الأربعاء، 28 أغسطس 2019

شطا في دائرة المعارف الإسلامية

هذه ترجمة لمقالة شطا من دائرة المعارف الإسلامية - الجزء التاسع - صفحة 361 - ليدن - بريل 1997.


شطا: مكان في مصر اشتهر في العصور الوسطى ، يقع على بعد أميال قليلة من دمياط ، على الشاطئ الغربي لبحيرة تنيس ، المشهورة حاليا باسم بحيرة المنزلة. هذه المدينة كانت موجودة قبل الحكم العربي، حيث ذكر أنها كرسي أبرشية (Σάτα).

لا يوجد سبب لإعطاء المصداقية للقصة الرومانسية شبه التاريخية المذكورة في الواقدي، التي تحكي أن مؤسس هذه المدينة هو شطا ابن الهاموك (أو الهاميراك)، من أقارب المقوقس[طالع] المشهور. شطا هذا يقدم لنا كمنشق عن حامية دمياط والذي ساعد في تحقيق سيطرة الجيش المسلم على البرلس ودفرة و أشمون طناح والذي قتل في الاستيلاء على تنيس في 15 شعبان 21/19 يوليو 642 ميلادية. كل عام في نفس الميعاد، جرت العادة على الاحتفال بذكرى وفاته، ولهذا السبب يفسر الكتاب الزيارة السنوية إلى شطا والتي كانت مستمرة في أيام ابن بطوطة.

للحماية من الهجمات البحرية لليونانيين ،أقام العرب وحدات عسكرية على أجزاء معينة من الساحل، وكانت شطا من ضمنها. أصبح هذا الميناء في العصور الوسطى مركز صناعي نشط جدا، في هذه المنطقة اشتركت مع دمياط و دبيق و تنيس ، في صناعة المنسوجات النفيسة. من المحتمل أن تكون كل مدينة من هذه المدن قد صنعت نسيجا خاصا بها لأن ما صدروه حمل اسم المدينة كطابع مميز لهذه الأنسجة. فالرحالة والجغرافيون لم يملوا مدح بضاعة شطا التي سميت بالشطوي. لعله من الوارد جدا وجود في هذه البلدة بالإضافة إلى الصناعة الخاصة، مصنع حكومي "دار الطراز" مماثل للموجود في الأسكندرية وتنيس. مؤرخ مكة ، الفاكهي، حافظ لنا على نص نقش مطرّز على كسوة للكعبة. إنه مما أمر به الخليفة هارون الرشيد بصنعته سنة 191 هجرية/807 ميلادية في طراز شطا. لا نعرف الدور الذي لعبته شطا في احتلال دمياط من قبل الفرنجة.

بعض الكتاب حاولوا أن يضعوا في شطا موقع معسكر جان دي بريان ، لكن هذا الرأي محل نزاع. بين الحملتين الصليبيتين ، كانت تنيس قد تم تخريبها بأمر من الملك الكامل في العام 624 هجرية/ ميلادية1227 ، ولأن الأسباب ربما كانت عسكرية, فيحتمل أن شطا قد لاقت نفس المصير. ولكن في حين أن أنقاض الأول قد بقيت الى الآن تحت اسم "تل تنيس" ، فإن بلدة صغيرة الآن موجودة تحمل اسم الشيخ شطا. في مركزها يوجد المسجد والذي فيه جثمان بطل الفتح العربي ، الذي أصبح الشيخ شطا، مبجلا.

مصادر:
  1. عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي أبو عبيد، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، ii، 811
  2. لسان العرب، 19، 162
  3. المصادر الواردة في جان ماسبيرو وجاستون فييت، Matériaux pour servir à la géographie de l'Égypte. MIFAO = Mémoires publiés par les membres de l'Institut Français d'Archéology Orientale (IFAO) du Cairo (Berlin/Cairo) 36, 112-13
  4. خطط المقريزي طبعة MIFAO، 4, 80-2
  5.  محمد رمزي، القاموس الجغرافي للبلاد المصرية، ii/1,243

المقالة من تأليف: (جاستون فييت- هاينز هالم)

نظام الأرقام العربية

المقالة هنا ترجمة بتصرف لمقالة بعنوان The Arabic numeral system من تأليف: J J O'Connor و E F Robertson


الأرقام الهندية لم تنتقل لأوروبا مباشرة، بل انتقلت عن طريق العرب والمسلمين. العالم العربي متعارف على إنه قسمين، المشرق والمغرب ومتعارف على أن المغرب العربي كان لفترة كبيرة يضم أجزاء من أسبانيا (الأندلس قديما). المشرق والمغرب عرفا الأرقام الهندية وتطور استخدامها لديهم بشكل منفصل.

لكن قصة استخدام العرب للأرقام الهندية ليست بتلك البساطة، لأن العرب عرفوا واستخدموا أنظمة مختلفة للأرقام في نفس الوقت ولمدة طويلة. على سبيل المثال عرف العالم العربي على الأقل ثلاثة أنظمة مختلفة للحساب في القرن الحادي عشر:
  1. العد على الأصابع، وكتابة الأرقام بالكلمات وهو النظام الشائع استخدامه لدى التجار.
  2. نظام العد الستيني وهو نظام قائم على استخدام قاعدة الستين بدلا من العشرة وهو مأخوذ من البابليين وسبب استخدام الرقم 60 كقاعدة للحساب هو أنه قابل للقسمة على "2 3 4 5 6 8 10 12 16 20 60" و استخدموا فيه حروف الأبجدية للدلالة على مواضع الأرقام في هذا النظام.
  3. طريقة الحساب الهندية باستخدام النظام العشري بالخانات (خانة الآحاد والعشرات والمئات ... الخ)
هناك إشارة على سابق المعرفة بالأرقام الهندية قبل ظهور الحضارة العربية وذلك من خلال كتابات سابوخت النصيبيني حوالي 662 بعد الميلاد، وكان أسقفا نسطوريا عاش في قنسرين (سوريا)، وفيها يقول: ‎

سأتجاهل كل المناقشات حول علوم الهند، ,,,، واكتشافاتهم البارعة في الفلك، وهي اكتشافات تفوق ما جاء به اليونانيون والبابليون، وطرقهم القيمة في الحساب والتي تفوق الوصف. أود فقط أن أقول أن طريقة الحساب هذه تتم بإستخدام تسع علامات. ولمن لايزال يؤمن بأنهم وصلوا لقمة العلم لأنهم يتحدثون اليونانية، لو أنهم قرأوا النصوص الهندية لاقتنعوا ولو متأخرا أن هناك آخرون يعرفون أشياء قيمة
هذه الفقرة تشير بوضوح الى أن نظام الأرقام الهندية كان معروفا في أراض ستصبح فيما بعد جزءا من العالم العربي في فترة مبكرة في القرن السابع. هذه الفقرة بالطبع توضح أن عدد قليل جدا في هذا الجزء من العالم كان يعرف أي شيء عن هذا النظام الحسابي. سابوخت النصيبيني كأسقف مسيحي كان مهتما بحساب تاريخ عيد القيامة (وكانت مشكلة لعدة مئات من السنين للكنائس المسيحية). ولعل هذا السبب هو ما شجعه على الإطلاع على الحسابات الفلكية للهنود، وعن طريق هذا عرف بالطبع عن الحساب بإستخدام تسعة رموز.

بحلول عام 776 بعد الميلاد بدأت الإمبراطورية العربية تتشكل، وأصبح لدينا مصدر آخر على انتقال الأرقام الهندية من خلال ماكتبه القفطي (1172 م - 1248 م) في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" ويرجع تاريخ الكتاب لحوالي القرن الثاني عشر ولكنه يذكر مصادر أقدم في كتابه:-

وقد ذكر الحسين بن محمد بن حميد المعروف بابن الآدمي في زيجه الكبير المعروف بنظم العقد أنه قدم على الخليفة المنصور في سنة ست وخمسين ومائة [776 ميلادية] رجل من الهندي قيم بالحساب المعروف بالسند هند في حركات النجوم مع تعاديل معمولة على كردجات محسوبة لنصف نصف درجة مع ضروب من أعمال الفلك من الكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك في كتاب يحتوي على عدة أبواب وذكر أنه اختصر من كردجات منسوبة إلى ملك من ملوك الهند يسمى فيفر، وكانت محسوبة لدقيقة فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية وأن يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري وعمل منه كتابا يسميه المنجمون السند الهند الكبير، وتفسير السند الهند باللغة الهندية: الدهر الداهر. وكان أهل ذلك الزمن أكثر من يعملون به إلى أيام الخليفة المأمون فاختصره له أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي وعمل منه زيجه المشهور ببلاد الإسلام وعول فيه على أوساط السند هند وخالفه في التعاديل والميل وجعل تعاديله على مذهب الفرس وميل الشمس فيه على مذهب بطليموس واخترع فيه من أنواع التقريب أبوابا حسنة لاتفي بما احتوى عليه من الخطأ البين الدال على ضعفه في الهندسة فاستحسنه أهل ذلك الزمان من أصحاب السند هند وطاروا به في الآفاق، ومازال نافعا عند أهل العناية بالتعديل إلى زماننا هذا

في كتابه [انظر المرجع رقم 1] (والاقتباس هناك مطول) يحاول إفراه أن يحدد أي كتاب هندي يقصده المؤلف. ويخلص إلى أنه غالبا يقصد ما كتبه براهماجوبتا بعنوان "براهما سبتا سدهانتا" (بداية/فتح الكون) والمكتوب في 628. بغض النظر عن إذا كان إفراه محقا في هذا الاستنتاج، لأن كل المؤلفات الهندية بعد كتاب أريابهاتا الأول "أريابهاتيا" (499 ق.م) استخدمت نظام العلامات التسع للعد، فإنه من المؤكد أن العرب بداية من هذا التاريخ (776 م) كان لديهم ترجمة بالعربية لنص يتضمن نظام الأرقام الهندية.

من المعتاد الإدعاء بأن أول نص عربي كتب لشرح نظام الأرقام الهندي كتبه الخوارزمي. لكن هناك بعض الصعوبات تواجه هذا الادعاء وهو ما يتجاهله معظم الكتاب. النص العربي مفقود ولا يوجد إلا ترجمة لاتينية من القرن الثاني عشر، بعنوان "Algoritmi de numero Indorum" (فن الحساب الهندي للخوارزمي) وهو الكتاب الذي أعطى شهرة لكلمة خوارزم والمشتقة من الإسم الموجود في عنوان الكتاب. للأسف أن الترجمة اللاتينية للكتاب مختلفة عن نص الخوارزمي الأصلي (والذي لا نعرف حتى عنوانه). النص اللاتيني بكل تأكيد يصف النظام العشري الهندي القائم على الخانات معتمدا على 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 0.

اعتبر الكثيرون أن أول مرة يستخدم فيها الصفر في نظام عشري بسبب هذا الكتاب المنسوب للخوارزمي. الصعوبة نشأت من أن البغدادي (980 م - 1037 م) في كتابه ”التكملة في الحساب“ أشار للكتاب بلغته الأصلية وخلافا للظن الشائع عنه، العمل يتحدث عن نظام العد بالأصابع وليس الأرقام الهندية. ويظهر هذا بوضوح في ما أشار إليه البغدادي في كتابه لمؤلف الخوارزمي المفقود. وبالرغم من ذلك فإن كثرة إشارة المصادر الى كتاب الخوارزمي في رموز الأعداد الهندية التسعة لابد وأن يعني أن الخوارزمي كتب مثل هذا العمل. بعض من الغموض لا يزال موجودا.

في البداية استخدم العرب الطرق الهندية على ألواح متربة. في الحقيقة عرف المغرب العربي الأرقام الهندية باسم الأرقام الغبارية. واستخدمت ألواح الغبار لأن هذه الطريقة الحسابية تطلبت تحريك الأرقام وشطب بعضهم أثناء العمليات الحسابية وهو ماسمحت به تلك الألواح الغبارية بنفس الطريقة التي نستخدم بها السبورة.

حوالي منتصف القرن العاشر الميلادي ألف أبو الحسن الإقليدسي كتاب الفصول في الحساب الهندي وهو من أقدم ما وصلنا من الكتب عن النظام الهندي. فيه يناقش الإقليدسي مزايا هذا النظام :- (ملحوظة من المترجم: انظر هامش رقم 1 بالأسفل) 

وإنّ أكثر الحُسّاب مضطرّون إلى العمل به (حساب الهند) لما فيه من الخفّة والسّرعة وقلّة التحفظ، وقصر الزمان فيما يحاوله من الجواب، وقلّة شغل القلب بما يعانيه ويراه مضطرّا بين يديه. ولعلّه لو تكلّم أو تحدّث لم يُفسد ذلك عمله، وكذلك لو تركه وتشاغل عنه بغيره، لرجع إليه فوجده بحاله، فتمّم ما اراد تمامه، وأسقط عنه مؤونة التحفّظ له واشتغال القلب به. وليس ذلك موجودا في غيره، إذ كان غيره يقصر عنه لما فيه من العقد، ولما يضطرّ إليه، إذ كان كثير من الحسّاب لا يمكنهم إلّا العمل به لما تعجز عنه اليد لكثرته.
فإن كرهه قوم للحاجة إلى التّخت، فأنّا نقول إنّه علم وعمل يحتاج فيه إلى آله كما يحتاج الكاتب والصانع والفارس إلى ما يعمل به ...
فإن كرهه قوم لتعذر التّخت في بعض الأوقات، أو لقبح حضوره لما فيه من الشّنعة، إذ كان يقبح أن يرى بين يدي الكاتب، ممن يحظر الديوان ويجلس في الأسواق، فأنّا نقول، قد عملنا في ذلك ما لا يحتاج فيه إلى التّخت، واستغنينا عنه بما قد عملناه؛ وهو أنّا نعمل ما عمله جميع أصحاب هذه الصناعة بلا تخت ولا تراب، بل نعمل في صحيفة. ونخفيه أيضا بأشياء نذكرها حتى لا يعلم من رأي من يحسب به أنه هندي، بل يتوهّم أنه رومي (ص. 48)

وفي القسم الرابع من الكتاب يبين الإقليدسي كيفية تعديل طرق حساب الأرقام الهندية والتي كانت تحتاج لألواح غبارية لطرق يستخدم فيها الورقة والقلم. بالتأكيد كان اعتماد الطريقة الهندية على الألواح الغبارية أحد العراقيل الأساسية لانتشارها. على سبيل المثال فإن أبو بكر الصولي (880 م - 946 م) بعد ما أثنى على نظام العد الهندي، يكتب :-

وعلى هذا وصفوا حروفهم التسعة وقالوا: الحساب الهندي أخرج لكثير العدد إلا أن الكتاب اجتنبوه لأن له آلة [يقصد لوح الغبار]، ورأوا أن ما قلت آلته، وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه [يقصد العد على الأصابع]، كان أذهب في السر وأليق بشأن الرياسة.

ولهذا تتضح أهمية كتاب الإقليدسي في تسهيل استخدام الأرقام الهندية التسعة. وله أهمية أخرى في كونه من أقدم الكتب في معالجة الكسور العشرية.

وعلى الرغم من أن كثير من العلماء وجدوا فائدة في استعمال الرموز الهندية في أعمالهم، إلا ان مجتمع التجار استمر في استخدام العد بالأصابع حتى نهاية القرن العاشر الميلادي. أبو الوفاء البوزجاني (940 م - 998 م) وهو خبير في استخدام الأرقام الهندية، كتب في كيفية الحساب بالأصابع كتاب "حساب اليد" لأن هذا كان ما يحتاجه مجتمع التجار وقتها.

دعنا نعطي بعض المعلومات عن طريقة العرب في استخدام الحروف للأعداد والموجودة في أعمال أبو الوفاء البوزجاني.

كان يتم تمثيل الأرقام بحروف عربية غير مرتبة بترتيب القاموس. وعرف هذا النظام باسم "حساب الجمل" وأحيانا باسم أبجد وهي تجميع لأول أربعة حروف في هذا النظام (1 = أ، 2=ب، 3=ج ، 4= د). الأرقام من 1 إلى 9 مثلت بأول تسع حروف في هذا النظام أبجد هوز حط، ثم الأرقام من 20 إلى 90 بالحروف يكل منس عفص، ثم الأرقام من 100 إلى 1000 بالحروف قرشت ثخذ ضظغ.

الفلكيون العرب استخدموا النظام الستيني مع نظام الحروف الحروف العربية. مثال على هذا الزاوية 43° 21' 14" كانت ستكتب على هذا الشكل "مج كا يد".

ابن سينا (ويعرف في الغرب باسم أفيسينا) وهو من معاصري البغدادي، من مؤلفي بدايات القرن الحادي عشر الميلادي. والذي نعرف الكثير عن تفاصيل حياته لأنه ألف فيها كتابا. كان ابن سينا في طفولته مميزا، تميز بذاكرة قوية وقدرة على التعلم أدهشت العلماء الذين قابلهم في منزل والده. مجموعة من العلماء من مصر جاءوا لمنزل أبيه حوالي 997 م عندما كان ابن سينا في العاشرة من عمره وعلموه طريقة الحساب الهندية. ويحكي أيضا عن تعلمه الجبر والحساب الهندي من بائع خضروات. كل هذا يبين أنه في بداية القرن الحادي عشر كانت طريقة الحساب بالأرقام الهندية منتشرة وبصورة كبيرة ومعروفة حتى لتاجر خضروات.
ماذا عن الأرقام نفسها. رأينا في مقالة الأرقام الهندية أن أشكالها اختلفت تبعا للمنطقة وتغيرت مع الزمن. حدث نفس الشيء في العالم العربي.

هنا مثال لأرقام هندية مستخدمة في المشرق العربي. من كتاب أبو سعيد أحمد بن محمد بن عبد الجليل السجزي (951 م - 1024 م)، ولم يكن مؤلفه الأصلي ولكن لكتاب نسخه في شيراز عن مؤلف رياضي آخر وأرخ تلك النسخة عام 969 م.

الأرقام الهندية من رسالة السجزي عام 969 م.



تغير شكل الأرقام بعد ذلك بحوالي مائة عام، في نسخة من أحد كتب البيروني في الفلك، نجد الأرقام على هذا الشكل

شكل الأرقام الهندية من كتاب في الفلك للبيروني حوالي عام 1082.


في الواقع لو دققنا النظر سيظهر أنه ما بين 969 و 1082 التغيير الأكبر في الأرقام هو دوران الأرقام 2 و3 ب 90 درجة. وسبب هذا التغيير الطريقة التي كان يكتب بها الناسخون في المخطوطات، وحيث أنهم كانوا يكتبون من اليمين لليسار وهم جالسون القرفصاء. ولتسهيل الكتابة كانوا يكتبون في سطور من الأعلى للأسفل وعند قراءة المخطوط يتم تدوير المخطوط ويقرأ المخطوط بالطريقة الصحيحة من اليمين لليسار.ربما ولقلة خبرة النساخون في طريقة كتابة الأرقام الهندية، كتبوا 2 و3 بدوران 90 درجة بحيث عندما يتم تدوير المخطوط يقرأوا بالطريقة الصحيحة.


هذا مثال على ما كان يجب على الناسخون أن يكتبوه




ما كان يجب على الناسخون أن يكتبوه والمخطوط في وضعية الدوران وفي حال اعتداله.

وهذا مثال على ما كتبوه فعليا





ماكتبه الناسخون فعليا والمخطوطة في وضعية الدوران وفي وضعها الطبيعي.


شكل الأرقام المستخدمة في المغرب العربي يبدو قريب الشبه للأرقام المستخدمة في أوروبا حاليا, وهو شيء طبيعي لأن تلك الأرقام هي ما أوصلت الأرقام الهندية لأوروبا.




الأرقام الهندية كما كتبها ابن البناء المراكشي.

وكما يظهر في هذه الصورة، كان هذا شكل الأرقام كما كتبها ابن البناء المراكشي (1256 م - 1321 م) في مؤلفه في الحساب العملي المكتوب حوالي بداية القرن الرابع عشر الميلادي. عاش المراكشي معظم حياته في المغرب وهي قريبة من الأندلس والتي كان يسيطر عليها العرب وقتها وهي في جنوب أسبانيا.

وعلى على الرغم من هذا فإن أول مثال وصل إلينا على استخدام الأرقام الهندية في أوروبا كان قبل ابن البناء المراكشي بوقت طويل. حيث ظهرت هذه الأرقام الهندية في مؤلف بعنوان ”Codex Vigilanus“ نسخه راهب من أسبانيا عام 976.

أول ظهور للأرقام العربية في أوروبا من كتاب "Codex Vigilanus".


وبالرغم من ذلك فإن الجزء الأكبر من أوروبا في هذا الوقت لم يكن مستعدا لتقبل أفكار جديدة من أي نوع واستغرق هذا وقتا طويلا حتى القرن الخامس عشر عندما بدأ الرياضيون الأوروبيون تطويرهم السريع للرياضيات والذي لا يزال مستمرا إلى اليوم. لن نقوم بفحص المساهمات العديدة التي أوصلت الأرقام الهندية إلى أوروبا في هذه المقال، ولكن سنذكر مثال واحد فقط، ولكن مهم جدا.

كتب ليوناردو فيبوناتشي (1175م - 1250م) في كتابه الشهير ”Liber abaci“ (كتاب الحساب) المنشور في بيزا عام 1202:-

حينما كان أبي، وهو من عينته بلده في وظيفة موثق عام في الجمارك في بجاية مسئولا عن ووكيلا للتجار من بيزا الموجودين هناك، ناداني اليه وكنت لازلت طفلا، وبحاسته في معرفة ماسيفيدني في مستقبلي، طلب مني أن أبقى هناك وأتعلم في مدرسة المحاسبة. هناك حيث تعرفت على الفن الهندي في الرموز التسعة على يد معلمين مهرة، علمهم بهذا الفن أسعدني فوق الوصف ومن خلالهم فهمته، فما درسته من خلال هذا الفن صحبني في مصر وسوريا وصقلية وبروفنس، في كل أشكاله المختلفة.


هامش:

  1. النص منسوخ كما هو دون تصحيح من اقتباس من كتاب الأقليدسي "الفصول في الحساب الهندي"، لم أعثر على النص الأصلي لكن النص المذكور هنا منسوخ من الورقة البحثية "نصوص مختارة من علم العدد" لمهدي عبد الجواد، منشورات الجمعية التونسية للعلوم الرياضية، 2010، ص72 (رابط).
 مراجع:
[1] G Ifrah, A universal history of numbers : From prehistory to the invention of the computer (London, 1998).
[2] G G Joseph, The crest of the peacock (London, 1991).
[3] R Kaplan, The nothing that is : a natural history of zero (London, 1999).
[4] L C Karpinski, The history of arithmetic (New York, 1965).
[5] K W Menninger, Number words and number symbols : A cultural history of numbers (Boston, 1969).
[6] D E Smith and L C Karpinski, The Hindu-Arabic numerals (Boston, 1911).

📗 طالع أيضاً:

أماركورد

هذا أول لقاء لي بأفلام فلليني, لم أتحمس من قبل لمشاهدة أفلامه, و لم أدر مالسبب؟ حتى إطراء سكورسيزي الشديد في “رحلته الى إيطاليا” لفلييني و استعراضه بعضاً من أفلامه لم ينجح في شد انتباهي لأعمال فلليني, وبخاصة ما يعتبره سكورسيزي قمة أعمال فلليني و هو فيلم 81/2, لكن بنفس رحلة سكورسيزي و جدت نفسي مبهوراً بعالم دي سيكا و بخاصة رائعته إمبرتو دي بواقعيتها المخيفة, و أعماله الأخرى, لكن لم يلفت انتباهي حينها فلليني, رغم علمي بتكرار إشادة كثيرين بسينماه و اعتباره من أفضل مخرجي القرن العشرين.

لكن تغير كل هذا و أنا أشاهد أماركورد و التي كنت أحياناً أنطقها قمركرد, لا لشئ إلا لأن الإسم يبدو شاعرياً بعض الشئ, و يتقاطع مع طريقة نطق بعض الكلمات العربية, لكن الجملة تعني أتذكر, و هو سيرة شبه ذاتية لحياة المخرج و تقع أحداثه في مدينة إيطالية افتراضية تسمى بورجو.

لاداعي للخوض في أحداث الفيلم, فلا توجد قصة بالمعنى المتعارف عليه, و لا يوجد تسلسل أحداث بالشكل المتعارف عليه,  فالفلم عبارة عن تجوال حر للكاميرا في أنحاء المدينة لرصد خيالات و عواطف و تحركات سكان المدينة في قالب فني ميزته السلاسة و البساطة, فلا تجد نفسك تفكر كيف صور هذا المشهد, و لا أداء الممثلين للشخصيات, و لا اختيار الأماكن, بل تجد نفسك تستمع بالمشاهدة و تدهش, تدهش لهذا التدفق البسيط السهل للمشاعر و الأحاسيس و الأفكار و الأسرار على الشاشة.



لكني لا أستطيع تجاهل عنصر الصورة الموسيقية في هذا الحدث, فموسيقى نينو روتا كان لها حضور كبير في جنبات الفيلم, و ساهمت في جعل الصورة على الشاشة أقرب ما تكون للشاعرية, ففي أحد مشاهد الفيلم يقف مجموعة من الفتية أمام أحد القصور المفترض أنها مهجورة , المشهد غارق في الضباب الكثيف, و الفتية ينظرون من ثقب الباب لداخل القصر, و يتعجبون لجماله من الداخل, ينسحب ببطء و هدوء أحدهم و يقف على السلم مطرقاً رأسه للأرض ثم فجأة يبدأ في التمايل يسرة ويمنة و تجئ الموسيقى من لا مكان في وسط الضباب و الريح, يقترب منه زميله ينظر اليه و يبدأ هو أيضاً بالتمايل الخفيف و قد تسلل اليه الإحساس بالموسيقى, و شيئاً فشيئاً تتسلل العدوى لكل من بالمكان, فيبدأ الجميع في تناغم غير مقصود بالتمايل و الإحساس بالموسيقى كل بطريقته و خياله الخاص, و تجد حتى الكاميرا قد تجاوبت مع هذا الحدث فتتناقل بتمايل بينهم لتكمل لك جوانب الحدث, ثم تنهيه بمشهد من أعلى كاشف للحركة الجماعية المتناغمة الغريبة.

في مشهد سابق لهذا تجد بطلة الفلم نفسها داخل نفس القصر لمقابلة الأمير, و عندما تصعد من ظلمة الردهة الى الغرفة, يتغير المشهد تماما من قصر مترب معفر الى حجرة فخمة بها أناس بملابس القادة و الرؤساء, و من جديد تنطلق الموسيقى في أنحاء المشهد و تستجيب الكاميرا لصوتها فتبدأ الكاميرا في الصعود و النزول بخفة كأنها على مقدمة قارب في بحر, فتحول المشهد كانك في عرض البحر تشاهد عرضاً خلاباً صامتاً و قد امتلأت جنباته بالموسيقى.



الفيلم ملئ بالأحداث الكثيرة, كل منها يصلح مادة للتعليق عليها, لكن برأيي الشخصي أفضل مشاهد الفيلم هو مشهد انتظار السفينة, حيث خرج الجميع لإستقبال السفينة في قوارب تفرقوا فيها الليل بأكمله بإنتظارها, و يمر الوقت و لا تظهر, فيغلب عليهم النعاس الخفيف, و فجأة يستيقظ أحد الصبية الصغار على صوتها فيوقظ من حوله لرؤيتها, و تدخل السفينة الكبيرة فخر النظام الفاشستي, عند دخولها يختار المخرج زاوية تصوير تظهر لك تفاصيل السفينة مع الإحتفاظ بالإحساس بضخامتها, و من جديد تنبثق الموسيقا من لا مكان مع تماوج الكاميرا لتضفي تلك اللمسة الشاعرية على الحدث, و هي لمسة تبدو أقرب ما تكون لرومانسية حالة التذكر.



بالفلم مشاهد ساحرة و غرائبية للضباب, فحينما يخرج الجد من المنزل بعد أن لم يجد أحداً به, يغرق لوهلة في ضباب كثيف لا تتبين منه بداية ولا نهاية, ضباب كثيف يشبه الوحدة المحيطة بالعجائز, فيتهيب للحظات السير في أي اتجاه و يتسلل لنفسه شعور بالخوف والضياع ليجد أنه لا يزال أمام البيت و يعود اليه, لكن الطفل الصغير و هو ذاهب للمدرسة لا يتهيب السير في الضباب بل يندفع فيه, إلا أنه يبدأ تدريجياً في الإحساس بوحدته و تتضاعف مع إحساسه بالخوف من أشياء لا يميزها جدياً في الضباب.



لكن من أكثر المشاهد سخرية و ألما في نفس الوقت هو مشهد العم المجنون و هو على قمة الشجرة صارخاً في الفضاء العريض من حوله: “أريد امرأة”, لست أدري لم أضحكني هذا المشهد في البداية, ثم أثار تعاطفي الشديد معه و هو يكرر صراخه بقوة: “أريد امرأة”.

حاز الفلم على جائزة أوسكار لافضل فيلم أجنبي عام 1975, و رشح لثلاث جوائز أخرى, كما حصد ثلاثة عشرة جائزة مختلفة.


نشر أول مرة بتاريخ  2010/01/10

معركة الجزائر


هذا الفيلم بالذات مصدر قلق شديد لكن من يتصدى للكتابة عنه, فواقعيته المفرطة جعلت تناول الأمور حوله صعبة للجميع, فالفيلم بكل وضوح يتنصر للمقاومة الوطنية في مواجهة الإحتلال, ينتصر لها حتى في تلك المشاهد المؤلمة و التي نرى فيها نساءاً و أطفالاً و رجالاً يتساقطون قتلى في عمليات تفجيرية, بعض منها كان إنتحاري الطابع, و ينتصر لها بعرض مشاهد التعذيب البشعة لأفراد الخلايا الصغيرة للوصول لأعلى الهرم القيادي, و ينتصر لها بعرض مشاهد إذلال المواطن من قبل جنود الإحتلال, و حتى بعرض مشاهد تفجير البيوت على ساكنيها, و الفلم من ناحية أخرى ينتصر لنظريات النضال المسلح, و من ناحية أخرى يظهر تكتيكات الإحتلال في تفكيك خلايا المقاومة, مما جعل الفلم مادة ثرية للإستغلال من قبل طرفي النزاع, المقاومة المسلحة و الإحتلال, لكن تظل المشكلة دوماً ما حدود شاشة السينما, و ما حدود ما يمكن عرضه حتى لو كان الهدف أخلاقي أو توثيقي أو معرفي أو ترفيهي أو حتى تجاري بحت, و سيظل السؤال جدلاً أبدياً.



غرفة صغيرة يقف فيها بضعة ضباط, و على مقعد جلس متهالكاً, نصفه الأعلى عارياً و به آثار تعذيب, و أدوات تعذيب نراها متناثرة بإنتظام على الجدران و على الطاولات المحيطة به, يربت أحد الضباط على الجالس على المقعد مطمئناً إياه بأن الأمر انتهى.

الصورة كئيبة … قاتمة, زادها الأبيض و الأسود واقعية و قتامة, لم ير أحد التعذيب, لم يسمع أحد صراخ الضحية, لكن تعبيرات الوجه و حركة من حوله و كل شئ بالغرفة يشي بالكثير عما حدث.

الجالس على المقعد جزائري … و الضباط فرنسيون, و ملامح تعابير الندم على وجهه تفصح عما قاله, هو عضو في خلية عنقودية هرمية, و لتوه أفشى بأسرار كثيرة, و تبقى ان يرشدهم لمكان المطلوب الأكثر أهمية, القائد علي لابوانت مع أفراد خليته الجديدة, في أحدى منازل القصبه, رجل و طفل و امرأة, و المفترض قيامهم باحدى العمليات في اليوم التالي.



علي لابوانت القادم من شوارع الجزائر الخلفية, الأمي خريج السجون, الثائر المندفع دوماً, الصامت بثقة تدفعك لمهابته, و بنظرة تحدي مستمرة من عينيه القويتين, لكن كل شئ تغير في الحبس, بالسجن رأى أناس يساقون للمقصلة لكفاحهم من أجل إستقلال الجزائر.



و هل ينسى صيحة ذاك المساق للمقصلة “الله أكبر تحيا الجزاير”  ؟ و كما سيق ذاك الرجل الى المقصلة, تغيرت نظرة علي لحياته و قرر أن يلتحق بالجبهة.



لم يخبرنا الفلم كيف وصل علي للجبهة, لكن الطفل الجالس بجواره قرأ له أول مهمة, إغتيال ضابط فرنسي يتردد على محل ليلتقط الأخبار, يوم الإغتيال عليه أن يقابل امرأة بالشارع, يتتبع الضابط, تناوله المرأة المسدس ليضرب عليه الرصاص من الخلف, و لكن علي دوما يقاتل معركته وجها لوجه العدو, لا يلتزم بالأمر, تحاول المرأة منعه, يتملص و يقف أمام الضابط و المسدس مشهراً بوجهه, و تنطلق كلماته: انظروا كيف يخاف, انظروا هؤلاء من يحكموكم, و تكهرب الموقف بالشارع و تعلقت الأبصار بيد علي و اصبعه على الزناد, و ضغط علي على الزناد, و لم يدو صوت الرصاص, كليك كليك, كانت الخزانة خاوية؟

اسمع علي, يصعب للشعب باش يبدأ ثورة, و يصعب له بالزاف باش يواصلها, و يصعب له أكثر و أكثر باش ينتصر, و لكن من بعد من بعد ما ننتصروا تبدأ الصعوبات الكبيرة

أصوات أقدام الجنود الفرنسيين وهي تخترق الأدوار الكثيرة, القبض على كل الرجال بالدار, تجميعهم في باحة الدار, يقف الرجل المتهالك في زي جندي فرنسي, يشير لهم بإحتقار لمكان إختباء على لابوانت.



خلف جدار مغطى ببلاط قبع علي لابوانت و رفاقه الثلاثة, و صمت طويل فرض نفسه, كانت كلمات الضابط الفرنسي لهم بضرورة الخروج و الإستسلام و إلا فجروا المكان.

أحياناً تغدو القدرة على التماسك  و الثبات على المواقف أقوى من غريزة البقاء, و أحياناً يبدو التراجع و الإنحناء الوقتي للظروف الطارئة في قمة التعقل رغم مرارته, القائد المباشر لعلي لابوانت استسلم, رأى الموت بهذا الشكل لا فائدة منه, لايزال هدفه الذي يسعى اليه لم يتحقق, لم تتحرر الجزائر بعد, لا فائدة للموت الآن, هكذا سلم ياسف سعدي نفسه.

علي لابوانت تمسك باستقلاله و بإمتلاكه زمام القرار, و الإصرار عليه, تم تفجير المكان, مات علي لابوانت و رفاقه, و كان موته شاهداً على وحشية الإستعمار و قسوة الغرباء على أرض لا يملكونها.

و لكن أليس الأجبن مهاجمة قرى غير محصنة بقنابل النابالم و التي تقتل آلافاً أكثر؟ بالتأكيد الطائرات ستجعل مهمتنا أسهل, أعطونا قاذفات قنابلكم سيدي, و تستطيع أن تأخذ سلالنا المفخخة.

بنتوكورفو, المخرج الإيطالي الموهوب لم يكن يريد أن يصنع فيلماً عن أحداث الجزائر, بل أراد أن يعيش تلك الأحداث, فجاء العمل شديد الواقعية, ياسف سعدي شارك بنفسه في تمثيل دوره بالفيلم, على لابوانت مثله جزائري لم يعمل بالتمثيل من قبل إبراهيم حجاج (شاهدته في مشهدين عابرين في وقائع سنوات الجمر) , مجاميع بشرية كبيرة, تصوير بالأماكن ذاتها,تشويش الصورة لجعلها أقرب لطبيعة الفيلم الوثائقي, تفجيرات حقيقية, أمور جعلت فلماً كهذا صعب التنفيذ بنفس الدرجة من الواقعية هذه الأيام, شارك بنتوكورفو في وضع موسيقى الفيلم, و يقول عنها “الصورة الموسيقية لها نفس درجة و أهمية الصورة البصرية, بل أحيانا تفوقها”, بنتوكورفو إيطالي و له تاريخ نضالي كواحد من قادة اليسار في إيطاليا, عدد أفلامه محدود مابين وثائقيات و أفلام روائية, و لعل أحد أسباب إقلاله في إفلامه ما قاله عن نفسه أنه يظل يفكر كثيراً في تفصيلات العمل, بل حتى يفكر كثيراً في جدواه من الأساس, لهذا السبب تراجع عن مشاريع أفلام كثيرة, لكن يبدو دوما شغفه بالسياسة هو ما يغلب على أفلامه, بعضها سبب له مشاكل مع دول مختلفة كفرنسا و أسبانيا, بل و جعلت بعضها صعب التسويق كأفلام تحقق مكاسب, و هي نفس المشكلة التي يواجهها كل من يتعمقون في هذه الإتجاه من الأفلام, وستواجه مخرجا موهوباً آخر هو كوستا جافراس, في حين يركز بنتوكورفو جهده على الإستعمار و قضايا التحرر, يركز جافراس على السلطة و دهاليز السياسة.

حصد الفيلم سبع جوائز منها الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا 1966, و رشح لثلاث جوائز أوسكار.

نشر أول مرة بتاريخ 2010/01/02

عندما كنا ملوكاً

“محمد علي كان كالفيل النائم , يمكنك فعل ما تشاء بجانب فيل نائم , لكن عندما يصحو سيسحق كل شئ” قالها مالك بوين.

كان علي محاصراً فى جنبات الحلبة يتفادى الضربات بكلتا يديه يحمى وجهه و بطنه يتمايل بخفة و يتقافز يمينا و يسارا و جورج فورمان يكيل له الضربات الثقيلة يمنة و يسرة.



فى استراحة احدى الجولات تقترب الكاميرا من وجه علي, عيني علي يبدو عليهم الاحساس بالخوف و صوت أحد الصحفيين المرافقين لعلي يقول: “لأول مرة أرى فى عيني علي نظرة الخوف كأنه يقول لنفسه أهذه هى النهاية”



نفس الصحفي يصف المشهد قبل المباراة قائلا : “كان الجو العام كجو العشاء الأخير كان الجميع واجمين ينظرون لعلي و يتحسرون , لكن علي قال لماذا أنتم جالسون هكذا ؟ أنا ذاهب لأرقص و أرقص و ارقص”

علي الساخر اللذى كان يتدرب على الحلبة و يوجه الضربات يمينا و يسارا و يتقافز و يصرخ بصوت عال فى وجه الكاميرا قبل المباراة ” الفتى خائف منى إنه خائف حتى الموت إنه يتمنى لو لم ياتى لهنا”



لكن من يرفض خمسة ملايين دولار !!!!

فى الخلفية هتاف الجمهور الزائيري فى استاد العاصمة كينشاسا الاستاد الذي شهد مذابح الطاغية موبوتو , موبوتو الداعم للمباراة, فهي للعالم الخارجي تثبت أن زائير بلداً آمناً, تشي باستقرار الحكم, موبوتو الذي خاف حضور المباراة فشاهدها عن طريق دائرة تلفزيونية والجمهور الزائيري يهتف “علي بوماييه بوماييه” “علي اقتله” يقتل من ؟ فورمان الذي كان يتساءل لماذا ؟ لماذا يريدون قتلي؟ أننى ربما أشد سوادا فى الجلد منه ؟ هل تظنون أنى سأكون سعيدا حينما يهتفون “فورمان بوماييه” ؟! أم كانوا يقصدون موبوتو !!!

كان الوقت فجرا فى زائير لكن الآلاف تجمعوا لمشاهدة المباراة في الاستاد, و شهدها الطاغية وحيداً في قصره, كان اختيار الفجر حتمياً  لكى يشاهدها الجمهور  فى ذروة توقيت المشاهدة فى الولايات المتحدة مباشرة على الهواء.
كان هناك كثيرون ينتظرون نهاية علي المشاغب المغرور الرافض لتلطيخ يديه بدماء الأبرياء فى فيتنام كثيرون قالوا استحالة أن يهزم فورمان الذي كانت ضرباته القوية تترك أثارا عميقة فى كيس التدريب الثقيل , كانو ينتظرون كسر انفه ذلك المغرور الذى خيب ظنهم جميعا و فاز !!!!!

سبق المباراة حفل غنائي لفرق مشاهير السود بأمريكا و اختلطت الثقافة بالسياسة بالرياضة بالمال بالمتعة فى خليط إنساني عجيب حيث الحديث عن الأمريكان من أصل أفريقي عندما كانو ملوكا فى أفريقيا قبل أن يتم استعبادهم و نقلهم للولايات المتحدة ليباعو كعبيد كان الخليط الإعلامي جذاباً و براقاً “من سفينة العبودية إلى عرش البطولة” !




فى الجولة الثامنة بعد أن استخدم علي تكنيك نفسى وعصبى لإرهاق فورمان طوال سبع جولات كان علي سريع و مستفز و بنهاية الجولة الثامنة أطاح علي بفورمان بالضربة القاضية.



فاز الفلم بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 1997, و حصد ست جوائز أخرى , و رشح لثلاث جوائز مختلفة.

نشر أول مرة بتاريخ 2009/12/30

طوكيو!

ثلاث قطع سينمائية مختلفة تدور أحداثها حميعاً في طوكيو, يخرجها ثلاثة مخرجين من مدارس سينمائية مختلفة, القطعة الأولى بعنوان تصميم داخلي من إخراج ميتشل جوندري و تدور بشكل عام حول فكرة الاستقلالية و كيف أن الإنسان لو استمر في التخلي عن أحلامه و تصوراته لصالح الآخرين سيصبح في النهاية مجرد شئ في حياتهم, شئ لا يختلف كثيرا عن كرسي أو مقعد, و القطعة الثالثة بعنوان زلزلة طوكيو من إخراج جون هو بونج و تدور بشكل عام حول الوحدة و الفراغ وإعادة اكتشاف النفس, و هي برأيي أجمل القطع في الفلم بصرياً و إخراجاً.

أما القطعة الثانية فهي التي شدت انتباهي بالكامل, القطعة بعنوان ميردي و تعني بالفرنسية خراء, و هي للمخرج ليو كاراكس, و هي تدور حول الكائن الأسطوري ميردي و الذي يتخذ من مجاري طوكيو سكناَ له, و يعتقد أنه آخر سلالته, أو من القلة النادرة الباقية الموجودة, و يتكلم لغة خاصة, و يحب أكل الزهور و النقود و يكره الأبرياء بشكل خاص و الناس بشكل عام.



و كما ترون بالصورة ميردي لحظة خروجه المبهرة من بالوعة المجاري, و هو يعشق اللون الأخضر, لكن كيف جاء ميردي الى طوكيو؟, لا يخبرك الفيلم بهذا, لكن بالفلم إشارة سريعة عن أنه ربما يكون مهاجراً غير شرعياً للبلاد.

افتتاحية هذا المقطع سريعة و مثيرة, الخلفية موسيقى كلاسيكية و الكاميرا تتحرك بسرعة وسط الشارع, الكاميرا منخفضة لتعطيك احساساً بحركة ميردي وهو يمارس هوايته في شوارع طوكيو, افتتاحية حية و مليئة بالانفعالات, تشد الإنتباه و تثير الحماسة للمتابعة.



ميردي بعد أن رمي بعقب سيجارة سرقها على عربة طفل رضيع و الأم تنظر له بدهشة وغضب وخوف.



ميردي و هو يختتم جولته بالعودة من جديد للمجاري, و نرى حرصه الشديد على جماليات نزوله للمجاري, و التأكد من شاعرية المنظر.

ميردي يتجول بين ضحاياه على أحد سلالم الكباري, بعد أن رمي على المارة أشياءاً وجدها في أحد قنوات المجاري وسط مخلفات الحرب العالمية الثانية.

الجميع بإنتظار المحامي الفرنسي المشهور و القادر على التخاطب بنفس لغة ميردي, و للعجب له نفس اللحية و نفس العين.

المحامي الفرنسي المشهور في المطار لحظة وصوله, يعطي للصحافيين لمحات جمالية و يبدو واضحاً حبه للون الأخضر و الشاعرية كميردي.

محاولات مستميتة من المحامي للتفاهم مع ميردي المقيد.

أخيراً استجاب ميردي و بدأ الحديث مع المحامي, و المحامي غير مصدق لنجاحه.

جلسة المحاكمة التاريخية حيث أعرب ميردي عن حبه للحياة و لنفسه و كرهه للأبرياء و للناس عامة.

لحظة الإعدام الأسطورية, و نرى ميردي هنا بعد إعدامه وهو يهرش في فخذه.

هذه القطعة بالذات أثارت حيرتي, فلقد استمتعت بها و أضحكتني في مواضع عدة, لكن كان دوما الإستمتاع مصحوباً برغبة في أن أفهم ما يقصده المخرج بهذه الشخصية و تلك الأحداث, لكن هل من الضروري أن نفهم كل ما نستمتع به؟ و لو فشلنا في الفهم , هل نأول ما نرى و نبدأ في تجربة فك الرموز؟ برأيي الشخصي الرموز كثيرة في تلك القطعة, و لعل هذا جزء من سحر التناول, فالرموز هنا تلقائية و بسيطة و غير مقحمة, و تتسق مع الشكل العام للأحداث, و هو ما يغري دوماً بالتأويل.

الفيلم  حصد ثلاث جوائز و رشح لأخرى.

نشر لأول مرة بتاريخ 2010/01/24

إم

إن لم تكن تملك قصة جيدة, فمن الصعب جداً أن تصنع فيلماً جيداً, و إذا لم يكن حكيك جيداً للقصة, فمن الصعب أن تمتع المشاهد بما يرى, الفلم السينمائي في نهاية المطاف هو تطور طبيعى لفن الرواية, و إن كانت الرواية المكتوبة تجسيد للأفكار والمشاعر على صفحات الورق, فإن الفلم ينقل الورق و المكتوب فيه الى حيز المرئي و شبه الملموس, و لكن في حين أن الرواية هو جهد فردي, فإن الفلم يختلف في أنه مجهود جماعي و يحتاج لكثير من التنظيم و التخطيط و الإدارة.

فيلم إم (M) انتج عام 1931, و هو من إخراج أحد رواد فن السينما, المخرج الألماني فرتز لانج صاحب تحفة متروبوليس و تحف بصرية أخرى عديدة. فيلم إم يمتاز بقصة جيدة, و حكي جيد و توظيف جيد لأدوات الحكي (ممثلين و موسيقى و أماكن تصوير … الخ) و سيناريو قوي واضح فيه الإستفادة من تجارب عديدة سابقة له أو لمخرجين آخرين, و ابتكار في الحكي.

الفلم يدور حول جرائم خطف وقتل أطفال غامضة, يعتقد الجميع أن ورائها شخص واحد, في الواقع هذا الشخص يبعث برسائل عديدة للصحافة تسرب واحد منها على غير رغبة رجال الأمن. تتسبب تلك الجرائم في تعكير صفو الأمن في برلين و صفو المجرمين و الشحاذين على وجه الخصوص, فالإجراءات غير العادية للأمن جعلت كلا من الشحاذة و اللصوصية مهن صعبة في ظل تلك الأجواء.

يبدأ الفلم بمشهد عام لأطفال يلعبون في ساحة احدى الدور و يغنون أغنية حول قاتل أطفال, فتظهر في احدى الشرفات بالأعلى أم تنهرهم و تطلب منهم الكف عن غناء تلك الأغنية البشعة, الأم قلقة لتأخر طفلتها في العودة من المدرسة, نفس الوقت ينتقل المشهد ليصور الطفلة و هي تسير في الشارع عائدة و تكاد تصدمها سيارة لكنها تنجو, تستمر بالسير تلهو بكرة معها, و في مشهد معبر تضرب بالكرة إعلانا منشورا بمكافأة لمن يدلي بمعلومات حول القاتل, في حين تضرب الكرة الإعلان يظهر ظل القاتل على الإعلان ناظراً للطفلة.



يأخذ السفاح و هو يصفر بلحن موسيقي شهير الطفلة لأحد باعة البالونات و يشتري لها بالونة و يصطحبها لأحد المنازل, في أثناء كل هذه الأحداث يبقيك المخرج على حالة الأم وهي تعد الطعام و هي تغسل الملابس و هي تنتظر الطفلة  و هي تنظر للساعة, … الخ في حكي موازي مشوق, و توظيف للبيئة المحيطة لإبراز حالة القلق و الحيرة داخل الأم, فمشهد كالسلم الدائر للأسفل أشعرني بحالة دوران الأفكار قلقا على الطفلة.

أداء للممثلة صاحبة دور الأم أكثر من رائع, تعبيرات الوجه, الملابس, حركات اليدين, الرأس, نظرة العينين, حركات الشفاه, أداء يبرز الجهد المبذول في إنتقاء عناصر الحكي بصورة جيدة, فالمشاهد لا يبذل جهاً لإقناع ذاته أن تلك أم حقيقة, و أن جزعها و قلقها هو قلق حقيقي, و الإختيار الجيد لعناصر الحكي و بخاصة الممثلين سيتكرر في كل الأعمال السينمائية ذات القيمة على اختلاف لغاتها, وأزمنتها.

تتصاعد الأحداث بشكل مرتب, في حين يسير المخرج بك بطبقات المجتمع المختلفة و جهود الأمن لإحكام الخناق حول المجرم, تجد نفسك و قد تعرفت على جهات عدة و شخصيات عدة في هذا المجتمع البرليني, من أدوات البوليس و عناصره, للحانات, لرواد النوادي الراقية, للصحافيين, حتى يتنهي تجوال المخرج بك عند اللصوص, فبسبب تلك الإجراءات بلغ بهم السخط مبلغاً على ذاك اللص جعل معه القبض عليه و الإنتهاء منه هدفهم الأول, يبغون بذلك إنهاء تلك الإجراءات الإستثنائية في المدينة, وبعد مقارنة ثنائية جميلة لاجتماعهم مع اجتماع الأمن, يقرر زعيم اللصوص أن الوقت قد حان للقيام بتلك المهمة, و أن خير من يساعدهم هو نقابة الشخاذين, فتنتقل بك الكاميرا لمجتمع الشحاذين و تتعرف على وجه آخر للمدينة.

الجميع الآن يطارد السفاح, الأمن, اللصوص , والشحاذون, لكن كيف الوصول اليه, ففي حين انتهى إجتماع الأمن الى أن المجرم لابد و أن يكون مريضاً نفسياً, يتفق اللصوص مع الشحاذين على إبلاغهم حال رؤيتهم لشخص بالغ مريب مع فتاة صغيرة, و في حين يحصل الأمن على قائمة بأصحاب الأمراض النفسية ممن أطلق سراحهم, يوزع زعيم الشحاذين المناطق و الميادين على رجاله لمراقبتها بدقة, و هكذا تبدأ المطاردة بالتوازي.

يصل أحد عناصر الأمن لبيت أحد المشتبه بهم, ينتظره في غرفة الجلوس لحين عودته, نفس الوقت يتفحص غرفته, يتفحص الطاولة ليرى إن كان عليها أي آثار كتابة, لا يجد, يفكر جيداً و يبحث في جوانب الغرفة عن منطقة محتملة للكتابة عليها, يتفحص إفريز النافذة, بالفعل وجد شيئاً مريباً هناك, ربما هذا الرجل هو بغيته.

السفاح بالشارع مع فتاة أخرى, يصفر نفس اللحن المميز, يتعرف الأعمي على الصوت, ينادي احدى الشحاذين و يطلب منه تتبعه, يجري وراءه من مكان لآخر, ثم في النهاية يقرر أن يميز بدلته بعلامة مميزة ليسهل نقل الوصف للشحاذين بالمناطق الأخري, فيكتب على جرف إم بالجير, و يضربه على ظهره بيده, ليطبع الجرف على ظهر البذلة.



تستمر المطاردة و السفاح لا يدري, إلى أن تنبهه الطفلة أن هناك شئاً ما على ظهره, ينتبه لأول مرة لما يدور حوله و يحاول الهرب, الى أن يتم حصاره في احدى الشوارع.



فيلجأ السفاح لإحدى المباني مختبئاً فيه, فيخبر الشحاذون اللصوص بالأمر و الموقع, و هنا يتولى اللصوص القيادة مقتحمين المبنى و مسيطرين عليه بمهنية وكفاءة, فيحاصروا السفاح في إحدى الغرف.



يضطر اللصوص للهرب بسرعة و معهم السفاح, بعد نجاح أحد الحراس في دق جرس الإنذار, ينصرف الجميع و ينسوا أحد اللصوص في احدى الغرف, يقبض عليه الأمن و منه تعرف القصة الغريبة.



نفس الوقت يعقد اللصوص و الشحاذون محكمة كاملة الأركان بهيئة دفاع عن السفاح, استكمالا للشكل الإجرائي, و يترافع السفاح المذعور عن نفسه في أداء يميل بشكل كبير للأداء المسرحي التعبيري, و إن كان الحوار في هذا المشهد يتميز باللغة العميقة المنتقاة بحرص, وهو ما عوض الى حد ما تلك المبالغة الزائدة في التعبير.



في النهاية يصل الأمن ليسيطر على الموقف, وينتهي الفيلم بمشهد للمحكمة وهي تبدأ القول في الحكم, لينتقل المشهد الى الأمهات الثكالى و أم الطفلة التي ظهرت في بداية الفلم و هو تقول ان هذا لن يرجع الأطفال.



نشر لأول مرة بتاريخ  2010/02/20

الامبراطور و القاتل

في العام 221 قبل الميلاد وبعد سنوات من الحرب الأهلية بين مئات الممالك, انبثقت سبع ولايات هيمنت على حكم الصين, كانت ولاية قن هي الأكثر طموحاً بينهم وكانت تحت حكم الملك ينج شن, مدفوعاً بوصية الآباء اعتبر الملك ينج أن توحيد الصين هي حربه المقدسة.

يبدأ الفيلم بمشهد لصب المعدن المنصهر في قالب صخري لسيف, ثم اظلام لبرهة قصيرة يتلوه لوحة فنية لجنود في معركة واسم الفلم يتكون على الشاشة, في الخلفية الموسيقى المميزة للفيلم, في صوتها الحيرة و التساؤل و الحنين, و حزن خفي ينبثق من نغماتها, خزن خفي من الصعب الإمساك به, ثم اظلام قصير و من قلب الظلمة المتلاشية ينبعث صوت الملك العجوز زاعقاً بأعلى ما يستطيع من جهد:

-الملك ينج شن, هل نسيت أوامر أجداد قن لتوحيد كل ما تحت السماء؟



الملك, أو من سيصبح ملكاً بعد قليل في مقدمة المشهد, و قد اكتست ملامح وجهه بالحيرة, يرد بكل قسوة مخافة أن تتسلل الحيرة و التردد الى روحه:

- لا, أبداً, لا يجرؤ ينج شن على ذلك.

ينهار الملك العجوز على سريره مفارقا الحياة, بينما التفافة ينج الزائغة لجثته تدوم للحظة, ليستدير بعدها مغادرا الحجرة, و قبل أن يغادرها يصيح فيه حكيم الدولة:

- الملك ينج شن, هل نسيت أوامر آبائك بتوحيد كل ما تحت السماء؟

و بصوت عميق و بنفس نظرة الزيغ و قد بدأت سحب التصميم تطرد آثاره:

- لا, ينج زن لم ينس أبداً, و لا للحظة.

هذا الفلم عن أول إمبراطور للصين, و عن البطل الذي حاول قتله بخنجر مخبأ دخل خريطة, و عن رئيس وزراء قن لو بوي صاحب التاريخ الموسوعي القديم للصين يوميات الربيع والخريف, وعن ام الامبراطور وأولادها الغير شرعيين و من ضمنهم الامبراطور ذاته, الفلم ذو طبيعة ملحمية و يقترب كثيراً و بدقة غريبة من الأحداث الحقيقة لفترة الولايات المتحاربة في الصين, وهو يحكي قصة الامبراطور ينج شن و حلمه لتوحيد الصين تحت حكم ملك واحد, فينعم الناس بالرخاء و الأمان بعد أن تشتت الصين الى ممالك عدة لم يعد لها من هدف موحد الا أطماع و نزوات حكامها الأفراد. فحينما كان أمير يان أسيراً عنده, و هاج على آسريه و رفع السيف على ينج شن, نظر الامبراطور إليه بكل هدوء وقال له:

- حتى لو قتلتني, سيكمل أحدهم الوحدة, ان لم يكن أنا, لربما كنت أنت, بعد 550 عاماً ماذا جنينا من مئات الممالك؟

و يكرر نفس القول في وجه رسامي خريطة الصين الموحدة بعد أن علم أنهم من ولاية هان و هو على وشك تدميرها:

-هان ستختفي, لكن سيحل محلها مملكة عظيمة.

وسيعيد التساؤل على قاتله وهو غارق في دمائه و يضحك غير عابيء بجراحه العديدة:

-لم تضحك؟ لم تريد قتلي؟ ألا تعلم بما أريد فعله؟ أنا أريد تأسيس امبراطورية عظيمة.

لكن قاتله يخبره أن الجنرال فان يبلغه رسالة أخيرة, أنه لم يبح بسره لمخلوق.

هذا السر الذي اكتشفه وهو يحاكم عشيق أمه, الماركيز, و اضطره للجوء لمقبرة الأجداد, ليسأل رئيس الوزراء لو بوي مستجديا اياه التصريح:

-رئيس الوزراء, اخبر العالم انني لست ابنك؟

- اقتلني و سيعلم العالم كله أنك لست ابني.

لكن رئيس الوزراء ينهي حياته بيده, ويصدر الامبراطور وهو في قمة مأساته الشخصية أمراً بإعلان رئيس الوزراء خائناً للدولة, و أن يقتل كل أهله و أولاده. كان قد تأكد لحظتها أنه ابن رئيس الوزراء.

ينتهي الفيلم بهذه العبارة:

في العام 221 قبل الميلاد, غزا ملك قن كل الممالك ليصبح أول إمبراطور للصين الموحدة, لم يدم نجاحه طويلا حيث دامت اسرة قن لمدة 15 عاماً ثم تغلبت عليها اسرة هان, لا يزال قبره في خيان محروساً بآلاف من محاربي التيراكوتا.



فاز الفيلم بجائزتين و رشح لثمان اخرى.

نشر لأول مرة بتاريخ  2010/06/19

السبت، 6 يوليو 2019

كل له نية في بغض صاحبه



قال
الفضل بن العباس

مهلا بني عمنا مهلا موالينا
لاتنبشوا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا ان تهينونا ونكرمكم
وان نكف الاذى عنكم وتوذونا
مهلا بني عمنا عن نحت اثلتنا
سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا
الله يعلم انا لا نحبكم
ولا نلومكم ان لم تحبونا
كل له نية في بغض صاحبه
بنعمة الله نقليكم وتقلونا