا وقد ألحق هذا الإقليم مدة من الزمان بإقليم رشيد ، وحينما يغادرها القبطان باشا مسافرا يقوم مقامه فى حكمها مائة رجل ، كما أن جمركها يحكمه حاكم من طرف الوالى وله أجر يومى قدره عشرة قروش ، كما يأخذ من كل سفينة قادمة أو غادية قرش واحد ولكل سفينة عشرة قناطير من الحطب ويتحصل من جمركها فى العام مائتان أو مائتان وخمسون ، لأن هذا النخل يتعرض للزيادة والنقصان من عام إلى عام ، ولها حاكم شرعى يحصل على ثلاثمائة أقجه كراتب شهريا ، واتفق أن نال عشرين أو ثلاثين كيسا ، وقد قدمت خمسمائة أقجه صدقة فى عدة أحيان.

 ويحكم المدينة نائبان الأول النائب الخارجى والثانى منوط به قضاء فارسكور ، وتحت حكم قاضى دمياط ست عشرة قرية لأن جوانبها الأربعة بحيرة ، أما قضاء فرسكور فحواليها قرى ، ويتحصل منها فى العام سبعة أكياس ولدمياط شيخ للإسلام على المذاهب الأربعة ونقيب للأشراف وقائد الانكشارية ، وعزب وأربعة فرق من الشوربجية ، وكثير من الأعيان والأشراف والعلماء والصلحاء والأئمة والخطباء والمشايخ والسادات والتجار ، وهم كثرة ، كما أن حفاظ القرآن لا يدخلون تحت حصر ولكن لا مكان لضرائح الجند بها. ويحرس هذه البقعة ثلاثمائة حارس فى كل ليلة.

إنها مدينة ذات مرفأ فيها الأمن وعلى شاطئ النيل فى الناحية القبلية هى جانب ريح الشمال إلى جامع المتبولى ألف ومائة خطوة وهو طول هذه المدينة وعرضها ثمانمائة خطوة ، وفى بعض الجوانب ستمائة خطوة ولا وجود لسور محيط بالقلعة من جهاتها الأربعة ، والحرس يحرسون فى كل ليلة وعلى شاطئ النيل قلعة صلاح الدين الأيوبى وفى طرفها رباط محاط بسور منخفض ، ومحيطه مائة خطوة ، وداخلها بيوت خربة وداخلها مخازن للغلال ، ومفتاحها فى يد صاحب القلعة وفى هذه المدينة حدائق وبيوت جميلة سطحها من الجص ولكن البيوت فى رشيد أجمل منها وبيوت دمياط مبنية بأحجار مختلفة الألوان ، وفيها إدارة شيخ البلد وأربعون محلة ومائة وخمسون محرابا ، وفى يوم الجمعة تتلى الخطبة ، وفيها كذلك مساجد ، وفيها جامع الفتحية وهو جامع كبير يستجاب فيه الدعاء ، وهذا الجامع كان فى الأصل كنيسة فى قديم الزمان ، وطوله تسعون خطوة وعرضه أربعون خطوة ، وفيه اثنان وتسعون عمودا ، وستة منهم من حجر الصوماق وكأنها من العقيق اليمنى ، ولا شبيه لهذه الأعمدة فى البحر كل عمود منها يساوى خزانة مصر ، وعلى هذه الأعمدة سقف حديدى مزخرف ، وفى أطراف حرمه أربعة وستون عمودا وهى من الرخام الذى يشبه البللور ، وفى حرمه سبيل وصهريج ماؤه عذب فرات ، وماء المطر يجتمع فيه وفى الحرم كذلك شجرة نبق وهى دوحة عظيمة وللجامع أربعة أبواب تطل على الحرم اثنان منها يفضيان إلى القبلة والآخران مفتوحان على الجهة الغربية ، ومحرابه يقع فى ركن منه ، لأن هذا الجامع كان فى الأصل ديرا لليونان ولذلك يسمونه جامع الفتحية محرابه قديم الطراز ومنبره من الخشب وعلى باب منبره تاريخ هو آية شريفة هى :

 (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : 18]،

 أنشأ هذا الجامع الحاج شمس الدين بن محمد الطرابلسى المعروف فى شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ، وله منارة من ثلاث طبقات وهى منارة جميلة ، وعلى باب قبلته تاريخ تعميره سنة 1083 ، وقد عمّره داور بك.

وأمام المحكمة فى وسط سوق مزدحم جامع البدرية ، وطوله مائة وخمسون خطوة وعرضه خمس وخمسون خطوة ، وله سقف يحمله خمسون عمودا من الرخام ، وفى وسط حرمه نخلة سامقة ، وهى تساوى منارته فى الطول ومنارته من ثلاث طبقات وهى مزخرفة جميلة ، وهذا الجامع تحتانى وله أربعة أبواب بابان للقبلة وبابان جانبيان ، وفى حرمه حوض ذو صنبور وعليه لوحة مكتوب فيها ، وفى أطرافه صنابير كتب على باب منبره :

 (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف : 13]. 

وعلى شاطئ النيل بالقرب من سوق الغلال جامع البحر ، وطوله وعرضه مائة وثمانون خطوة ، ويعلوه على أربعة وثمانين عمودا سقف ملون مزخرف بألوان مختلفة ، وله سبعة أبواب ومنارة من ثلاث طبقات.

وفى سوق الأرز جامع كبير بناه خواجه أمين الدين المعينى ، وله قبة عالية ويصعد إليه بسلم حجرى من ثمان درجات ، ولا يخلو من المصلين ليل نهار وكأنه جامع السلطان برقوق فى العادلية فى مصر ، خال من الأعمدة وعلى جوانبه الأربعة قباب تشبه طاق كسرى ووسط الجامع مكشوف ، مرصوف بالرخام وفى كل ركن من أركانه صفة عظيمة إنه جامع وسيع ومحرابه مزين بالأحجار الملونة ، ومنبره أيضا ، وجوامع دمياط فيها من جوامع الأقطاب أكثر مما فى رشيد ، كما أن فيها كثير من الزوايا.

ومن هذه الزوايا زاوية الأربعين فى السوق ، كما يوجد مسجد يسمى مسجد القبانى ، وقد بنى منذ فتح عمر لمصر ، وفى الجانب الأيمن حول هذه الزاوية دفن أربعون من الصحابة وإلى جانب صناديقهم خشب منجور كتب عليه بخط جلى هذا التاريخ :

 (برسم العبد الفقير إلى الله تعالى القاضى شهاب الدين سنة عشرين وثمانمائة).

وفى هذه المدينة سبع مدارس وإحدى عشرة تكية وثلاثمائة سبيل ومن هذه السبل سبيل رضوان چورباجى ، وهو فى الجمرك وقد بنى بالقيشانى ، وكواته من النحاس الأصفر ، ومشربته مقيدة بالسلاسل ، ومشاربه مجلوة ومذهبة ولما كان صاحب هذا السبيل على قيد الحياة كان فى يوم عاشوراء يتصدق على أرواح شهداء كربلاء بالعسل فى ثلاثة أيام وبالسكر فى ثلاثة أيام أخرى ، وقد أقيم على هذا السبيل مكتب للصبيان كأنه قصر عظيم وفيه ثلاثمائة صبى يتعلمون القراءة والكتابة ، وفى كل سنة يتسلمون راتبا ، وعلى كواته تاريخ هو

(حبذا هذا السبيل الذى ماءه كماء الحياة الذى أقامه إسماعيل رضوان سنة 1086).

وفى داخل السبيل كتب تاريخ كذلك على القيشانى ، وجاء فيه

 (بارك الله فى هذا السبيل فثمة ثمانون غيره).

كما يوجد أربعة حمامات وهى التى أقامها رضوان الشورباجى فى السوق

وثمة ثمانية عشر خانا أولها خان مصطفى شورباجى وخان الحرمين ، وخان مصطفى چلبى وخان الحويلية وخانان ل (بيرى چورباجى) ، خانان أيضا للأرناؤط. وخان بن راجح ، وخان عنبرى زاده وخانان لتكلى شورباجى ، وخان ذو الفقار كتخدا القديم ، وخان عباس وخان جعدى وخان بن فار المسمى صچان أوغلى ، وخان طيناويه ، وخان القفاصين ، وخان القاضى ، وعبد الرحمن باشا حينما كان متولى مصر بنى خانا على ضفة النيل كأنه القلعة بإذن من كورجى ذو الفقار كتخدا ، وقد جلبت جميع الأحجارالتى بنى منها هذا الخان من مصر ولا يوجد فى دمياط بناء من حجر ما عدا هذا الخان والجامع الكبير ، وله بابان وبه مائة حجرة .

كما يوجد اثنان وثلاثون مقهى فيها ، أما فى السوق فعدد المقاهى ست وهو خان كبير وفى حرمه حوض ذو نافورة ، وعلى جانبيه مقاه فيها عازفون ومداحون وراقصون

وفى هذه المدينة مائتان وستون شارعا وكلها شوارع واسعة نظيفة ، وفى أطرافها أسواق سلطانية ، وبها ألفان من الدكاكين ، كما أن بها ثلاثمائة طاحونة تديرها الخيول ، كما يوجد بها طواحين للزيت ، كما يوجد ستمائة مصنع ، كما أن فيها محلة لليهود ومحلة للقبط وسبع محلات للكفار ، كما يروح الفرنجة والأرمن ويغدون ولا وجود فيها لسفراء الفرنجة كما أن بها سبع كنائس وأربعون حانة وستمائة بيت

وبها مائة وأربعون مضربا للأرز لأن دمياط أرض الأرز ، أما الحبوب التى ترد من الصعيد غالية الثمن وبها ثلاثة آلاف مخزن وبها ثلاثة آلاف صياد يصيدون السمك من دمياط ويصدر السمك المملوح المكبوس والبطارخ من دمياط إلى بلاد الروم وإلى بلاد الفرنجة ، لأن هذه المدينة فيها أنواع كثيرة من السمك ، وفى إدارة شيخ هذه البلدة آلاف الموظفين وحمدا لله فليس فيها بيوت للدعارة كما هو الشأن فى باب اللوق ، كما أن النساء فى هذه المدينة لا يخرجن إلى السوق وعندهن أن الخروج للسوق عيب كبير ، وفى الليل توضع المصابيح فى المنازل ، والشرطة فى النهار قليلون وأكثر الناس فلاحون ، وهم كادحون قادرون على الكسب مقتدرون ، والأعيان يلبسون الجوخ والحرير ، والفقراء ومتوسطو الحال منهم يلبسون الثياب الملونة ، والنساء يضعن على رءوسهن قلانس من الذهب الأحمر والفضة كما أن النساء يضعن على وجوههن سود البراقع كما ينتعلن نعالا زرقا وإذا ما خرجت امرأة إلى الشارع نهارا قتلت كائنة من كانت ، ولكن يؤذن لهن فى السعى فى جنازة موتاهن من ذوى قرباهن.

إن أهل هذه المدينة أهل ذوق ، ويقام حفل زفاف مرة فى كل ليلة فيرتفع الضجيج

وفى أطراف هذه المدينة الأربعة ستة وستون من البساتين وحدائق رضوان ، ونور الليمون والسفرجل كثيف بحيث أن أحدا لو مر من بينها لتنسم شذاها ، وفى كل حديقة حوض وشادروان وحقيقة الأمر أن حدائق رضوان شورباجى وذو الفقار كتخدا كأنها حديقة إرم

 وجو هذه المدينة لطيف للغاية كما أن فتياتها وفتيانها غاية فى الحسن ، كما أن أهلها يحبون الغرباء ويكرمون وفادة الضيف ، وأهلها يتاجرون فى السمك والأرز والسكر وغير ذلك ، ويجرى إلى وسط المدينة خليج عظيم ينشعب من النيل وعلى جانبى المدينة قصور شامخة تطل على الخليج نوافذها ، كما أن بعض أصحاب هذه القصور يقفون فى النوافذ ويصيدون السمك كما أنهم يتصدقون على الفقراء كما أن الصبيان فيها يبتردون ويسبحون فى هذه الترعة ، ويتعانقون فى دعابة ، وفى هذا الجانب قصور جميلة شامخة متعددة الطبقات ، وأثناء فيضان النيل تتدفق مياهه إلى بعض هذه القصور ، وبعض المنازل فيها زوارق لمواجهة ذلك ويركبون فيها ليمضون بها إلى حيث يريدون ، وترسو هذه الزوارق عند السّفينة.

وفى الشمال من هذه المدينة على ربوة مقبرة وبرج مربع وهو برج مرتفع وفى زمان الكفار كانت جزيرة قبرص تبدو منه وإن كانت مشاهدة قبرص تمس الحاجة فيها إلى نظر جد حديد والأرز من أطيب المأكولات فى دمياط ، ويورد الأرز من دمياط إلى سلاطين آل عثمان ، وأرز المنزلة وفرسكور لا وجود لمثله فى العالم كما تشتهر دمياط بالسمك والبطارخ وإلى جانب ذلك الجميز والخبز الأبيض والحرير الملون والموز. وفى بوغاز دمياط قلعة تشبه قلعة رشيد ..

أوصاف قلعة دمياط العتيقة


بناها السلطان سليم الأول حين فتح مصر ، وقد فتحها الأسود بن المقداد حينما فتح عمرو بن العاص مصر ، ولم يبق أثر لهذه القلعة ، وهى الآن مبنى متين تقع عند التقاء النيل بالبحر الأبيض ، ومحيطها خمسمائة خطوة ، وعلى جوانبها الأربعة بروج ، ولها باب يطل على الجنوب ، وفيها جامع السلطان سليم ، وفيها رئيس من المتفرقة ، وطبقا للقانون ، وفيها مخزن للأسلحة ومدافع وأربعون قذيفة ، وخارجها فى الجانب الأيمن مدفع ، ولا وجود لمثله والله أعلم. وهذا المدفع يقذف قذيفة تزن أربعون أوقية ، ولا خندق حول هذه القلعة لأن الأرض حولها منخفضة وهى قريبة من الشاطئ ، وسورها منهدم فى كثير من المواضع ، وقد ركبنا قاربا ومضينا إلى حيث يلتقى النيل بالبحر ، وصليت ركعتين ورفعت إلى الله كف الدعاء ، ويقول علماء دمياط إن هذا الموضع هو الذى ذكر فى القرآن ب (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) (الرحمن 19) ، هو الذى التقى فيه موسى ـ عليه‌السلام ـ بالخضر ، ولكن ثمة جدال محتدم بين علماء رشيد فيما يتعلق بهذا الشأن ، ولكن جاء فى تفسير السيوطى أن مرج البحرين المراد بالبحر فيه البحر الأسود ، وبحر الخزر هو بحر كيلان ، وبعضهم يقول أنه بحر الأبواب ، وهو بحر ليس فيه مصب وهو ثلاثة أمثال البحر الأسود وهو بحر عظيم ، ومرج البحرين المراد بهذين البحرين : هما البحر الأبيض الذى هو بحر الروم الذى يختلط بالنيل ولذلك يسمى بوغاز دمياط مرج البحرين ، وبعضهم يذهب إلى أن بحرا كبيرا قد اختلط بنهر عظيم وهذا ما يسمى مرج البحرين ، أما لقاء الخضر بموسى ـ عليه‌السلام ـ فكان على شاطئ النيل ، وقد قدم الخضر فى سفينة ، وفى هذا الشأن وقع الخلاف بين علماء دمياط ورشيد ، أما قول علماء دمياط فهو القول الصحيح ، وركبت بعد ذلك مع حاكم القلعة قاربا وفى قبالة القلعة الشرقية القلعة الغربية.

أوصاف القلعة الغربية المقابلة للقلعة الشرقية

بناها فى عهد السلطان أحمد خان طواشى المتفرقة جعفر أغا حسبة لله ، أما قلعة عبد الصمد فهى المشهورة إنها قلعة صغيرة ، مستديرة ، على شاطئ النيل ، ومحيطها مائة خطوة وفيها برج متين ، وقد ضمت إليها من بعد قلعة طابيه وهى أيضا متينة الأركان وفيها خمسون مدفعا ، ولكن المدافع الكبيرة فى هذه القلعة ، وهى تطل على البوغاز ، ولها رئيسها وخمسون جنديا وعملهم هو صيد السمك والحمام والسّمان ، وتقع فى أرض رملية ولها باب على الجهة القبلية ، وفيها أربعون أو خمسون حجرة ، وليس فيها متزوج وكل من فيها من العزب ، وقد زرتها ووجدت أن عشرة من جنودها غير موجودين فسجلت أسماءهم وعرضتها على الباشا ومضيت إلى القلعة الشرقية من القلعة الغربية ودفعت أجرة انتقال عشرة قروش وركبت فى زورق إلى دمياط

بيان الأولياء الذين عرفناهم فى زيارتنا فى مقبرة دمياط

عندما بعث الملك هاموك ابنه الشيخ لفتح قلعة دمياط وأسلم على يد الشيخ شطا والأسود بن مقداد ، وبعد الفتح أمر الأسود بن مقداد الشيخ شطا بعشرة آلاف جندى وفتح قلعة شموم وقلعة البرلس وقلعة الدميره وفى العام نفسه حينما كان يفتح قلعة التينه أصيب بجرح وكلمة شطا شطا بمعنى قطعة قطعة ولذلك سمى الشيخ شطا ، جاء فى رواية أن شطا موضع فيه رمل كثير كثير، وذلك لأنه دفن فى أرض ذات رمل وقد مات شهيد حرب، وصعدت روحه الشريفة إلى بارئها، وقد نقل جثمان الأسود بن مقداد إلى دمياط ، ودفن فى ضريح على شاطئ بحيرة دمياط على مسيرة نصف ساعة من الجانب الشرقى إلى دمياط ، ولأنه استشهد فى الخامس عشر من شهر شعبان يقيمون له مولدا فى هذا اليوم ، ويأتى الناس من دمياط والقرى والقصبات الأخرى أربعون أو خمسون ألف رجل ويقيمون فى الخيام ويمكثون ثلاثة أيام بلياليها يزورون ضريحه ، ويأتى كذلك قائم مقام دمياط وأعيانها لزيارة هذا الضريح ويمكثون فى الخيمة ويمد سماط عظيم لمن ينعمون بأطايب الطعام ثلاثة أيام بلياليها ، وينفق على ذلك من مال مصر ، ويحاسب الوالى على تلك النفقات ، وهذا قانون قديم ، وضريح الشيخ شطا مربع الشكل وكأنه قلعة ومحيطه ثلاثمائة خطوة.

ويسكن فى هذا الضريح إمام ومؤذن وحارس القبور ، وبجانب الضريح زاوية ، وفى حرمه صهريج ، وفى كل عام يحمل الماء من النيل على ظهور الجمال لملء هذا الصهريج بالماء وإذا ما فاض منه الماء أصيبت الجمال بالجرب وإنها لحكمة عجيبة.

وجملة القول أن ثمة ضريحا عظيما يزوره الناس خواصهم وعوامهم ، وقد دفن فيه الشيخ أبو المداين والشيخ درغام
وفى جامع الشيخ متبولى دفن الشيخ متبولى والشيخ سيدى فاتح أبو العطا ، وبالقرب من جامع الفتحية ضريح ذى الجناحين ، وبالقرب من البوغاز ضريح بين الموجتين ، وبالقرب من المنظر بين الفرضين ، وفى حديقة فى شمال المدينة ضريح للشيخ جمال الدين المولوى وفيه سماع خانه من عدة غرف ومطبخ ، وأرضها كأنها الجنة إنها تكية للقلندرية وفيها المريدون ، وجميع أهل دمياط يأتون إلى هذه التكية لينعموا بالأنس والبهجة ، وفى ركن من أركان هذه الحديقة قبر لأحد صلحاء خراسان وهو مستجاب الدعوة وصاحب سجاده وله آلاف العشاق ، وبالقرب منه الشيخ سيد فتح الأسمر ، وبجواره الشيخ سيد أحمد ابن الشيخ عبد السلام ، وهو مدفون فى ضريح عال وبالقرب من السيد فتح ضريح الميدان الأخضر ، وبالقرب منه مقام الشهدا ، وبالقرب من خرط القنطرة رائد طريق الناس الشيخ أبو العباس ، وهو قطب عظيم ، ومزار صاحب الأديان وهو دار ضيافة للغادين والرائحين ، وفى داخل التكية ويسمون كل متعلقاته بالأسود وفى زاويته جمع كبير ، ولا ند للشيخ چلبى ، إنه شيخ صالح عابد زاهد يلبس العمامة السوداء ، وجميع المريدين فيها يلبسون السواد ويرفعون العلم العباسى الأسود ، وبالقرب من الشريف عثمان الشربازى والشيخ عباس والشيخ حسن الطويل وفى جامعه قبر الشيخ على العباسى وبالقرب منه الشيخ سيد محمد النعمانى وبجواره الشيخ كرمانى وبالقرب منه الشيخ على السقا وفى شمال جامع المتبولى على شاطئ النيل تكية فى حديقة كأنها حديقة إرم ، وفى وسطها قبر دفن فيه الشيخ على منيبط ، وهو قطب عظيم من زاره خمس مرات شفى من مرضه بإذن الله ، وعلى شاطئ النيل حدائق كأنها الجنات فى داخلها قصور وأحواض ، وأشجار يجلس الأصدقاء فى ظلالها ، إنها موضع يزوره أهل دمياط ويتنزهون فيه وبالقرب من هذه الحديقة الشيخ عبد الرحمن زلطى ، وبالقرب من مسجد الفتح الشيخ منياوى وبجواره سيد أحمد شناوى ، وهو من أقطاب الطريقة البرهانية وبجواره ستى الوالدة التى استشهدت حين الفتح ، وهى من النساء الصالحات ، ويجتمع عندما حشد من النساء فى كل يوم سبت لزيارتها ، وبالقرب منها الشيخة ست شامية ، وبالقرب منها الشيخ سيد أصيل ، وبالجوار منه سيد عبد الله الشريف ، وفى سوق اللبن الشيخ خثعم ، وفى سوق السمك الشيخ شانه ، وبالقرب من حمام رضوان الچورباجى الشيخ الخيشى وفى حارة المنشى الشيخ عمرو أبو العباس ، وبالقرب منه الشيخ العصفراتى والخيشى وبالقرب منه الشيخ أبو عصيبة وفى غيطان الشعراء سيدى محب الدين يقام له مولد عظيم كل عام.


وفى بلدة المنيا دفن الشيخ إبراهيم أكبر المنياوى ، وقرية المنيا بها مائتا بيت وحدائق وبساتين ونخيل ، وفى شهر رجب من كل عام يقام له مولد عظيم ، وفيه يحتشد خلق كثير ، والمريدون من جميع الطرق يقولون لا إله إلا الله ويقومون بالذكر فى الحدائق ولا يمنعهم أصحاب الحدائق من ذلك ، وبالقرب من الشيخ إبراهيم الشيخ مظلوم ، وعلى الطريق العام حديقة فيها تكية صغيرة بها قبر صغير دفن فيه الشيخ مظلوم ، ويقام له مولد كذلك فى منتصف شهر رجب ، وبالقرب من جامع المتبولى الشيخ مسلمى ، وبالقرب من حارة البركة الشيخ أبو الطيب ، وبجواره الشيخ على الحداد ، وفى حارة سيد أبو الفتح الشيخ أبو يوسف ، وجواره سيدى سعيد ، وفى قرب القنطرة الشيخ أبو النصر ، وعلى مقربة من المرقب السبع بنات وضريح الأربعين وفى السوق فى مسجد العتبانى ، وفى حارة المرقب الشيخ سلطان وإلى جواره سيدى على لويفه وفى جوار المنشية قبر الشيخ أبو قريبه وبالقرب منه الشيخ حمام وعلى مقربة من خان الشيخ رضوان الشيخ عبد الغنى وبالقرب منه الشيخ شرباصى ، وبالقرب منه الشيخ مفتاح وهو مدفون فى ضريح عظيم يقام له مولد عظيم كل عام ، وبالقرب منه الشيخ خطاب وبالقرب منه قبر الشيخ زندان وبالقرب منه قبر الشيخ شربازى ، وبالقرب منه قبر الشيخ محمد العراقى

وقبالة دمياط على شاطئ النيل سيدى الشيخ شديد ، وبالقرب منه سيدى عثمان الصياد ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ نفعنا الله ببركاتهم ، وثمة قبور صغيرة وكبيرة لغيرهم ذلك أن أهل دمياط محبون للأولياء ولا وجود فى رشيد لضرائح مثل ضرائحهم لأن هذه المدينة مدينة قديمة ، أما رشيد فأنشأت حديثا ، وقد غرق أهل رشيد القديمة فى كوم أفراح ولله أحمد أنى زرت ضرائح مائة ولى من أولياء الله فى دمياط وقرأت لكل ولى سورة يس وسورة الفاتحة واستمددت من أرواحهم العون لى ، ولكنى ذكرت هؤلاء الأقطاب فقط حتى لا يطول بى الكلام ، أما إذا شئت أن أعدد مناقب كل منهم لاستوجب ذلك منى مجلدا ضخما. ثم أرسل لنا الباشا فرقة من من يحملون البنادق وعددهم خمسون ، ومضينا مع عشرين ملاحا نحمل طعامنا وشرابنا من دمياط ، ووصلنا إلى حدائق الجانب الشرقى ، وتجولنا بها فوق صهوات جيادنا نصف ساعة ، ومضينا ثم انطلقنا إلى بحيرة تينة.

أوصاف قلعة تينة

مر بنا أن الشيخ شطا فتح قلعة تينة واستشهد فيها ، إنها قرية مربعة الشكل فى كاشفية حاكم العريش. ومحيطها خمسمائة خطوة. ولها باب تجاه القبلة ، وبها أربعون بيت صغير ، وجامع للسلطان سليم ، وثلاثون مدفعا ومخزن للذخيرة ، ورئيسها من المتفرقة ، كما أن بها مائة جندى ، وليس لها حدائق على شاطئ البحر بل أرض رملية ، ولا أمان فيها من اللصوص ، اللهم عافنا ، وقلّ الماء والخبز اللذان كنا نحتاج إليهما للمضى إلى دمياط وبحيرة المنزلة بحيرة كبيرة يصل طرفها القبلى إلى العريش ، وطرفها الغربى بدمياط والتزامها فى العام عشرة أحمال من الأقجة ، وبها أسماك جميلة الألوان. وفى هذه الليلة نزلنا ضيوفا على رئيس القلعة ورأينا جماعة من الناس نحلت أجسامهم يقتاتون بسمك بلا خبز ، ودفعنا عشرة قروش لمشاهدة القلعة ومضينا إلى ضريح الشيخ شطا ، وركبنا السفينة ووصلنا إلى نهاية البحيرة بعد ساعة ، وأرسلنا من قبلنا واحدا إلى دمياط فأحضر الخيل لنا فشاهدنا على الجانبين الحدائق المزهرة ، ودخلنا دمياط ، وأرسلنا إلى بيوتنا فى استانبول كثيرا من الأرز والعدس والقول والحمص ، وودعنا خليل شورباجى زاده ومحمد چلبى وأمثالهم. ونلنا من الباشا ثلاثمائة قرش وعشرين ثوبا منقوشا من ثياب دمياط ومائة منشفه ، وحملنا طعامنا وأسلحتنا فى سفينة وتوكلنا على الله ومضينا إلى الكنانة.


الفصل الثامن والستون

وفى رحلتنا إلى مصر فى سفينتنا شاهدنا على ضفتى النيل الحدائق المبهجة وخرجنا أولا من دمياط ومضينا مسافة قدرها ستون ميلا ومقابل دمياط أرض خالية سبخة ، ولا وجود فيها لعمران ولكن فى طرف دمياط حدائق من قصب السكر ، وفى هذه الديار يسمونها القرى وبيوتها أكواخ ولا وجود فيها لبيوت فخمة ، لأن فى أرضهم ينبت الأرز ، وأرضهم أرض مستنقعات ولا تحتمل بناءا ثقيلا ، ولا تروى فيها أرض الأرز ولكن فيها القمح وليس فيها فول ولا حبوب لأنها أرض ذات ماء والأرز ينبت على الدوام فى الماء يا له من مشهد عجيب. وفى هذه الأرض يفيض ماء النيل ولا ينقص وقد اجتزنا القرى التى فى أرض دمياط إلى فارسكور. 

أوصاف منزل فرسكور فى مدينة فارس القديمة

إنه منزل بناه الملك فرسكور بن مصرايم ، وقد عمر ألف سنة وملك مائة بلد ، وكان له مائة ألف فارس جوادهم أبلق وألف فارس جوادهم أشهب ، وهى إقليم التزام دمياط وقضاء يدر مائة وخمسون أقجه إلا أن هذا المبلغ يمنح غالبا لقضاة دمياط وفى هذه الناحية قرى تزرع الأرز فيها كلها ، وعلى ضفة النيل مدينة تبعد عنه مائتى خطوة وتقع على ربوة وبها ألف بيت وسبعة عشر محرابا وست منارات وثلاثمائة دكان ، وثلاث مقاه وحمام ، ولكنها تخلو من السوق والعمارات والمبرات والسبل والمدارس ، ولكن فيها ثلاثة خانات عظيمة ، ويقام فيها سوق مرة كل أسبوع ، ويتكسب أهلها من حياكة الثياب المنقوشة ولكل منهم طرز ، وبها ثلاثمائة دكان تقدم المال إلى الملتزم إنها مقر لمن يصنعون الثياب المنقوشة وأرز وثياب فرسكور واسعة الشهرة.

وتينه التى زرناها تقع شرق البحيرة المذكورة ، وجوها لطيف وبها كثير من النخل والحدائق ، وبين دمياط والنيل مدينة جميلة وفى قبالتها : كفر سليمان أغا فى إقليم الغربية وبها جامع ذو منارة وثلاثمائة بيت وتجاهها فى إقليم الشرقية : بلدة شرباز وبها مائة بيت وجامع ومنارة وقرى معمورة ، وفيها قبر دفن فيه الشيخ شرباز ، وبهذه المحلة تتم حدود دمياط ، وهى تحت حكم حاكم الشرقية وقبالتها فى أرض الغربية : بلدة ميت أبو غالب وبها جامع ذو منارة ومائة وخمسون بيتا ومقهى ، وعند هذه المحلة يتعرج النيل تارة ذات اليمين وتارة ذات اليسار وقبالتها فى أرض الشرقية : بلدة رأس الخليج وهى التزام ، وبها ثلاثمائة بيت ، وبها جامعان ، ووكالتان ومقهى وستة دكاكين ، وقد دفن فيها الشيخ غزوان ، والشيخ حسن أبو تقى الدين ، والشيخ محمد عجمى وعلى بعد عشرين ميلا جنوبها وفى إقليم الشرقية : بلدة ميت أبو عبد الله ويسمون القرية ميت وهى التزام وبها مائة بيت وجامع ذو منارة ، وتجاهها فى أرض الغربية : بلدة طهريه وبها مائة وخمسون بيتا وجامع وقبالتها فى أرض الشرقية : بوشاط وعدد بيوتها مائتان ، وبها جامع ذو منارة. وفى المقابل منها فى أرض الغربية : بلدة دنجى وبها جامع وفى جانب المنصورة بلدة أبادان.

أوصاف محلة مشاق

إنها التزام الكتخدا القونداقجى مصطفى وبها ستمائة بيت وجامع ومقهى ووكالة ، وفيها أسواق صغيرة ، ولا وجود فيها لحمام ولا سبيل ، وتجاهها فى أرض الغربية : مدينة المنصورة وهى فى الجانب الشرقى ، وقد عبرنا إليها ، وتجاوزناها خمسين ميلا وبلغنا مدينة سرسه.

ومن الجزء الأول:


مسار رحلة أوليا جلبي في مصر ، كما وردت في رحلته

القاهرة ـ شبرا ـ بطن البقر ـ قنطرة الملك الطاهر ـ مصر خيم ـ عفريت ـ تفاحية ـ مبهوم ـ شبرتين ـ زفتي ـ ميت غمر ـ سرسنه ـ منوف ـ سرسنه ـ طوخ النصارى ـ طنطا ـ محلة مرحوم ـ ايبار ـ نهاريه ـ بلدة القبيلة ـ بلدة الفرزدق ـ محلة صال (محلة قلبية) ـ محلة أبوعلى ـ بلدة المجنون ـ دسوق ـ مرقص ـ رحمانية ـ داودية ـ سنهور ـ دمنهور ـ حوش عيسى ـ مدينة العقّاب ـ دمنهور ـ جبل قاسم بك ـ بصطيره ـ رزقون ـ زاوية الجنزال ـ ناصرية ـ سنتاويه ـ برسك ـ نحل ـ أبو خضر ـ قراوي ـ قافلة ـ دشوش ـ بركه ـ رويجب ـ لقون ـ بركه ـ جريون ـ مولّضفي ـ اقريش البستلقون البيضا ـ جنان ـ الإسكندرية ـ أبو قير ـ ادكو ـ رشيد ـ الإسكندرية ـ عزبة المغدي ـ هدية ـ محلة الأمير ـ برمبال ديّه ـ ادفينا ـ محلة مطوبس ـ جمشيره ـ فزاده ـ ديروط ـ سنديان ـ عاطف ـ فوه ـ شرف ـ شرمباي ـ مالك ـ شموخزاد رحمانية ـ إبراهيم الدسوقي ـ أبو على ـ مركز ـ دية البير ـ شبراخيش ـ شبريش ـ ميت جناح ـ كفر جديد ـ نقله ـ فرزدق ـ اشلميه ـ طاهريه ـ كفر الزيات ـ شبوج ـ سلمون ـ كفر النحا ـ كفر جديد ـ أبو أحمد ـ البحيرة ـ زايره ـ طنوب ـ طيرنه ـ علقمة أبو الجاوي ـ طماليه ـ جزي ـ طراره ـ زاويّة ـ أبو نشانه ـ إشمون جريس ـ كفر شركس ـ قوطه ـ أم دينار ـ شيراوي ـ دراري ـ بارودخانه ـ شبرا ـ الورّاق ـ امبابة ـ بولاق ـ العزبه ـ عزبة الحاج ـ البرلس ـ بلطيم ـ السنانية ـ دمياط ـ تينه ـ فرص فارسكور ـ كفر السليمانية ـ شرباص ـ ميت أبو غالب ـ رأس الخليج ـ أبو عبد الله ـ طهربة ـ بشاط ـ دنجي ـ مساط ـ شربين ـ بدوي ـ بترا ـ درمبال ـ دياسط ـ خياريه ـ قاش ـ المنصورة ـ المنزله ـ طلخا ـ الشيخ رمضان ـ ميت خميس ـ ميت الغرقي ـ ميت ويش ـ ميت عساس ـ ميت نورسي ـ ميت المنيا ـ سمنهود ـ أبو على قيطاس ـ أغا ـ محلة الكبير (المحلة الكبرى) ـ سمنود ـ أبو الحارث ـ أبو صير ـ ميت برقع ـ بريه ـ المنظره ـ ميت بدر ـ ميت دمسيس ـ ميت أنسا ـ سنباط ـ شرنجي ـ دنهور ـ غمار ـ رفتي ـ المعصرة ـ غريب ـ صهريج ـ مسيد ـ صيد ـ عز ـ هارون ـ صفين ـ تغني ـ سندي ـ بريّ ـ أشمون ـ مويش ـ ملاو ـ بنها ـ بطاي ـ رمبلي ـ أبو الطوافتي ـ العطار ـ سيدي ـ خصر ـ عطف ـ طخلا (طلخا) ـ جوخ (طوخ) ـ عفيف ـ طنط ـ برشمس ـ برسوم ـ أبو شعره ـ قليوبية ـ شبرا ـ شروي ـ شبرا ـ القاهرة ـ البساتين ـ المعدية ـ محنط ـ قهوه خانه ـ دلي حسين باشا ـ الزاوية ـ كوم الدير ـ ميمونه بني سويف ـ الفشن ـ أبو جرجو ـ كليس (قيس) ـ سمنود سعيد ـ المنيا أشمونين ـ ملاوي ـ دار شيد ـ صنبو ـ منفلوط ـ أسيوط ـ شطوب ـ جبل الطير (طيلمان) ـ أبوتيج ـ الشيخ بن عابد ـ طما ـ الجزيرة ـ سوهاج ـ المنشية ـ جرجا ـ خالد ـ جمادي ـ مزار ـ بلابيش ـ فوحة على ـ قنا ـ القصير ـ أنبوت ـ قوص ـ شمونين ـ طوت ـ شفارس ـ أم على ـ حجيزه ردسي ـ شبيكه ـ سلسلة ـ إدفو ـ ـ كوم سياه ـ كوم امبو ـ سنباص ـ أسوان ـ الشلال الأول ـ علوي ـ باب النوبه ـ قلعة إبريب ـ كنوزين ـ مهريه ـ كلابشه ـ أبو خور ـ سنيال ـ قشطامينه ـ كورد ـ وادي العرب ـ أزرق ـ إبريم ـ وادي حلفا ـ إبريم ـ سبوع ـ كنوز ـ طمانيس ـ رقبه ـ كرخ عرباني ـ حمام فرعون ـ باجه ـ إدفو ـ حجيزه ـ جعفري ـ كلخ ـ فرشوط ـ سمنهو ـ برديس ـ أسيوط ـ هركه ـ قلمون ـ ألواح ـ البهنسا ـ لاحون ـ الهوارة ـ الفيوم ـ كاميا ـ خان القهوة ـ أطفيح ـ الجيزة ـ القاهرة ـ الإسكندرية ـ القاهرة ـ سبيل علام ـ المطرية ـ عين شمس الخانكة ـ مشيره ـ دراعم بابيس ـ رني ـ قرين ـ ستاره ـ الصالحية ـ قرين ـ على ـ القاهرة ـ الإسكندرية.

المواضع المذكور فيها دمياط في الجزء الأول

من الأرز و () (١) قنطارا من السكر و () (٢) وسبعين رزمة من البن و () (٣) أردب من العدس ، وذلك من مدن دمياط وفراسكور ورشيد ، وينزلون هذا إلى ميناء رشيد وتحمل فى زوارق وتوضع فى المخازن بمدينة الإسكندرية ، وعلى ذلك الأمير إرسال هذا كله إلى الأستانة فى أيام مناسبة. 

وبعد ذلك قضاء دمياط ويحصّل ثلاثين كيسا. ثم قضاء مزاحمتين.

إلا أن قضاة مصر ممن تولوا القضاء فى المحاكم الست العليا مثل الغربية ودمياط ورشيد واسكندرية والمنصورة يمنحون منصب المولوية فى الأناضول والروملى وذلك بناء على قانون السلطان سليم. وتنتهى مناصبهم فى مصر إلا أنهم شبكة عظيمة.

سكن السلطان سليم عليه الرحمة والغفران مدينة مصر ودمياط ورشيد والإسكندرية تسعة أشهر بتمامها. وقد ذكرنا هذا آنفا على ما ينبغى أن يكون. وتحدثنا عن الجند والعلماء والصلحاء وذلك طبق قانون السلطان سليم فى كل تفاصيله. وقد ضيف العلماء وكبار أولياء الله وأحسن إليهم ، وشرف بدعائهم له وسمح لهم بالسفر إلى بلاد الترك ، كما زار أضرحة الأولياء. وأمر بختم القرآن الكريم مائة مرة فى مشهد الإمام الحسين فى يوم واحد. وكان يطلب المدد من أرواح جميع الأنبياء والأولياء.

وداخل هذه المخازن () (١) مائة ألف أردب من القمح ، و () (٢) مائة ألف أردب من البقول و () (٣) مائة ألف أردب من الشعير ، وهذه الغلال ترد من صعيد مصر العالى (أى جرجا) ، ولا ترد مصر حبة قمح واحدة من رشيد ودمياط لأن إنتاجها من القمح لا يكفيها لأن محاصيلهم هى القصب والحناء والقطن والكتان والأرز أما الغلال فهى قليلة.وجملة القول أن مصر أم الدنيا هى ولاة الصعيد العالى ، فهى أم مصر التى تطعمها. وهذه الغلال المذكورة محسوبة إلى خزانتين مصريتين لصالح السلطان.

أهم المدن الواقعة على فرع دمياط

أولا مدينة ميت غمر فى كشوفية المنصورة ، وقبالتها قصبة زفته فى أرض الغربية ، ومدينة المنصورة شرق النيل ، وقصبة سمنود فى الغربية ، ومدينة فراسكور شرق مدينة المنصورة ، ثم مدينة دمياط وهى ميناء عظيم فى الجهة الشرقية من ضفة النيل. ثم يبلغ النيل موضعا يسمى «مرج البحرين» حيث يصب فى البحر الأبيض وتختلط مياههما.المدن التى يمربها فرع دمياط بعد تفرعه من «بطن البقر»أولها محلة طنوب ، ومحلة بشير ، ومحلة أبى على ، وتقع هذه القرى فى أرض الغربية وكذلك محلة مالك ، ومحلة مطوبس ، ومحلة الأمير على ، ومدينة رشيد التى تقع فى أرض البحيرة. ويعبر النيل رشيد وتختلط مياهه بالبحر الأبيض فى الموضع الذى يسمى «مرج البحرين».وهذه المدن السالف ذكرها تقع على جانبى نهر النيل وعددها مائة وستون مدينة. وحتى قلعة صاى وبمسيرة ثلاثة أشهر تقع ألف وثمانمائة قرية معمورة جميلة ، أما عدد القرى الواقعة على ضفتى النيل فالله أعلم بعددها الحقيقى.وبحساب الفرسخ فإن طول النيل من منبعه حتى مصبه فى البحر الأبيض يبلغ ثلاثة آلاف فرسخ.

أما المناطق المستبحرة العمران فتمتد من قلعة الصاى ومدينة در وقلعة إبريم وولاية الشلال ، وأسوان ، وإسنا ، ومدينة قوص ، ومدينة قنا ، وتوره ، وجرجا وبقية المدن سالفة الذكر حتى مدينة القاهرة ومدن دمياط ورشيد. وهذه المدن جميعا واقعة على ضفتى نهر النيل.وقد وردت أماكن العمران فى مصر وتضاريسها برا وبحرا فى كتب الهيئة لبابا مونطه وأطلس ومينور وفى تواريخ الخطط.

طائفة بائعى الصوبية :لهم () (٢) دكانا ، يعمل بها ٧٠ بائعا ، وما يطلقون عليه فى مصر اسم «الصوبية» بوزة كاللبن يصنعونها من أرز دمياط وفراسكور والمنزلة ، ويوضع فيها القرفة والقرنفل والجوز وتحلى بالسكر. ومنها نشوة خفيفة ودفىء ، وتبعث فى الجسم القوة والعافية ، وتلطف حرارة الجسم.

الفصل الثانى والعشرون

فى بيان أحوال الطعام والشراب الذاهبة إلى المطبخ السلطانى ومخزن الطعام والشراب الخاص عند تحصيل هذا المال السلطانى لا يسير موكب للجنود المصريين إلا أن وزير الأمراء المصريين يقوم بإلباس أمير مخزن الطعام والشراب السلطانى خلعة. ولا يؤمر أى شخص بهذا سوى أمين مخزن الطعام والشراب السلطانى ومعه خمسمائة رجل يقومون بتحصيل المأكولات من قضاء فرسكور ومدينة المنزلة وبندر دمياط وقضاء برميجال وبندر رشيد ، حيث يقومون بإحضار مائة ألف أردب أرز خمس مرات من الأماكن التى يجمع فيها الأرز والشعير ، وألفى قفص سكرى وعمادى ، وثلاثمائة فرد من القهوة ومائتى ألف أردب عدس ومائتى ألف أردب حمص ومائة حفنة من الحنة وخمسمائة زنبيل تمر ناضج وسائر المأكولات.

سياحتنامه مصر

النص التالي من نفس الكتاب "سياحتنامه مصر"، من ترجمة محمد علي عوني، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور أحمد السعيد سليمان ، تقديم ومراجعة الدكتور أحمد فؤاد متولي،  طبعة دار الكتب والوثائق القومية عام 2016، ترقيم دولي  5-1239-18-977-978 ، المجلد العاشر ص 183

الفصل الرابع عشرفي سفر السلطان سليم إلى جهات دمياط ورشيد والإسكندرية


لما جاء الأسطول الهمايوني المؤلف من مائتي قطعة من السفن الحربية وألقى
مراسيه في بولاق مصر ناشرا أعلام الزينة والفرح ومعالم السرور على ساريات سفنه عمد
السلطان إليها وأركبها عشرة آلاف من الجنود المنتخبين بالمجهزين بالأسلحة الكافية
وتوجه معهم إلى "دمياط" بعد أن أطلق المدافع والبنادق أثناء مغادرته بولاق وسار في
النيل مارا بمائتي بلدة ومدينة واقعة على فرع النيل الذي تقع عليه دمياط حتى وصل
بندر دمياط وقلعتها مسافة خمسمائة ميل. وضرب خيمته العالية بجوار الشيخ أبي الفتح
حيث قدمت له زهاء عشر خزائن مصرية هدايا وتحف من أعيان المنطقة فقابل السلطان
ذلك بتوزيع الحلوى والكساوي والهدايا والإنعامات عليهم وعلى الناس. ثم أطلقت المدافع
والبنادق إيذانا بالفرح والسرور إعلاما بالرحيل، من القلعة المذكور إلى (مرج البحرين)
حيث اغتسل به فقصد المكان الذي التقى به موسى والخضر عليهما السلام وزاره وصلى
به ثم عاد إلى المدينة مرة أخرى وشرع في زيارة الشيخ شطا وسائر كبار الأولياء مستمدا
من روحانياهم القوة والمدد. وبعد ذلك استأنف السير عن طريق البحر المالح إلى مدينة
رشيد فوصلها بعد يوم كامل فقوبل بالتجلة والإكرام والتهليل وإطلاق المدافع من قلعة
التينة الواقعة على شاطيء البحر. وما أن استقر به المقام حتى تقدم أعيان البلد بهداياهم
وتحفهم مسلمين مفاتيح القلعة للسدة الملكية. وقد قام السلطان بعد ذلك بزيارة (كوم
الأفراح) وكبار أولياء الله، كما أنه دخل حمام عباد الله واغتسل به ولازالت المقصورة
التي اختصها بالاغتسال بذلك الحمام موجود وهي مقفلة لا تفتح إلا للمرضى الذين
يقصدونها للاستشفاء، فيجدون الشفاء بإذن الله، ومن هنا ركب السلطان الزوارق
والمراكب الخاصة وقصد ملتقى بحر رشيد والبحر المالح وشرب من مائه الصافي ثم
واصل السير والسفر حتى دخل قلعة الإسكندرية الواقعة على مسيرة ستين ميلا، ولم
يكد يدخلها حتى شرعت سفن الأسطول العثماني المؤلف من سبعمائة قطعة مختلفة
الحجم، والحصون الخمسة التي بها تطلق نيران مدافعها وطلقاتها المدوية، إيذانا بقدوم
السلطان سليم؛ بحيث ظهرت الإسكندرية كأنها شعلة نار أو أنها "سمندل" في نار
نمرود. وقد أقام السلطان سرادقه العظيم فيما بين المينائين من الأرض وقابل بها أعيان

في النص التركي، شيخ شطا تكتب هكذا "Şeyh Şata".
اضغط هنا لمشاهدة نتائج البحث عن شيخ شطا في النص التركي من موقع أرشيف.

الجمعة، 3 أبريل 2020

حرف الجيم


ܓ (جامَل) : الجيم ، وهو الحرف الثالث من حروف الهجاء والثاني من الاحرف الرقيقة
والغليظة ووجه تغليظ اللفظة هو أن تلفظ كالگاف الفارسية أو جيم المصرية .
وترقيقها هو أن تلفظ كالغين العربية ، وفي الحساب (الجامل) ، هي عبارة عن
عدد ثلاثة . ويبدو أن اللفظة الغليظة هي النطق القديم للحرف.
المصدر: معجم الأصول اللغوية - بنيامين حداد

حرف ال G في اللغة الإنجليزية
له أسلوبين في النطق:
1- ال G الخشنة (Hard G)، تنطق مثل الجيم المصرية، مثل كلمة Green.
2- ال G الناعمة (ٍSoft G)، تنطق مثل الجيم الشامية، مثل كلمة General.
ولأن اللغة الانجليزية ضمت كلمات كثير من لغات مختلفة، فظهرت حالة من التخبط في نطق حرف G في بعض الكلمات، لوجود لغات لا يوجد بها نطق ال G الناعم مثل الألمانية والبولندية واللاتينية، و لغات أخرى فيها مثل هذا النطق.
على سبيل المثال هناك خمس كلمات بنفس الحروف بالضبط (gill)، ولكن ثلاث منها بينطقوا بال G الخشنة و اثنين بال G الناعمة
1- كلمة gill بمعنى خيشوم السمكة وبتنطق مثل الجيم المصرية (Hard G) من لغات جرمانية شمالية.
2- كلمة gill بمعنى واد صغير وبتنطق مثل الجيم المصرية (Hard G) من لغات جرمانية شمالية.
3- كلمة gill وده لقب عائلة وبتنطق مثل الجيم المصرية (Hard G) وأصله بيعود للغات مختلفة (تفاصيل أكثر هنا).
4- كلمة gill بمعنى مقياس/مكيال للماء وبتنطق مثل الجيم الشامية (Soft G) من أصل فرنسي قديم.
5- كلمة gill اسم بنت وهو اختصار للاسم جيليان أو جوليانا وبتنطق مثل الجيم الشامية (Soft G) من أصل فرنسي قديم.
لا توجد كلمة من هذه القائمة من أصل إنجليزي، وإلا قلبت حرف الـ g في أول الكلمة إلى y مثل ما حدث مع كلمة yell (بمعنى يصرخ) وأصلها من الانجليزي القديم كلمة gellan و giellan.

حول إقلاب ال G إلى Y في اللغة الإنجليزية
حرف G لو في بداية الكلمة غالبا يختفي أو يتحول ل y أو e، كما في كلمة if (أصلها إنجليزي قديم من كلمة gif، أو gyf)، و enough (من كلمة genoh)، وكلمة yclept (من كلمة ge-celpt); لو داخل الكلمة أو بنهاية الكلمة تتحول إلى w أو ow، كما في كلمة fowl (من الإنجليزية القديمة fugol)، وكلمة maw (من الإنجليزية القديمة maga)، وكلمة sorrow (من الإنجليزية القديمة sorg).
تأثرا من اللغة الفرنسية حرف ال g في بداية الكلمة تحول ل w، كما في كلمة wafer (من الفرنسية القديمة gauffre).
*المصدر

حرف G في اللغات الأخرى
هو الحرف السابع والحرف الصامت/الساكن الخامس في الأبجدية الإنجليزية، وفي كل الأبجديات الشرقية (العبرية، الفينيقية، الكلدانية،السريانية، السامرية، العربية) وحتى اليونانية هو الحرف الثالث. بالعبرية اسمه جيمل (يعتقد أن الحرف سمي على شكل الجمل لأنه في رسمه بالعبرية يشبهه ג)، وتقريبا نفس إسم الحرف موجود في اللغات الفينيقية والكلدانية والسامرية، بالعربية اسمه جيم وباليونانية جاما. باليونانية بترسم هكذا Γ وبالعبري والسامرية ترسم هكذا ג، في اليوناني الاتجاه لليمين وفي العبري الاتجاه لليسار وتقريبا نفس شكل الحرف واختلاف الاتجاه ناشئ من طريقة الكتابة المختلفة بين العبري واليوناني، ويظن أن الحرف اللاتيني بشكله الحالي G هو تحريف من الحرف اليوناني Γ.

انظر أيضا:

الاثنين، 2 مارس 2020

ذكر دمياط في شعر دانتي

ذكرت دمياط في شعر دانتي باسم دامياتا (Damiata)، الفقرة بالأسفل توضح الكلمة وسياقها.

CANTO XIV

"In midst of ocean," forthwith he began,
"A desolate country lies, which Crete is nam'd,
Under whose monarch in old times the world
Liv'd pure and chaste.  A mountain rises there,
Call'd Ida, joyous once with leaves and streams,
Deserted now like a forbidden thing.
It was the spot which Rhea, Saturn's spouse,
Chose for the secret cradle of her son;
And better to conceal him, drown'd in shouts
His infant cries.  Within the mount, upright
An ancient form there stands and huge, that turns
His shoulders towards Damiata, and at Rome
As in his mirror looks.  Of finest gold
His head is shap'd, pure silver are the breast
And arms; thence to the middle is of brass.
And downward all beneath well-temper'd steel,
Save the right foot of potter's clay, on which
Than on the other more erect he stands,
Each part except the gold, is rent throughout;
And from the fissure tears distil, which join'd
Penetrate to that cave.  They in their course
Thus far precipitated down the rock
Form Acheron, and Styx, and Phlegethon;
Then by this straiten'd channel passing hence
Beneath, e'en to the lowest depth of all,
Form there Cocytus, of whose lake (thyself
Shall see it) I here give thee no account."

Source
The Divine Comedy, Complete
The Vision of Paradise, Purgatory and Hell
Author: Dante Alighieri
Illustrator: Gustave Dore
Translator: Rev. H. F. Cary

بقر الخيس

فصل

وبأرض مصر بناحية دمياط بقر يسمى بقر الخيس، وهي بقر رقاق طوال الرقاب قرونها كالأهلة، وبينها وبين سواها كما بين الغزال والغنم وفيها نفور ووحشية لا ينتفع بشيد منها غير اللبن وما يكون منه وهي وإن كانت وحشية فغنها مملوكة، ولها رعاة لكنها لا تعلف، ومأواها حيث يكون العشب والماء دائما ولهذا توجد إلا في جزائر بحر تنيسي، ورعاتها يسمون الإناث منها بأسماء متى دعيت بها إلى الحلب أجابت، إذا ولدت الأنثى وخفيت على راعيها مكان ولدها في حلقها جرسا وترصدها عند رجوعها من الرعي لتسقي ولدها فيستدل بحس الجرس على مكانه فإذا وقع به حمله إلى خصمه وارتبطه عنده فيغدو بعد ذلك إلى الرعي ويروح إليه، وتؤنس الفحول منها وتستعمل في السواقي ولكن بعد عناء وتعب شديد وممارسة لتفورها وعدم قبولها العلف لأنها في تعرفه، ولم تألفه فهم يجمعونها فتذل وتضطر للانقياد والأكل، وقال المسعودي: رأيت بالري نوعا من البقر يبرك كما تبرك الإبل وتثور بحملها كما تثور، والغالب عليه حمرة الحدق، وسائر البقر ينفر منه، وحكى ابن منقذ في كتابه أزهار الأنهار عن المدائني كأعراف الخيل، قال ابن منقذ: وأظنها الأبقار التي توجد فيها الراجم وسمعت من يقول أنها أبقار عمالة في بلاد يقال لها خم وتافة وبلجستان وهي ملونة بيض وسود وبلق، والبراجم تكون في رؤوس أذنابها وهي الكبار على كتفها وهي الصغار، وسمعت من يقول: أنها أبقار تخرج من الصين تلد وترضع، وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب أما للكدر وأما لقلته ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقر تتبعه كما يتبع الشول الفحل قال شاعرهم في ذلك:

هجوني إذا هجرت جبال سلمى كضرب الثور للبقـر الظماء

وكانوا يزعمون أن الجن هي إليّ تصد الثيران عن الماء حتى تهلك الأرض عطشا، وقال شاعرهم في ذلك:
لكا الثور والـجـنـي يضـرب وجـهـه وما ذنبه إن كانت الجن ظالمة
الوصف والتشبيه
قال أحمد بن علوية الأصفهاني:

يا حبذا مخضها ورائبها ... وحبذا في الرجال صاحبها
عجولة سمحة مباركة ... ميمونة طفح . . . . محالبها
تقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلاب حالبها
فتية سنها . . . .. مهذبة ... معنف في الندى عائبها
كأنها لعبة مزينة ... تطير بها عجبا ملاعبها
كأن ألبانها جنى عسل ... يلذها في الإناء شاربها
عروس باقورة إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها
كأنها هضبة إذا انتسبت ... أو بكرة قد أناف غاربها
تزهى بروقين كاللجين إذا ... مسهما بالبنان طالبها
لو أنها مهرة لما عدمت ... من أن يضم السرور راكبها

وأنشدنا الأديب الفاضل شمس الدين محمد الموصلي (عرف بابن الجاووش) لنفسه وقد سألته أن يعمل في ذلك عملة حسنة فقال:
لله عجلة خيس ... صفراء ذات دلال
تريك عيني مهاة ... من تحت قرني غزال
قد سربلت باصيل ... وتوجهت بهلال

القول في طبائع الجاموس

وهو حيوان هندي، والفرس تجعله ضأن البقر، وتسميه (كلوميس) كأنهم قالوا ضأن بقري لأنهم وجدوا فيه شبه الكبش وكثيرا من مشابه الثور لأن الكباش ضربت في البقر فجاءت الجواميس.

مباهج الفكر ومناهج العبر الوطواط الصفحة : 59
موقع الوراق

الأربعاء، 19 فبراير 2020

تعليقات قديمة

تعليقات على مدونات ترجع تقريبا لعام 2010 أو 2011، بدون تصحيح أو مراجعة.



من Random Thoughts ‎: اوباما: مستشرق أم لاعب سيرك بارع

ولما أخَذَت الدكتور صائب عريقات نوبة حماس وهو يعلق على الخطاب بهذه الكلمات الكبيرة: إن خطاب اوباما هو أوّل خطاب منذ القرن السادس عشر الميلادي يتقدّم فيه زعيم غربي ببرنامج عمل متكامل لمصالحة تاريخية مع المسلمين"!
أتمنى على كبير المفاوضين أن يمتعنا في برنامج حواري على أي فضائية و يتكرم و يشرح للجمهور العربي ما يعنيه بهذه الكلمات الكبيرة, أو لعله سمعها هكذا من أحد المحللين فلقى منه القول استحسانا فأحب أن يشارك الجمهور المتعطش بهذه الجملة الكبيرة.
ثم من هو هذا الزعيم الغربي ربيب القرن السادس عشر و الذي قدم برنامج مصالحة تاريخية مع المسلمين؟
حقيقة أتساءل بجدية, من باب حب المعرفة, و أتمنى أن أجد تلك الإجابة.
فبعد قليل، سيتلاشى صدى التصفيق الذي تردّد في أرجاء الصالة الكبيرة في القاهرة وستتبدّد مشاعر السرور والاسترخاء التي بعثتها تطميناته في نفوس البعض، ليحلّ مكانها معطيات الواقع القاتم والمشاكل والتعقيدات الكثيرة التي تنوء بها منطقتنا.
صدقت, فتطميناته كانت للبعض و لم تكن لغير هذا البعض, فلينعم هذا البعض قليلا ببعض الإطمئنان, أما شعوب البعض فلاتزال تعاني من هذا البعض, و لن يحل مشاكلها و تعقيداتها إلا سواعدها و اصرارها على النجاح و الخروج من أزمتها و الكف عن انتظار البعض ليحل لهم العقدة و يفك أسرهم من البعض.
رؤيتك للحدث و ماحوله عبرت عما في نفسي بصدق, تحياتي العميقة.


من Random Thoughts ‎: أين نحن من هذا الجدل ؟
تحياتي, 

تساؤل مهم جدا, لكني أود لفت انتباهك الى أن الجدل حول هذه القضية في الغرب و في أميركا تحديدا لم يكن ناشئا عن ترف فكري, أو خلو بال, بل جاء استجابة لتحديات تراها مجموعات كثيرة أنها ستهدد بنيان الدولة الأميركية, و بالتحديد الفقرة الأولى من الدستور و اللتي تنص على الفصل بين الدولة و الكنيسة, فنظرية التصميم الذكي (أو الخلق في تجل بثوب مختلف حسب أحد التوصيفات ) تدخل الدين في حصص العلوم, و هو ما يعتبر اخلالا كبيرا بالأساس التجريبي الهام للعلوم , حيث يرى معارضو النظرية (هناك اختلاف حول كونها نظرية) أنها لا تقدم أسلوب علمي يفسر نشأة و تطور الحياة, بحيث يصعب اجراء التجارب للتأكد من الأسس القائمة عليها, و بالتحديد الجزء الخاص بوجود مصمم للمخلوقات, بينما يرى مناصرو التصميم الذكي أن التطور بنفس الأسلوب لا يقدم أجوبة قاطعة حول منشأ الكائنات, هو يفسر التطور , لكنه لا يفسر المنشأ, بالحقيقة الجدل المتبادل بين الجانبين عميق و ممتد و به تفصيلات كثيرة جدا, عموما ما قصدت البه هو أن الجدل جاء استجابة لتحد حقيقي في المجتمع و نتيجة لشد و جذب بين أطراف الجدال (منشأ الخلاف يعود للنزاع داخل مدرسة في دوفر حول تدريس نظرية التصميم الذكي في حصة العلوم, و تطور الخلاف بصورة كبيرة جدا, و توسع ليشمل أنحاء اميركا) و مفهوم طبعا في هذا السياق أسباب تطور و اتساع الخلاف, فكل جانب لدية اعلامه و مؤسساته و الجمهور هو حلبة الصراع, لكن بعيدا عن هذا, هناك جدل عربي حادث حول هذه النظرية, لا أدري ان كنت تابعت الجدل حول كتاب آبي آدم, و كتب هارون يحيى, و جدل مثله كبير في أوائل القرن العشرين حول القضية, لكن لم لم يتطور الجدال, لا أظن أن النظرية عصية على العقل العربي أو المسلم أو عصية على جذب الانتباه, و لا أدري حقيقة لم لم تثر جدلا مستمرا؟ دعني أنضم اليك في التساؤل, و أتسائل , ما نتيجة الايمان بتلك النظرية على العقل العربي أو المسلم؟ هل ستضيف شيئا؟ أم هل ستطرح تصورا أفضل للمجتمع ؟ أم أم .... الخ
لو للنظرية تأثير حقيقي على المجتمع , أظن أنها ستثير حراكا ضخما, أما ما عدا ذلك ستظل ففي نطاق النقاش الأكاديمي.
تساؤلي حول علاقتها بالمجتمع, ناشئ من تأثير نظرية التطور الكبير على الفكر المادي الغربي.

ملحوظة تذكرتها الآن, في الغرب هناك مسيحيون و قساوسة يؤمنون بالتطور و لا يزالون على ايمانهم, و لا يرون أي تعارض في ذلك, مشكلة طرح نظرية التطور هنا و أيضا في الغرب, هو اختزالها في فرضية تطور الانسان من القردة العليا, و هو يبكر بالصدام المباشر دون الالتفات الى فرضياتها الأخرى


من Random Thoughts ‎: من أحاديث زوربا


ووضعت قليلا من التبغ في غليوني وأشعلته. إن كلّ شيء في هذا العالم له معان خفيّة. الرجال، الحيوانات، الشجر، النجوم.. إنها تبدو كالرموز الهيروغليفية لمن بدأ في حلّ رموزها ليكتشف خفاياها. وبعد مرور السنين وبعد فوات الأوان تفهم معناها الحقيقي.
ما أعمق تلك الجملة, حقا ان كل ما يحيط بنا و نحيط به له معان مختلفة, كل شئ يبدو كالرمز يشير لمعنى ما, كأسهم الأتجاهات,و أسر اللحظة يقف بنا كثيرا عن قنص المعنى, فنؤجل الفهم و الوعى, أو يستغرقنا الفهم و الوعي, فتمر اللحظة و قد ذاب عنها سحر رمزها الخفي, فننظر للخلف نتحسر عليها, و نتمنى عودتها من جديد لنعيشها باكتشافنا, لكننا لاندرك أن كل لحظة تحمل إشارة خفية خاصة بها.
حقيقة الأدب الصادق دوما يعبر عن الإنسان, مطلق الإنسان, لهذا تخترق الكلمات الصادقة كل الحواجز و السدود.

الخميس، 13 فبراير 2020

طنين

بعض مما نشر على صفحتي على الفيس بوك

السيد طه الغضبان
ساعات الساعات تمر في ثواني
وساعات الثواني تنسى تمر
وساعات الساعات تساع السخافة
وساعات الثواني تضيق ع المهم Ayman Alshayyal ساعات الساعات تمر في ثواني وساعات الثواني تقف لو فيه هم وساعات الساعات تساع السخافة وساعات الثواني تضيق ع المهم وساعات الساعات تبقي زي الدقيقة وساعات الدقيقة بنكتبها m وساعات الساعات تبقي عاملة منبه وساعات تبقي ديجيتال .. ماتضحك يا عم

الأربعاء، 5 فبراير 2020

مسايرة التخلف

- وكيف كان ذلك يا دكتور؟
- أقول لك: قد تتخذ قرارا بمسايرة التخلف فتفتتح عيادة
لعلاج جروح البشر بالتراب.. بعد لحظات يظهر لك منافس يعالج
نفس الجروح بالوحل، أي التراب المعجون بماء الورد فتضطر إلى
المزايدة عليه بإثبات أنك الأكثر تخلفا فتبيع الوحل في صيدلياتك بعد
ان تضيف إليه الزعتر والقرفة، عندها يفاجئك بنوع جديد هو الوحل
بالصلصة.. فترد عليه بعلاج جديد هو الوحل بالمايونيز.
- آه في هذه الحالة سأنتصر عليه.. لا أحد قادر على منافسة
المايونيز خصوصا إذا أضيفت إليه المسطردة.
- على العكس من ذلك ستكون هزيمتك محققة.. سيرد عليك
بحملة إعلامية يقول فيها: إن المايونيز ليس من تراث المنطقة، وأن
الغرب اخترعه للقضاء على الطرشي العظيم، وأن استخدام المايونيز
ليس أكثر من مؤامرة إمبريالية لحرمان المنطقة من هويتها، بدليل أن
المايونيز لا يصلح مع الفتة، وأن الكباب عدو للمسطردة..
في هذا المجال سيظهر معتدلون ومتشددون، الأخيرون
سيرفضون المايونيز رفضا قاطعا، والمعتدلون سيقبلون به في أضيق
الحدود، وبشرط أن يستخدم في شهر مايو فقط، ودليلهم على ذلك هو
الاسم نفسه "مايو نيز".. هذا لا يمنع بالطبع أنك ستجد باحثين
يثبتون أن المايونيز أصله عربي أو فرعوني أو فينيقي، وليس اختراعا
غربيا، وقد ينسبون "المسطردة" إلى العالم التركستاني الجليل
"مسطار".. وأصل الحكاية أن واحدا من تلامذته - وكان نظره
ضعيفا - شاهد شخصا يمر من بعيد، فسأل من حوله وكانوا من
الأعاجم: مسطار.. ده يا إخواني؟
فأجابوه: نعم، ده مسطار.. أو مسطارده.
حدث بعد ذلك تقصير للمد بالألف، كما هو الحال في نطق
الأعاجم، فأصبحت تنطق "مسطردة" ودليلهم على ذلك هو أن الكلمة
في الفرنسية مختلفة تماما، فهي موتار، وبذلك يكون أصلها عربيا.
ولكن الأمور ستتعقد عندما ينشر أحد الكتاب وثيقة سرية من ملفات
الكونجرس (وثيقة 175 ن. ص. ب) وفيها يثبت أن الرئيس روزفلت
قال لنابليون بونابرت على ظهر السفينة ماريانا يوم الخميس ظهرا في
يونيو 1942: مدافعك تقتل البشر ولا تقضي على الهوية.. اهجم
عليهم بالهمبورجر، سيطر عليهم بالمايونيز.. أذقهم طعم المسطردة.
وهكذا.. حلقة جهنمية خبيثة من التخلف والتخلف المضاد،
لا تنتهي إلا بظهور عيادة جديدة تعلن في شجاعة أنها تعالج الجروح
بالمضادات الحيوية.. وأن كل أنواع الوحل خطر على المصابين..

من كتاب: شواكيش ساخرة تأليف علي سالم، صفحات 151، 152

الثلاثاء، 4 فبراير 2020

متعة خاصة

وكان أيضا حسن الصورة جميل التقاطيع حلو القسمات
فضايقه ذلك كثيرا وقرر أن يكون قبيح الوجه فتم له ما أراد.
- كيف..؟ هل يستطيع الإنسان أن يكون قبيحا؟
- نعم، بنفس الطريقة التي يكون بها جميلا.. أي أن يكون
جميلا فيرى الوجود جميلا.. في هذه الحالة سينعكس الوجود الجميل
على وجهه وسلوكه جمالا.. ويستطيع أيضا أن يكون قبيحا بأن يردد
الألفاظ القبيحة ويعتنق الأفكار القبيحة، ويأتي من الأفعال بكل ماهو
قبيح.. عند ذلك يتحول لشخص قبيح ينفر منه الناس.
- لا تظلم الرجل، أليس من المحتمل أنه ضحية لظروف أرغمته
على ذلك؟
- هذا ما تصورته في البداية، ولكن بدراسة حالته جيدا أيقنت
أنه "يريد" كل ذلك، لا تصدق أن شخصا يتطوع بالكذب لأن هناك من
أرغمه على ذلك، هو يكذب لأنه كذاب، ويفخر بقوة أجداده لأن
الضعف طبيعته، ومزور لأنه يعشق التزوير، ويشوه الآخرين
لإحساسه بأنهم أفضل منه، هناك متعة خاصة في الصراخ والعويل
ولطم الخدود لا تعرفها سوى النائحات الندابات عاشقات اللطم في
الجنازات.
من الغريب أنه أضاع جزءا كبيرا من ثروته على المحاكم، فهو
يغير ويعدل ويبدل في اسمه كل عدة شهور، وتغيير الاسم ليس بالأمر
السهل، ففي كل مرة يضيف فيها لقبا جديدا إلى اسمه، لابد أن يرفع
قضية جديدة مما يستلزم مصاريف ورسوما وأتعاب محاماه و وقتا
ضائعا. كان في البداية تائها فقط، ثم أضاف عدة ألقاب جديد كبدته
خسائر فادحة. اسمه الرباعي الآن هو التائه الفقير الضعيف الضائع،
ولكنه بسبيله الآن لرفع قضية جديدة لجعل اسمه عشاريا، أي من
عشرة ألقاب، وليس أربعة كما يحتم القانون.
- ياله من مسكين.
- من هو المسكين؟ هو الآن في أفضل حالاته، قلت لك إنه يحب
ذلك.
- عموما لا بأس بشخص واحد أو حتى عدة أشخاص بهذه
الحالة.
- بالعكس.. الأمر أصبح الآن خطيرا جدا. مريدوه الآن بالآلاف
بعد أن بدأ يعمل بالكتابة في الصحف.. اقرأ الصحف الآن من كل
الاتجاهات.. ابدأ بالمفكر العظيم نزار قباني.. اعجن المقالات في بعضها
البعض، أدخلها كمبيوتر.. ستظهر على الشاشة مفردات تدور كلها
حول إحنا غلابة.. إحنا يتامى.. إحنا مهزومين.. إحنا متنيلين.. إحنا
ولاد الـ..... إحنا عجزة.. إحنا فاشلين.. إحنا ما نستحقش الحياة..
يلعن روح أبونا..
- لقد شوقتني ياسيدي لرؤيته والتعرف إلى أفكاره عن قرب،
يخيل إلي أن الرجل يستنهض همم الناس.. لعله تصور أنه بموقفه
هذا سيدفع الناس إلى التخلص من ضعفهم والسير في طريق القوة،
وأن اتهامهم بالكسل والعجز قد يدفعهم إلى النشاط، وأن الإحساس
بالعار والضعة سيدفعهم لاتخاذ موقف يعيد لهم الاعتبار ويجلب
لهم الإحترام.
- قد يكون ذلك صحيحا إذا قيل بنغمة أخرى وفي إطار
مختلف.. أما هذا التجريح وجلد الذات الذي يتم الآن على نطاق واسع،
فهو يشعر المرء أن وراءه إحساسا باللذة أو على الأقل باليأس المريح،
فهم يغلقون أمام البشر أي باب للأمل.. ومع ذلك روح قابله.
تمكنت بعد جهد شديد من معرفة مكانه، كان جالسا على
الرصيف وحوله مجموعة من أتباعه، نظروا لي في شك وريبة، صاح
أحدهم: قف.. من أنت؟
- واحد غلبان.
- كلمة السر؟
- الكسل العقلي اللذيذ، الضعف الممتع، احتقار الذات، رعاية
الجهل.
- أهلا وسهلا، تقدم واجلس بين إخوانك.
تقدمت وجلست بينهم، تكلم عبد ربه والدموع تسيل على
وجنتيه: أين العرب؟ أين السلام؟ أين الكبرياء؟ أين الهمة؟ أين
الشرف؟ أين الضمائر... كل حاجة راحت.
صاح واحد من المريدين بتعاسة: والأندلس كمان راحت
يا مولانا.
من الواضح أن عبد ربه لم يستمع لنشرات الأخبار منذ 500
سنة، لأنه صاح في دهشة: والأندلس كمان؟ ... طيب مش كان حد
يبلغني يا اخوانا..
قالها وأجهش في البكاء، تجرأت وقلت له: يا شيخي العزيز..
ما رأيك في أن نفعل شيئا .. أي شئ .. أن نزرع هذا الرصيف مثلا.
رد علي بسخرية: و هل سيسمح لك أحد بالزراعة يا جاهل؟
- أو نصنع فيلما جيدا، أو أغنية جميلة تأسر قلوب البشر.
- ولماذا نبذل جهدا يؤدي إلى نتيجة فاشلة؟!.. لن نتمكن من
ذلك لأن الغرب القذر سيقف لنا بالمرصاد.
- لماذا؟
- لأنه شرير.
- أوافق على أنه شرير.. ولكن شعوبا كثيرة أفلتت من شره،
ربنا فتح عليها. ما تيجي نفلت إحنا كمان.
- الجدع ده مدسوس علينا.. عاوزنا نشتغل.
- ده شرير، عاوزنا نفهم.
- مش كده وبس، ده عاوز يحرمنا من قعدتنا الحلوة دي..
وهنا صاح أحدهم في تهديد: قوم يا جدع انت .. ابعد عننا.
فنهضت من مكاني وابتعدت عنهم.. أمر خطير للغاية أن تحرم
التعساء من لذة الإحساس بالتعاسة.

من كتاب: شواكيش ساخرة تأليف علي سالم، صفحات 143، 144، 145، 146

شاكوش عم عبده تأليف علي سالم

صورة لنجار أويما من دمياط (من ويكبيديا كومنز)
صورة لنجار أويما من دمياط (من ويكبيديا كومنز)


شاكوش عم عبده

  تناول الأسطى عبده النجار الاصطباحة ثم طعام الإفطار
وحبس بعدة كراسي دخان معسل ثم وقف أمام البنك الخشبي في
ورشته الصغيرة وبسمل ثم دعا الله أن يعينه على الشقاء. أخذ
يستعرض قطع العدة أمامه ثم قال لصبيه: ياله يا حندق.. روح
للأسطى ابراهيم وقل له بيصبح عليك الأسطى عبده لو سمحت
تسلفنا الشاكوش بتاعك نص ساعة .. بس إجري .. أوعى تتأخر.

انطلق حندق يجري مسرعا وعاد يلهث بعد ساعة فقد كانت
ورشة الأسطى إبراهيم بعيدة قال: الأسطى إبراهيم بيقول لك إنه
شغال بالشاكوش في شغل لازم يسلمه النهارده.

طب روح للأسطى محمود وقل له بيصبح عليك الأسطى عبده
وبيقولك بأمارة ما شافك في السوق امبارح وسلم عليك، لو سمحت
تسلفنا الشاكوش بتاعك.. بس جري.

وانطلق حندق مسرعا وعاد بعد ساعة فقد كانت ورشة
الأسطى محمود بعيدة جداً، قال وهو يلهث: الأسطى محمود بيقولك
إن الإيد بتاعت الشاكوش انكسرت وبعته عند الخراط يعمل له إيد
جديدة.

لا حول ولا قوة إلا بالله.. طب اسمع، اطلع جري على الأسطى
خليل وقل له الأسطى عبده واقف عطلان والشاكوش عند واحد
زبون.. وبيطلب منك الشاكوش بتاعك ربع ساعة .. بس جري
يا حندق.. ما تتأخرش.

وانطلق حندق جاريا وعاد بعد ساعتين فقد كانت ورشة
الأسطى خليل بعيدة جداً.. جداً.. جداً وعاد وهو يكاد يموت من
التعب: الأسطى خليل بيتأسف لك قوي وبيقول لك إن الشاكوش
بتاعه خده الصنايعي يقفل بيه شغل عند واحد زبون.

طب اسمع.. استريح شوية وروح للأسطى عطية.. طب روح
للأسطى سيد، طب روح للأسطى أحمد.. طب روح للأسطى مسعد..
لا أمل، لا أحد يريد أن يستغني عن شاكوشه.

كان النهار قد انتهى تقريباً، استولى اليأس على الأسطى عبده.
فقال لصبيه حندق: عالم ماعندهاش مروءة.. أمرنا لله ناولني يا بني
الشاكوش بتاعنا.

* * *
  لماذا لم يبدأ الأسطى عبده يومه بأن يطلب من صبيه أن يناوله
الشاكوش بتاعهم؟ لماذا ضيع كل هذا الوقت؟ لماذا عذّب صبيه حندق
في مشاوير لا ضرورة لها طول النهار؟ لماذا أراق ماء وجهه عند زملائه
النجارين؟ لماذا عطل نفسه؟.

  ليس أصدق على الأرض من الحدوتة الشعبية القصيرة، هي
كتاب ومرجع، وهي قاعة محاضرات، وهي معمل للبحث العلمي، هي
الكتالوج الذي نتبين فيه ميكانيزمات العقل والسلوك البشري، هي
طرفة لمن يبحثون عن الطرافة، وهي هادية ومرشدة لمن يبحثون عن
الهدى والرشاد.

  هل الأسطى عبده لا يريد أن يستهلك العدة الخاصة بورشته؟
جائز، ولكن الشاكوش بالذات قطعة عدة تعمل لعشرات السنين دون
أن تفقد فاعليتها، بل إن الشاكوش بالذات ينتقل من الأجداد إلى
الأحفاد.

  ماذا تقصد هذه الحدوتة الشعبية القصيرة؟

  هي باختصار تلقي الضوء على خاصية في العقل البشري
تدفع بعض الناس إلى استهلاك كل الفرص المتاحة إلى أن ترغم على
اتخاذ القرار الصحيح والذي تعلم مسبقا أنه صحيح منذ البداية،
العقل البشري الطبيعي - إذا كان له وجود - يعمل بموجب مبدأ يقول
له، أفعل ما هو طبيعي وبديهي ... أنا الآن أقف أمام البنك لأعمل،
ناولني يا حندق الشاكوش.

  أما عقلية الأسطى عبده فهي تعمل بمبدأ يقول: لا بد أن يرغمني
أحد على أن أفعل ما هو صحيح. سأتجنب فعل ما هو صحيح وحتمي
إلى أن يرغمني أحد أو حدث أو شئ على الفعل الصحيح أو الاتجاه
السليم، ليس مهما الوقت الذي أضيعه، الزمن لا أهمية له، والعمل
والانجاز أيضا لا أهمية لهما، لا بد من الاستمتاع بالمحاولات العديدة
الفاشلة للحصول على شاكوش من الآخرين، الخسائر ليست مهمة
بالمرة.

أخيرا أبلغت حكومة العراق الأمم المتحدة أنها على استعداد
للتعاون التام فيما يختص بالأسلحة الكيماوية والجرثومية وبذلك
يحق لها أن تطلب رفع الحظر عليها، ذلك الحظر الذي كان نكبة على
العراق وحكومة العراق وشعب العراق. بعد خمسة أعوام من المماطلة
والمماحكة واللف والدوران، بعد خمسة أعوام من الضياع غير
المسبوق في التاريخ، بعد كل ذلك الكم من الخراب، الحكومة العراقية
تقول: ناولنا يا حندق الشاكوش بتاعنا

السؤال هو: هل في ثقافتنا العربية ما يجعل العقل يعمل
بموجب هذا المبدأ؟ مبدأ الشاكوش وعم عبده؟ ما هو الخطأ المسئول
عن ذلك في تراثنا أو تربيتنا؟ لما نسعي سعيا للإرغام، أم أن ذلك
السلوك تعبير عن انعدام الإحساس بالمسئولية؟ أو انعدام الرغبة في
العمل؟ لنواجه أنفسنا بشجاعة، هل العمل ممجد في تراثنا؟

من المؤكد أن العمل من ثوابت العقل عند المصريين، الزراعة،
الري، البناء، الحكمة، الدولة.. بالتأكيد كانت مصر تستيقظ في الصباح
الباكر كل يوم وتمسك بشاكوشها الخاص وتعمل. للأسف هارون
الرشيد لم يكن حاكما مصرياً، لذلك كان من حقه أن يقف في شرفة
قصره ناظرا لسحابة بعيدة وأن يقول لها: أمطري حيث شئت فسوف
يأتيني خراجك.

لم يكن العمل مطلوبا في ذلك الوقت، المطلوب فقط كان انتظار
الخراج القادم من أمطار بعيدة، ما العمل الآن والسحب تمطر فقط في
أوربا وأمريكا واليابان ولا يأتينا منها الخراج.. بل الديون. الناس في
العالم كله تعمل بينما نحن نتناقض طول الوقت باحثين عن الطريقة
المثلى للامتناع عن الفعل، طول النهار ننتظر شاكوشاً لن يأتي أبداً،
بعبقرية نادرة وبجهد جهيد نؤجل اللحظة التي نقول فيها: أمرنا لله
يا حندق.. ناولنا الشاكوش بتاعنا.. هيا يا حندق نزرع الصحراء..
تعال يا حندق نطعم كل هؤلاء البشر، تعال نملأ عقولهم بالعلم
وقلوبهم بالموسيقى، اقفل مخازن الكلام يا حندق..
نحن جزء مهم من هذا العالم، وعلينا أن نستخدم مفرداته،
علينا أن نحصل على احترامه وتقديره لكي يساعدنا ونساعده..
ناولني يا بني الشاكوش بتاعنا

من كتاب: شواكيش ساخرة تأليف علي سالم، صفحات 99 - 103

مفكرون قطاع عام

قال الوالي: تكلم
- المحتسب في شارعنا يمنعني من التفكير.
- هل قفز داخل عقلك .. وعطل عجلة التفكير فيه؟
- لا، ولكنه يخيفني.
- هذه مشكلتك أنت .. وليست مشكلته أو مشكلة الدولة .. ماذا
تريد بالضبط، أن أمنعه من إخافتك، أو أمنع الخوف عنك؟
- كلاهما يا مولاي.
- ماذا؟ .. ما هي مصلحتي في ذلك؟
- أنا واحد من رعاياك يا مولاي ومن .. ومن .. ومن ..
- دعني أكمل أنا .. من حقك علي أن أحميك...
- نعم يا مولاي أمد الله في عمرك
- لماذا .. ماذا سأستفيد عندما أحميك؟
- سأفكر بحرية يا مولاي.
- ماذا سيعود علي من حرية تفكيرك؟
- سيتدعم نظام الحكم..
- هاها .. العب غيرها .. أنا لست أحكم بفضل أفكاركم .. ولكن
بفضل أدواتي ..
- حسنا يا مولاي .. لأكن صريحا .. اعتبرني شحاذ حرية تفكير
مثل شحاذ الغرام .. اعتبرني شحاذا جئت أطلب كسرة خبز لعقلي ..
وليس لبطني.
- انتم مفكرون مدللون، أفسدكم الحكم الشمولي .. مفكرون
قطاع عام .. تريدون ممارسة حرية التفكير على حساب الحكومة..
تريدون أفكارا بلا أخطار .. التفكير في العالم الثالث خصوصا لعبة
خطرة .. لابد أن تدفع ثمن ما تفكر فيه..
- ولكنها لعبة جميلة يا باشا.
- جميلة لمن يمارسها ويقدر عليها ... ولكن لاتنس أنها تبعث
بالحقد والفزع في قلوب كل العاجزين عن التفكير ... دعك من لعبة
الكلمات .. ماذا تريد بالضبط؟
- أنا أنتمي للبحر الأبيض يا مولاي.
- والنيل؟
- يصب في البحر الأبيض.
- ماذا يعني هذا الانتماء؟
- أريد أن أتمتع بكل ما يتمتع به سكانه من حقوق. وعلي
استعداد للقيام بكل ما يطلب مني من واجبات.
- مجانا؟
- ماذا تقصد يا مولاي؟
- يعني ببلاش... هل تريدني أن أصدر فرمانا الآن بأن مصر
دولة بحر أبيض ... وأن الحياة بداخلها ستكون مماثلة تماما للحياة في
إيطاليا واليونان مثلا؟
- نعم يا باشا .. أرجوك.
- يالك من مفكر غريب.. هل تعتقد أن شعوب البحر الأبيض
وبقية شعوب أوروبا حصلت على ما تتمتع به الآن من حقوق الإنسان
لأن فرمانا صدر بذلك؟ أو لأن واحدا أو مجموعة من البشر أرادت
ذلك.. أو فكرت في ذلك مثل سيادتك؟.
- لست أفهم ما ترمي إليه يا مولاي..
- أيها المفكر المدلل، لماذا تفكر في أنك بحر أبيض، دون أن تفكر
في الثمن الذي دفعته شعوب هذا البحر؟ كيف تتخلص الشعوب من
الأفكار الخاطئة؟ لابد أن تعتنقها في البداية وتتحمس لها وتسعد بها
وتغني من أجلها وترقص. هل كانت توجد فكرة على الأرض قادرة
على إقناع الشعب الألماني بأن هتلر كان نصابا يقود شعبه إلى الجحيم
وبلاده إلى الدمار؟ كل الأفكار المؤدية للجحيم لذيذة وسهلة الهضم،
وتغري بالتخلي عن الحرية، وبعد ذلك تأتي الفاتورة، فتدفع
الشعوب الثمن لكي تسترد حريتها ولا تفرط فيها بعد ذلك.. أما حكاية
"أعطني حريتي أطلق يديا" فهي ليست أكثر من أغنية. لا أحد يعطي
لأحد الحرية.. أما زلت تطلب حرية التفكير.
- نعم يا مولاي..
- حسنا.. فكر بحرية وفي حرية، وادفع الثمن.. واجه
المحتسب.. حارب المحتسب .. قاوم المحتسب.. وإلا كنت لصا يستولي
على سلعة دون أن يدفع ثمنها.

من كتاب: شواكيش ساخرة تأليف علي سالم، صفحات 11، 12، 13